سند 14 أكتوبر ومدد 21 سبتمبر.. قبائل اليمن تستكمل معركة الاستقلال في مواجهة السعودية
من ردفان إلى ساحات 21 سبتمبر، ومن مقاومة المحتل البريطاني إلى مواجهة الصلف السعودي، يواصل الشعب اليمني خوض معركة واحدة عنوانها الحرية والسيادة ورفض الوصاية، ومعركة اليمن اليوم لم تبدأ ضد الوصاية السعودية في السنوات الأخيرة، كما لم تولد مقاومته مع أول غارة، بل تمتد جذورها إلى ثورة 14 أكتوبر التي أسقطت الاحتلال البريطاني وغربت شمسه تحت أقدام اليمنيين، وتواصلت مع ثورة 21 سبتمبر2014 التي أعادت للقرار الوطني حضوره، ثم تجسدت في صمود شعبي طويل في مواجهة العدوان والحصار، وبين ردفان وساحات الثورة وجبهات المواجهة مع العدو الأمريكي السعودي ومرتزقتهم ، ظل اليمنيون يثبتون حقيقة واحدة: هذا شعب لا يقبل أن تُدار أرضه من الخارج، ولا يسمح بأن تتحول ثرواته وموانئه وموقعه الاستراتيجي إلى أدوات بيد الوصاية.
يمانيون| محسن علي
في قلب هذا المسار، لعبت القبيلة دور الحاضنة والحارس، فاحتضنت مقاومة الأمس، وتشارك اليوم في التعبئة وإسناد القوات المسلحة، لتؤكد أن الوصاية السعودية لن تكون قدرًا لليمن، وأن الصمود الذي هزم الاحتلال القديم قادر على إسقاط الهيمنة الجديدة.
خط واحد من أكتوبر إلى سبتمبر
تمثل ثورة 14 أكتوبر 1963 محطة مفصلية في تاريخ التحرر اليمني؛ فقد واجهت الاحتلال البريطاني في الجنوب، وحولت القبائل والقرى والجبال إلى حاضنة للمقاومة، ورفضت أن يتحول الاحتلال إلى أمر واقع دائم، وقدمت القبائل الرجال والمأوى والمعلومات وطرق الإمداد، ودفعت أثمانًا كبيرة من الشهداء والجرحى، حتى أصبحت كلفة بقاء المحتل أعلى من قدرته على الاحتمال، فلم يكن الهدف آنذاك إخراج الجنود البريطانيين فحسب، بل استعادة حق اليمنيين في إدارة أرضهم وقرارهم وثرواتهم، ولذلك بقيت ثورة أكتوبر في الذاكرة الوطنية مشروعًا للاستقلال، لا مجرد انتصار عسكري مؤقت.
21 سبتمبر واستعادة القرار الوطني
جاءت ثورة 21 سبتمبر2014م بوصفها امتدادًا لمعركة التحرر، ومحاولة لقطع الطريق أمام النفوذ الخارجي الذي أضعف الدولة وقيّد قرارها لعقود من الزمن، فالثورة لم تطرح السيادة شعارًا احتفاليًا، بل ربطتها بحق اليمنيين في إدارة مواردهم، وحماية مؤسساتهم، ورفض الارتهان للمشاريع الإقليمية والدولية.
صمود الشعب في مواجهة العدوان
على مدى سنوات العدوان، تحمل اليمنيون القصف وتدمير الخدمات والحصار وفقدان الأحبة بعد تقديمهم قرابين شهداء في سبيل الله تعالى، لكنهم لم يتخلوا عن خيار الاستقلال، وبدل أن يتحول الألم إلى استسلام، تحول إلى طاقة صمود، وأسهمت القبائل في رفد الجبهات بالرجال والمال والسلاح، وحافظت على تماسك المجتمع في مواجهة محاولات التفكيك.
لقد أراد العدوان وإلى اليوم إعادة اليمن إلى موقع التابع، لكنه واجه شعبًا عصيا يرى أن الحرب ليست معركة حدودية عابرة، بل محاولة لمصادرة القرار ونهب الثروات وفرض الوصاية، ولهذا، لم يعد الصمود مجرد تحمل للضربات، بل دفاعًا عن معنى الدولة وحقها في إدارة موانئها ومطاراتها ومواردها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
القبيلة.. ذاكرة المقاومة وقوة الإسناد
في هذه المعركة، تؤدي القبيلة دورًا يتجاوز الحشد الرمزي، فهي امتداد تاريخي لمقاومة الاحتلال البريطاني، وحاضنة اجتماعية لثورة 21 سبتمبر، وقوة إسناد للقوات المسلحة في مواجهة التحشيدات السعودية، وتظهر أهمية هذا الدور في قدرتها على الصمود الاستراتيجي وتعبئة المجتمع، ورفد الجبهات بالرجال والمال والسلاح، وحماية الجبهة الداخلية، والدعوة إلى توحيد الصف الوطني المتلاحم.
مواجهة الصلف وقطع الوصاية
لا ينظرالشعب اليمني إلى الصراع مع النظام السعودي باعتباره مواجهة مع دولة مجاورة فحسب، بل مع مشروع وصاية يريد التحكم في القرار والثروة والجغرافيا، ولذلك يربطون بين إنهاء العدوان ورفع الحصار واستعادة الموارد، وبين قطع الطريق أمام عودة الهيمنة الأجنبية.
ومن هذا المنظور، فإن معركة اليمن ليست دفاعًا عن حاضر مثقل بالحرب فقط، بل حماية لمستقبل لا يريد أن يكرر تجربة الارتهان، فالشعب الذي خرج من ثورة أكتوبر، ثم أعاد تأكيد استقلاله في 21 سبتمبر، يرى أن التراجع أمام الضغط السعودي يعني التفريط في مسار تاريخي كامل من التحرر وخيانة كبرى لدماء أجدادهم الشهداء والجرحى.
رسالة إلى أبناء الجنوب
وإلى أبناء المحافظات الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال، تبرز دعوة لاستعادة الذاكرة قبل أن تتحول الأرض إلى ساحة لخدمة الوصاية: تذكروا دماء ثوار أكتوبر، وأهدافهم في التحرر والاستقلال، ولا تسمحوا بتحويل أبنائكم إلى وقود لمشاريع الخارج، إن الوفاء لأولئك الشهداء يقتضي استعادة القرار الوطني، ورفض التحشيد والارتزاق للعدو الخارجي، وإطلاق حراك وطني جامع يجتث الهيمنة السعودية بوسائل التحرر المشروعة، ويعيد للجنوب دوره في حماية اليمن ووحدته وكرامته واستقلاله وسيادته الكاملة.
ختاما
من ردفان إلى ساحات 21 سبتمبر، أثبتت القبائل اليمنية أنها حاضنة لثورة الأمس وشريك في حماية قرار اليوم، وأن القصف والحصار لا ينتزعان القرار من مجتمع متماسك وصلب وثابت كشموج جبال ردفان ونقم وعطان ، فهل يدرك النظام السعودي أن اليمن الذي طرد البريطاني لن يقبل وصاية جديدة؟ أم أن الصلف سيقود أصحابه إلى الحقيقة التي يكررها التاريخ: اليمن قد يتألم، لكنه لا ينحني، ولا يتنازل عن حريته؟ وأن اليمن مقبرة كل غازيها.