من أوهام ابتلاع اليمن إلى البحث عن الأمان.. كيف انقلبت معادلة الهيمنة السعودية؟
لم تكن الحرب السعودية على اليمن مجرد عدوان عسكري فقط، بل كانت مشروعًا لفرض الهيمنة ومصادرة القرار اليمني وإخضاع بلد عريق لإرادة العدو السعودي الذي دخل المواجهة وهو يتوهم أن المال والسلاح والتفوق الجوي كفيلة بتركيع اليمن خلال أسابيع، لكنه اصطدم بحقيقة لم تدخل حساباته، أن الشعوب ليست جداول حسابية، والأوطان ليست صفقات شراء، والسيادة لا تُنتزع بمجرد حشد الطائرات والأسلحة، وبعد سنوات من العدوان، تبرز المفارقة الاستراتيجية الكبرى، العدو الذي راهن على تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ خاضعة لإرادته، وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا، بعدما تحول العدوان من أداة لفرض الهيمنة إلى عبء أمني وسياسي يستنزف موارده ويهدد حساباته الإقليمية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
اللجنة الخاصة.. الوهم الذي قاد الرياض إلى سوء التقدير
كانت إحدى أخطر أخطاء حسابات العدو السعودي، اختزال اليمن في شبكة من الولاءات والمصالح والارتباطات التي عُرفت باسم اللجنة الخاصة، والتعامل مع المنتفعين باعتبارهم مرآة تعكس حقيقة المجتمع اليمني، لقد راهن العدو السعودي على تقارير تصنعها المصالح، وتقديرات يضخمها أصحاب الولاءات، وصورة توحي بأن اليمنيين قابلون للإخضاع متى توافرت القوة والمال، لكن تلك المرآة لم تكن تعكس اليمن بقدر ما كانت تعكس رغبات من يقفون أمامها، وهنا تكمن الخطيئة الاستراتيجية، حين تم الخلط بين ولاء المنتفعين وإرادة الشعوب، فإنه لا يسيء قراءة الواقع فحسب، بل يبني قراراته على وهم قد يقوده إلى كارثة، فمن يبيع موقفه بحثًا عن مصلحة شخصية لا يملك تفويضًا لبيع وطنه، ومن يَعِدُ الخارج بإخضاع شعبه لا يستطيع ضمان أن يتحول ذلك الوعد إلى حقيقة، وقد كشفت سنوات العدوان الفجوة بين رهانات العدو السعودي وبين واقع يمني لم تنجح الحسابات الغبية في تطويعه.
مليارات السلاح أمام إرادة لا تُشترى
دخل العدو السعودي الحرب مستندا إلى تفوق عسكري واسع، ومظلة دعم غربية، وإمكانات مالية ضخمة، وكأن ميزان القوة المادية وحده كفيل بكتابة نهاية المعركة، لكن الحرب أطول من التوقعات، والمواجهة أعقد من الحسابات الأولية، فقد واجهت العمليات العسكرية مقاومة مستمرة، وتطورت القدرات العسكرية اليمنية، وبرزت وسائل الردع الصاروخي والجوي المسيّر بوصفها عوامل أعادت تشكيل معادلة الصراع، ولم تعد المسألة مجرد تفوق في عدد الطائرات أو قيمة المنظومات العسكرية، وهنا تحطمت أسطورة الحسم السريع، امتلاك القوة شيء، والقدرة على إخضاع الخصم شيء آخر تمامًا، فالتفوق التسليحي لا يمنح صاحبه شيكًا مفتوحًا لتحقيق أهدافه، ولا يحوّل الجغرافيا إلى أرض مستباحة، ولا يضمن أن تنتهي الحرب وفق السيناريو الذي رُسم لها في غرف التخطيط.
من فرض الهيمنة إلى مواجهة ارتدادات العدوان
لم تبقَ تداعيات العدوان محصورة داخل اليمن؛ فقد امتدت المواجهة إلى العمق السعودي عبر هجمات استهدفت أراضي ومنشآت حيوية خلال مراحل مختلفة من الصراع، ما جعل الأمن الداخلي وحماية البنية التحتية جزءًا أساسيًا من حسابات المواجهة، وهكذا، تحولت الحرب التي كان يُراد منها فرض واقع جديد على اليمن إلى مصدر مخاطر أمنية واستراتيجية على الكيان السعودي نفسه، فبدلًا من أن تنتهي المواجهة سريعًا وفق الرهانات الأولية، أصبحت كلفتها واستحقاقاتها عاملين ضاغطين في حسابات العدو السعودي، وفي هذا السياق، يمكن قراءة مساعي العدو في هذه التحولات إلى استجداءً للحماية وانهيارًا كاملًا للقدرات الدفاعية للعدو السعودي.
التبعية الأمريكية.. مفارقة الطموح وحدود القرار
تتجلى مفارقة أخرى في سعي العدو السعودي إلى توسيع نفوذها الإقليمي بالتوازي مع اعتمادها على شراكات عسكرية وأمنية غربية، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة، فالطموح إلى فرض الهيمنة لا يعني بالضرورة امتلاك استقلال كامل في أدوات القوة، خصوصًا عندما ترتبط القدرات العسكرية بالتسليح والصيانة والدعم والتعاون الدفاعي الخارجي، ومن هنا يبرز السؤال، كيف يمكن لدولة أن تطمح إلى فرض إرادتها على محيطها، بينما تظل جوانب مهمة من أدوات قوتها مرتبطة بشركاء دوليين؟ وهو ما يكشف التناقض بين خطاب القوة الإقليمية وحدود الاعتماد الاستراتيجي على الخارج.
اليمن.. مقبرة الأوهام الاستعمارية
لقد كشفت سنوات العدوان أن إخضاع اليمن ليس مهمة تُحسم بالمال أو التفوق العسكري، وأن تجاهل التاريخ والجغرافيا والهوية الوطنية يقود إلى رهانات مكلفة مهما امتلك أصحابها من أدوات القوة، فالخسارة الاستراتيجية لا تُقاس فقط بما يُدمَّر في الميدان، بل أيضًا بالفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، وبالسنوات التي تستنزفها الحرب، وبالأزمات التي تتركها خلفها، لقد راهن العدو السعودي على أن القوة ستجعل اليمن تابعًا، لكن استمرار المواجهة أثبت أن القوة وحدها لا تصنع الخضوع، وأن الرهان على الولاءات لا يلغي إرادة المجتمع، وأن الحرب قد ترتد على من أشعلها بدلًا من أن تمنحه الهيمنة التي أرادها، وهذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها على المشهد، لا استقرار دائمًا بالقهر، ولا سيادة تُبنى على مصادرة سيادة الآخرين، ولا انتصار استراتيجيًا مضمونًا في حرب تُختزل فيها الشعوب إلى أرقام في حسابات القوة، فاليمن ليس غنيمة، ولا ساحة مفتوحة للأطماع، ولا وطنًا يمكن إعادة تشكيله وفق إرادة العدو السعودي؛ وأي تسوية مستدامة لا بد أن تنطلق من احترام سيادته، وإنهاء العدوان ورفع الحصار بعيدًا عن أوهام الهيمنة والإخضاع.