رسالة من صنعاء إلى الأزهر.. محمد عبدالسلام يضع حرب اليمن أمام ميزان الحوار والعدالة
في لحظة تبحث فيها المنطقة عن مخرج من دوامة الحروب، جاءت رسالة رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب لتعيد طرح السؤال من جذره: هل كان يمكن تجنب الحرب على اليمن لو اختير الحوار بدل الغارات؟ الرسالة لا تكتفي بالترحيب بدعوة الأزهر إلى إنهاء الحروب، بل تقدم رواية سياسية متكاملة تبدأ برسالة طمأنة حملها عبدالسلام إلى السعودية قبل «عاصفة الحزم»، وتنتهي باتهام التدخل العسكري بتحويل خلاف داخلي إلى صراع إقليمي مفتوح، وبهذا الانتقال، تتحول الرسالة من مخاطبة دينية إلى وثيقة سياسية تختبر مسؤولية الجوار العربي، وتستحضر قواعد الإصلاح بين المتخاصمين، وتربط استمرار المعاناة اليمنية بما تصفه بالعدوان والحصار وغياب المساءلة.
يمانيون| محسن علي
الأزهر بوصفه مدخلًا إلى وقف الحرب
تستهل الرسالة موقفها بالترحيب بدعوة الأزهر إلى إنهاء الحروب في المنطقة، معتبرة إياها دعوة مسؤولة وحكيمة، ويمنح هذا الاستهلال الرسالة إطارًا يتجاوز السجال السياسي المباشر، إذ تخاطب مؤسسة دينية ذات حضور عربي وإسلامي واسع، وتدعوها إلى النظر في جذور الأزمة لا في نتائجها العسكرية وحدها.
ومن هذه الزاوية، يعرض عبدالسلام ما يراه حقائق أساسية حول الحرب بين اليمن والسعودية، مؤكدًا أن اليمن لم يكن، مصدر تهديد للمملكة، وأنه لم يبدأ حربًا ضدها، وتستند الرسالة هنا إلى حجة مركزية مفادها أن الخلاف الذي سبق التدخل السعودي كان يمنيًا داخليًا، وكان يمكن التعامل معه عبر الحوار والوساطة بدل تدويله عسكريًا.
رسالة الطمأنة قبل الحرب
تستعيد الرسالة زيارة عبدالسلام إلى السعودية مطلع عام 2015، موضحًا أنه أُوفد من قبل السيد عبدالملك الحوثي لنقل رسالة طمأنة إلى المملكة، ووفق العرض الوارد فيها، تضمنت الرسالة شرحًا لطبيعة الأحداث داخل اليمن، والتأكيد على أن الثورة اليمنية لم تكن موجهة ضد السعودية أو تستهدف أمنها، إلى جانب إبداء الاستعداد لحل الخلافات السياسية بالحوار والتفاهم.
وتحاول هذه النقطة إعادة بناء المشهد السياسي السابق للحرب، من خلال القول إن باب التواصل كان مفتوحًا، وإن الرياض كانت تملك فرصة للتعامل مع الأزمة باعتبارها خلافًا بين أطراف يمنية، كما تستند الرسالة إلى منطق الجوار والعروبة والإسلام، الذي يوجب، في نظرها، السعي إلى الإصلاح بين المتخاصمين وعدم الانحياز العسكري إلى طرف ضد آخر.
من تغيير القيادة إلى تغيير الخيار
بحسب الرسالة، انتهت زيارة عبدالسلام بعد وفاة الملك عبدالله وطلب عودته إلى اليمن، على أمل استئناف التواصل لاحقًا، غير أن التطور اللاحق، كما يرويه، تمثل في انتقال القيادة السعودية إلى الملك سلمان حاملةً خيار الحرب بدل خطة للسلام.
وتحدد الرسالة 26 مارس 2015 نقطة تحول رئيسية، حين بدأت الغارات الجوية على اليمن بصورة مفاجئة، وتشير إلى أن الضربات الأولى استهدفت ليلًا مطار صنعاء الدولي وحيًا سكنيًا مجاورًا، لتعلن السعودية من واشنطن ما سمي «عاصفة الحزم»، وتحلل الرسالة هذا الإعلان باعتباره تعبيرًا عن رهان سعودي على الحسم الجوي، مدعومًا بالمساندة الأمريكية، دون تقدير كافٍ لتعقيدات اليمن وطبيعة الصراع فيه.
الحرب بوصفها مضاعِفًا للأزمة
لا تنظر الرسالة إلى التدخل السعودي باعتباره فشلًا في تحقيق أهدافه فحسب، بل باعتباره عاملًا أسهم في توسيع الأزمة، فبدل أن ينهي الخلاف، تقول إن التدخل صب الزيت على النار، ونقل الصراع من مستوى داخلي إلى مواجهة إقليمية أكثر اتساعًا، رافقها قصف ومجازر وحصار خانق.
وتحمّل الرسالة السعودية مسؤولية مباشرة عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، معتبرة أن من نجا من الغارات واجه آثار الحصار ونقص الاحتياجات الأساسية، كما ترى أن استمرار التدخل العسكري لم يحقق للمملكة أهدافها، ولم يعفها في الوقت نفسه من تداعيات الحرب السياسية والإنسانية، خصوصًا مع استمرار العمليات والقيود.
الدلالة السياسية للرسالة
تتمثل الرسالة الأبرز في أن معالجة الحرب لا تبدأ من موازين القوة، بل من الاعتراف بأن التدخل العسكري لم يكن الطريق الطبيعي لحل خلاف يمني، ولذلك تستحضر الرسالة قاعدة الإصلاح بين المتخاصمين: الحوار أولًا، وإن تعذر الصلح يُنظر في الطرف المعتدي لردعه، بدل تحويل النزاع إلى حرب شاملة.
ختاما
لا تطرح رسالة محمد عبدالسلام إلى شيخ الأزهر سردية الماضي لمجرد تسجيل المواقف، بل تستخدمه لتحديد مسؤولية الحاضر: خلاف كان يمكن احتواؤه بالحوار، فاختيرت له الطائرات؛ ورسالة طمأنة قوبلت، وفق الرواية المقدمة، بخطة حرب؛ ونتيجة لم تكن حسمًا، بل اتساعًا للدمار والمعاناة، وبينما يرحب عبدالسلام بدعوة الأزهر إلى إنهاء الحروب، تضع الرسالة المؤسسة الدينية أمام سؤالها الأثقل: هل تكفي الدعوة إلى السلام ما لم تُقرأ جذور الحرب وتُسمَّ مسؤولياتها ويُفتح طريق حوار ينهي العدوان والحصار؟