من يهدد قبائل اليمن يفتح أبواب المواجهة الكبرى.. الردع اليمني يرسم الخطوط الحمراء

تهديد العدو السعودي للقبائل اليمنية ليس تفصيلاً عابراً في معادلة الصراع، بل مغامرة بحسابات شديدة التعقيد، قد تنقل المواجهة إلى مسارات لم تكن في الحسبان، وفي رسالة تحمل أبعاداً تتجاوز التحذير التقليدي، أكدت القوات المسلحة اليمنية أن أي تورط سعودي في استهداف القبائل لن يمر مرور الكرام، وأن الرد قد يفتح الباب أمام خيارات كبرى لم يسبق اللجوء إليها، أيُّ حسابات يمكن أن تدفع إلى تهديد القبائل اليمنية؟ وأيُّ تقدير للمشهد يمكن أن يتجاهل ثقل هذه المكونات الاجتماعية، وتجذرها التاريخي، وتشابك امتداداتها، وقدرتها على التحول من حالة الاستنفار الاجتماعي إلى مواقف ميدانية واسعة عندما تشعر بأن الخطر يستهدف وجودها وأمنها؟ إن المسألة هنا تتجاوز مجرد تهديد إعلامي أو تصريح عابر؛ فنحن أمام تطور بالغ الحساسية، يضع العدو السعودي أمام تبعات قرار قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة بدلاً من احتوائها، فحين يدخل المكوّن القبلي في دائرة التهديد المباشر، فإن التداعيات المحتملة لا تبقى بالضرورة محصورة في نطاق الهدف المقصود، بل قد تمتد إلى بيئة اجتماعية أوسع، بما تحمله من روابط وتفاعلات وحسابات متداخلة،  وفي مقابل هذا التهديد، جاء الموقف اليمني واضحاً في رسالته وحاسماً في تحذيره،  فقد أكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية أن تهديد القبائل لن يمر مرور الكرام، محذراً من أن تورط السعودية في تنفيذ تهديدها سيترتب عليه عواقب كارثية وغير متوقعة، ومشدداً على أن القوات المسلحة قد تلجأ إلى خيارات كبرى لم تكن ترغب في اتخاذها،  إنها رسالة ردع تقول بوضوح إن الانتقال إلى استهداف القبائل لن يكون خطوة بلا ثمن، وإن حسابات التصعيد قد تتغير جذرياً إذا جرى تجاوز الخطوط الحمراء التي حددها الجانب اليمني.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

القبائل اليمنية.. تاريخ من الصمود لا يمكن تجاهله

ليست القبيلة اليمنية مجرد إطار اجتماعي تقليدي، ولا تجمعاً بشرياً يمكن التعامل معه بمعزل عن تاريخه وجغرافيته وروابطه الداخلية،  إنها أحد المكونات الأساسية التي أسهمت في تشكيل المجتمع اليمني، واحتفظت عبر مراحل تاريخية طويلة بأدوار مؤثرة في حماية المجتمعات المحلية، وإدارة النزاعات، والتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية، وقد أسهمت الطبيعة الجغرافية لليمن، بما تتسم به من جبال ومرتفعات وتضاريس متنوعة، إلى جانب الأعراف القبلية وشبكات التضامن الاجتماعي، في تشكيل خبرات محلية متراكمة في التعامل مع الصراعات،  ولا يمكن فهم هذه الخبرة بمعزل عن المكانة التي تحتلها الأرض والهوية والروابط الاجتماعية في الوعي القبلي، ومن هنا، فإن التهديد باستهداف القبائل ينطوي على مخاطرة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة؛ لأنه قد يُفهم باعتباره استهدافاً لجماعات ومناطق وروابط اجتماعية، لا مجرد مواجهة مع أفراد أو تشكيلات بعينها،  وهنا تكمن حساسية الرهان،  فالمجتمع الذي يمتلك روابط تاريخية واجتماعية عميقة لا يمكن افتراض أن تهديده سيؤدي تلقائياً إلى إخضاعه، بل قد تكون النتيجة عكسية تماماً.

الردع اليمني.. تحذير من تجاوز الخطوط الحمراء

تتجاوز دلالة تصريح المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية حدود الرد الإعلامي على تهديد مقابل؛ فصياغة التحذير تشير إلى محاولة تثبيت معادلة ردع واضحة،  أي استهداف للقبائل قد يفضي إلى رد يتجاوز حدود الواقعة نفسها،
وتبرز في التصريح ثلاثة أبعاد رئيسية، إسقاط فرضية الضربة المحدودة، فالتحذير من أن تنفيذ التهديد لن يمر مرور الكرام يبعث برسالة مفادها أن تبعات الاستهداف لن تُقاس فقط بحجم العملية أو موقعها، وإنما بما قد تفتحه من مسارات تصعيد لاحقة، وكذلك إبقاء خيارات الرد مفتوحة، فالحديث عن خيارات كبرى لم يُلجأ إليها حتى الآن يحمل دلالة ردعية مهمة؛ فهو يشير إلى أن الرد، وفقاً للموقف المعلن، ليس محصوراً في نمط واحد أو مستوى واحد من الاستجابة، ولا يكشف التصريح عن طبيعة هذه الخيارات أو نطاقها، وهو ما يجعل من غير الدقيق الجزم بما ستتضمنه،  غير أن وظيفته السياسية والعسكرية واضحة، التحذير من افتراض أن الطرف اليمني استنفد أدواته، أو أن نطاق رده يمكن تحديده مسبقاً.

تحميل العدو السعودي مسؤولية التصعيد

حين يحذّر المتحدث العسكري من عواقب التنفيذ، فإنه يربط بين القرار وتبعاته، ويضع المسؤولية السياسية والعسكرية عن التصعيد على عاتق العدو إن اختار الانتقال من التهديد إلى الفعل، وهذه نقطة جوهرية في معادلات الردع؛ إذ لا تكمن الغاية في إطلاق التهديدات المتبادلة فحسب، بل في منع العدو من الاعتقاد أن بإمكانه اتخاذ خطوة تصعيدية ثم التحكم منفرداً في حدود نتائجها.

هل يدرك العدو السعودي بتهديده طبيعة ما يلوّحون به؟

إن التعامل مع القبائل اليمنية بمنطق الضغط والتهديد يثير تساؤلات عن طبيعة التقديرات التي تستند إليها هذه المقاربة،  فهل يجري احتساب التداعيات الاجتماعية والسياسية المحتملة، أم أن التركيز ينصب على التأثير المباشر في القبائل دون تقدير كافٍ لردود الفعل الأوسع؟ ويعتبر هذا التهديد دليلاً قاطعاً على انهيار الخطة العسكرية،  لكن يمكن القول إن توسيع دائرة التهديد لتشمل مكونات اجتماعية واسعة يرفع مستوى التصعيد ، والخطأ الاستراتيجي هنا هو افتراض أن الضغط على المجتمع سيؤدي بالضرورة إلى إضعافه أو تفكيك موقفه.

معادلة الردع.. القوة في منع التصعيد لا في إطلاق التهديدات

تُقاس فاعلية الردع بقدرته على تغيير حسابات العدو  ومنعه من الإقدام على خطوة يعتقد أنها قد تحقق له مكسباً، ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة اليمنية تركز على رفع مستوى التحذير من عواقب استهداف القبائل، والتنبيه إلى أن النتائج قد تتجاوز التوقعات الأولية،  وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من ربطها بين حماية القبائل وبين احتمالات اتساع المواجهة،  فالمقصود ليس مجرد الإعلان عن رفض التهديد فقط ،  بل التشديد على أن تنفيذَه قد يفتح مرحلة مختلفة من الصراع، بما يستدعي إعادة تقييم المخاطر قبل اتخاذ أي قرار.

القبائل والردع.. لماذا قد تتجاوز التداعيات حدود الميدان؟

تكمن خطورة استهداف القبائل في أن نتائجه المحتملة لا تتوقف عند الجانب العسكري،  فالقبيلة تؤدي أدواراً اجتماعية ومحلية متداخلة، وقد ينعكس استهدافها على العلاقات بين الجماعات، وعلى مواقف القيادات المحلية، وعلى فرص الوساطة والتفاهم في مناطق متعددة،
وقد يؤدي الاعتداء على منطقة أو جماعة بعينها إلى اتساع مشاعر التضامن معها، أو إلى تغير مواقف أطراف لم تكن منخرطة مباشرة في المواجهة، وفي المقابل، فإن تجنب استهداف المدنيين والمجتمعات المحلية يظل ضرورة قانونية وإنسانية، فضلاً عن كونه عاملاً مهماً في منع توسع الصراع،  ومن هنا، فإن التهديد باستهداف القبائل ليس مجرد مسألة تتعلق بطبيعة الهدف، بل يرتبط أيضاً بما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات تتجاوز النطاق الجغرافي المباشر، وتؤثر في البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بالصراع.

رسالة القوات المسلحة اليمنية.. لا تراهنوا على أن التحذير بلا تبعات

يحمل التصريح اليمني رسالة مباشرة إلى الطرف السعودي مفادها أن تنفيذ التهديد باستهداف القبائل لن يُعامل باعتباره حادثاً منفصلاً يمكن احتواء تداعياته بسهولة،  وفي الحسابات العسكرية والسياسية، يمثل عدم اليقين أحد العوامل التي تدفع الأطراف إلى إعادة تقدير قراراتها، خصوصاً عندما تكون كلفة التصعيد المحتمل مرتفعة أو يصعب حصرها، لكن الأهم أن قوة الرسالة لا تكمن في حدّة ألفاظها وحدها، بل في قدرتها على إيصال تحذير واضح من مغبة اتخاذ خطوة قد توسع الصراع وتزيد المخاطر على جميع الأطراف.

تهديد القبائل قد يفتح مواجهة يصعب احتواءها

إن التهديد باستهداف القبائل اليمنية يفتح ملفاً شديد الحساسية، تتداخل فيه اعتبارات الردع العسكري مع طبيعة المجتمع اليمني وروابطه التاريخية، وما يمكن أن ينتج عن أي اعتداء من تداعيات اجتماعية وسياسية وأمنية، وفي مواجهة هذا التهديد، جاء التحذير اليمني ليؤكد أن تنفيذَه قد يقود إلى مرحلة مختلفة من التصعيد، وأن الخيارات المتاحة للرد، وفقاً للتصريح، لا تقتصر بالضرورة على ما جرى استخدامه سابقاً، فمن يلوّح باستهداف القبائل لا ينبغي أن يفترض أن نتائج قراره ستظل محصورة في حدود الهدف الذي اختاره، وقد تكون أخطر التداعيات هي تلك التي تنشأ خارج الحسابات الأولية، عندما يتحول التهديد إلى عامل يوسّع دائرة المواجهة ويجعل احتواءها أكثر صعوبة،  وفي نهاية المطاف، فإن الاختبار الحقيقي ليس في مَن يطلق التهديد الأعلى صوتاً، بل في قدرة الردع على منع تنفيذه، وحماية المدنيين، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى تصعيد أوسع.

You might also like