رسالة اليمن الى العالم

الاستعمار.. ومعركة الوعي

عباس السيد

يطلق خبراء السياسة والإعلام على “الحرب الإعلامية” صفة “حرب الجيل الرابع”، فإذا كانت حرب الجيل الأول تعتمد على قوة الرجل وما يحمله من عدة وعتاد، وحرب الجيل الثاني تعتمد على قوة الحديد والنار لإحكام القبضة، فإن حرب الجيل الثالث قامت على حصار القوة العسكرية ذاتها، من أجل عزلها ومحاصرتها، بحيث تشترك حروب الأجيال الثلاثة في تدمير قوة الخصم، وفرض الهزيمة عليه بتجريده من قوته العسكرية واحتلال الأرض وتكبيده الخسائر.

أما حروب الجيل الرابع، فهي حروب من دون مَدافِع، لكن تأثيرها أشد وقعاً وخطورةً، فهي تشتت الأفكار وتتلاعب بعواطف الناس ومطالبهم، تثير النعرات والرغبات، وتلهيهم عن القضية الأساسية، وتجعل خصمها يستسلم لها بسهولة، وأحيانا كثيرة دون مقاومة.

في الحرب الإعلامية، يلجأ المهاجم أو العدو الخارجي إلى الحروب بالوكالة من داخل الدول التي يستهدفها، مستندا على وكلاء محليين يستهدفهم بعناية، بناء على مشاكل عرقية أو مذهبية أو مناطقية أو إثنية أو لغوية .

ويمكن القول، إن معظم المناطق اليمنية المحتلة حالياً كانت الحرب الإعلامية سبباً رئيسياً في سقوطها بيد قوات تحالف العدوان ومرتزقتها .

حيث استغلت قوى العدوان مظالم ومطالب إخواننا في تلك المناطق وسخرتها في حربها الإعلامية، ولا تزال تتلاعب بعواطف الناس ومطالبهم، دون أن تحقق لهم شيئا، بما فيها أبسط المطالب المتعلقة بالخدمات الأساسية، وترك المواطن حائرا بين ماضيه وحاضره ومستقبله، وعاجزا عن ترميم وعيه المدمر.

ومن الواضح أن العدوان – الذي يشن على اليمن منذ 2015م – هو موجة استعمارية جديدة يستخدم فيها كافة نماذج وأجيال الحروب السابقة، مضافا إليها جيل الحرب الإعلامية.

الحرب الإعلامية التي تشن علينا تستمد قوتها من عوامل عدة، أهمها :
– ميراث الفساد، والتأريخ المزور .

فالأنظمة السابقة، شمالا وجنوبا، تركت لنا إرثا كبيرا من الفساد والمظالم والمطالب الاجتماعية .

ويعد الفساد السياسي أخطر وأثقل تركة للأنظمة السابقة، فمن خلالها صنعت أحزابا كرتونية، وبرزت نخب سياسية واجتماعية تعمل مع من يدفع.. وعملاء، أفرادا وأطقما كاملة، على شاكلة “حكومة الرياض”.

وكذلك، تاريخنا المزور – الذي أضفيت عليه هالة من القدسية – يجري استغلاله في الحرب الإعلامية كمرجع لتأصيل ما يتم اختلاقه من زيف وأباطيل.

وعلى سبيل المثال، يستخدم الطرف الآخر – الذي يعمل ضمن تحالف العدوان – ذرائع وشعارات متعددة للتأثير على الرأي العام المحلي والخارجي، منها على سبيل المثال، شعار “حماية والجمهورية”، والمفارقة المثيرة أن يرفع هذا الشعار من القوى التي سرقت الثورة والجمهورية طوال عقود .. وبهذه الذريعة تم شن ستة حروب على صعدة خلال الأعوام 2004_2010.

التاريخ هو الكذبة المتفق عليها، هكذا عرّف المفكر الفرنسي الكبير فولتير التاريخ، وكذلك عبّر الكاتب جورج أورويل عن نفس الفكرة من ناحية تعليل الكذب التاريخي، كأحد أساليب إنتاج علاقات القوة التي تحكم المواقف والتوجهات الاجتماعية، بقوله: “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي”.

شمالا.. قامت ثورة 26 سبتمبر عام 1962م بإرادة مصرية أكثر منها يمنية، ولذلك تعثرت أهدافها الستة التي بقت حبراً على ورق .

قبلها كانت ثورة 48 بدستورها “المقدس”، كما يصفه لنا التاريخ الرسمي، مع أن صياغته تمت في مكتب الإخوان المسلمين بالقاهرة، وأقره حسن البنا.

وما يعرف بحركة 55 التي قادها الثلايا في تعز، كانت أسبابها خلافا بين الإمام أحمد والمقدم أحمد الثلايا الذي رفض معاقبة عدد من جنوده بعد أن أدينوا بممارسة انتهاكات كبيرة في إحدى القرى بضواحي تعز الشمالية .

جنوبا.. قضى الاحتلال البريطاني في جنوب اليمن 128 عاما، لكنها اختزلت في كتب التاريخ الرسمي ببضعة كتب، غاب عنها الكثير من الأحداث والوقائع التي تكشف حجم التضحيات التي قدمها اليمنيون منذ اليوم الأول، ومعاناتهم في ظل الاحتلال الذي مارس أبشع الجرائم والانتهاكات بحق اليمن واليمنيين.

النضال ضد المحتل لم يتوقف طيلة تلك العقود، لكن التاريخ الرسمي يصر على أن نضال اليمنيين ضد المحتل البريطاني بدأ في 14 أكتوبر 1963م.

وكأن اليمنيين كانوا يعيشون في سلام ووئام مع المحتل، قبل ذلك التاريخ.

عام 2010م زرت المتحف الحربي في عدن، ضمن مهمتي لإعداد ملف عن الاحتلال وذكرى الاستقلال، واستغربت أن حوالي ثلث محتويات المتحف، هي صور أحداث ثورة 26 سبتمبر وصور الإعدامات التي كانت تنفذ في العهد الملكي.

الثلث الثاني من المتحف يوثق للوحدة اليمنية، والباقي أسلحة قديمة.

حينها قلت لمدير المتحف: حتى صورة لبوزة مافيش ؟!. واختلفنا حول وجودها، وكان ناقص “نعدل” لولا أن الدوام كان في نهايته.

هذا الطمس والتزوير للتاريخ شمالاً وجنوباً، هو ما جعل من عودة تمثال الملكة فكتوريا إلى حديقة التواهي بعدن وإقامة نصب تذكاري للأتراك في صنعاء “أمرا عاديا”، وهو – الطمس والتزوير – جزء أساسي من الحرب الإعلامية، وهذا ما يُسهِّل عودة الاستعمار من جديد.

قد يعجبك ايضا