رسالة اليمن الى العالم

الأسرى الفلسطينيون المضربون عن الطعام.. استشهاديون حتى انتزاع حريتهم

يمانيون/فلسطين/

يدرك الأسير الفلسطيني في اللحظة التي يعلن فيها إضرابه المفتوح عن الطعام، أنّه يعلن استعداده لفقدان حياته في سبيل تحقيق مطالبه.

 

يحاول الأسرى الفلسطينيون، القابعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، انتزاع حقوقهم بأنفسهم، عن طريق إضرابهم عن الطعام، نظراً لتعنُّت الاحتلال واستمرار سياسته في قمعهم.

 

وكان  المعتقل الإداري خليل عواودة المضرب عن الطعام منذ أكثر من 160 يوماً في سجن “عوفر”، آخر الأسرى المضربين، فيما تقول زوجته دلال عواودة في حديثها للميادين بعد زيارتها له في المستشفى، إنّه “مستمرٌ في الإضراب حتى انتزاع حريتي”، على الرغم من أن الطبيب أكّد أنّ “أعضاء كثيرة لن تعود إلى سابق حالتها الطبيعية حتى لو علّق الأسير خليل عواودة إضرابه عن الطعام”.

 

فالإضراب عن الطعام أو “معركة الأمعاء الخاوية”، هو وسيلة من المقاومة أو الضغط لدى الفلسطينيين في محاولة منهم لإجبار إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي، على الاستجابة لمطالبهم المختلفة، والتي تستند جميعها بالأساس على المطالبة بمعاملتهم وفق أبسط الحقوق الإنسانية، خاصةً المعتقلون إدارياً الذين اعتقلوا بدون تهمة أو محاكمة.

 

وتمارس قوات الاحتلال الإسرائيلي الاعتقال الإداري باستخدام أوامر الاعتقال التي تتراوح مدتها بين شهر واحد و6 أشهر، قابلة للتجديد دون تحديد عدد مرات التجديد.

 

جسدٌ في وجه معركة الإضراب عن الطعام

هناك عدد من الاختلافات في أنواع الإضراب عن الطعام، لكنها بالمجمل تشًمل شكل من أشكال “رفض الطعام”، ويرفض بعض السجناء مجرد تناول الماء ـ فيما يعرف بالإضراب “الجاف”، في حين يرفض البعض تناول الطعام والشراب على حدٍ سواء، وعادةً ما يقود هذا النوع إلى الموت السريع.

 

وينقل الأسير منذ لحظة إعلان الإضراب إلى الزنازين، ويعزل بشكلٍ كامل، ويجرّد من كل شيء، وبعد الأيام العشرة الأولى من الإضراب لا يستطيع الوقوف، وتبدأ حالة من التعب الجسدي والنفسي وسط هذا العزل التام.

 

طبياً، تفيد وثيقة حول الإضرابات الجماعية عن الطعام من “California Health Care Correctional Services” أنّ في بداية الإضراب تختفي آلام الجوع عادةً بعد 3 أيام، وبعدها يبدأ الجسم باستخدام البروتين الذي يخزن في العضل لإنتاج الجلوكوز، كما تنخفض مستويات الأملاح المعدنية الأساسية، مثل البوتاسيوم، إلى مستويات خطيرة ويفقد الجسم أيضاً كتلة الدهون والعضلات.

 

وبعد أسبوعين، قد يواجه المضربون عن الطعام صعوبة في الوقوف، ويعانون أيضاً من الدوخة الشديدة والخمول والضعف وفقدان التوازن وانخفاض معدل ضربات القلب والشعور بالبرد.

 

وبعد أن يمتد إلى 3 أسابيع، تصبح المستويات المنخفضة من الثيامين (فيتامين ب 1) خطراً حقيقياً، ويمكن أن تؤدي إلى مشاكل عصبية شديدة، بما في ذلك ضعف الإدراك وفقدان البصر ونقص المهارات الحركية.

 

أما حين تصل مدة الإضراب عن الطعام إلى شهر، أو عند فقدان أكثر من 18% من وزن الجسم، تحدث مضاعفات طبية شديدة ودائمة، يمكن أن يصبح ابتلاع الماء أمراً صعباً للغاية، ويمكن أن يفقد الشخص قدرته على السمع والبصر، ويصبح التنفس أمراً مجهداً وتبدأ وظيفة الأعضاء بالتراجع حتى تؤدي إلى الفشل.

 

وبعد 45 يوماً من الإضراب عن الطعام تشكل الوفاة خطراً حقيقياً، بسبب فشل عمل القلب والأوعية الدموية.

 

الإضراب سلاح الأسير الفلسطيني لانتزاع حقوقه

تكرّرت الإضرابات الفردية والجماعية عن الطعام للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلية، بمدد متفاوتة.

 

سلاح “الإضرابات الفردية” لم يكن وليد اللحظة، حيث جرت أول تجربة فلسطينية لخوض الإضراب عن الطعام في سجن نابلس في أوائل عام 1968، حيث خاض المعتقلون إضراباً عن الطعام استمر لمدة 3 أيام، احتجاجاً على سياسة الضرب والإذلال التي كانوا يتعرضون لها على يد جنود الاحتلال، وللمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية والإنسانية. ثم توالت بعد ذلك الإضرابات عن الطعام.

 

إلى أن بدأ ما يقارب 1800 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلية إضراباً جماعياً عن الطعام في تاريخ 17 نيسان/أبريل 2012، احتجاجاً منهم على تطبيق الاعتقال الإداري.

 

وفي 14 أيار/مايو من العام ذاته، تم الإعلان عن موافقة السجناء على إنهاء إضرابهم عن الطعام بعد توصلهم لاتفاق مع السلطات الإسرائيلية بوساطة مصرية وأردنية. وبموجب الاتفاق، وافقت السلطات الإسرائيلية على قصر مدة الاعتقال الإداري على 6 شهور فقط عدا في حالات تظهر فيها أدلة جديدة ضد المشتبه به، وعلى زيادة الزيارات العائلية وعلى إعادة المحتجزين انفرادياً إلى الزنزانات العادية.

 

وتمكن عشرات الأسرى من انتزاع حريتهم من قلب إدارة السجون الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن خاضوا إضرابهم عن الطعام بمفردهم، من ضمنهم الأسير المحرر خضر عدنان، والأسير المحرر سامر العيساوي، الذي خاض أطول إضراب عن الطعام في تاريخ السجون الإسرائيلية، استمر لأكثر من 265 يوماً، إضافةً إلى الأسير ماهر الأخرس، والأسيرة هناء الشلبي، والأسيران ثائر حلاحلة وبلال ذياب، والأسير الغضنفر أبو عطوان، وغيرهم الكثير.

 

الضغط على “إسرائيل”

بحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن مؤسسات الأسرى، فقد بلغ  عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال نحو 4650 أسيراً، وذلك حتّى نهاية شهر حزيران/يونيو 2022، من بينهم 30 أسيرة، و180 قاصراً، ونحو 650 معتقلاً إدارياً، ومئات الأسرى المرضى من بينهم 23 أسيراً مصابون بالأورام والسرطان بدرجات متفاوتة أصعبها حالة الأسير ناصر أبو حميد.

 

ووصل عدد أوامر الاعتقال الإداري الصّادرة خلال شهر حزيران 153 أمراً، بينها 58 أمراً جديداً، و95 أمر تجديد.

 

من المؤكد أنّ إضراب الأسرى عن الطعام يزيد من التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية بشكلٍ عام، وقضية الأسرى الفلسطينيين بشكلٍ خاص، فالإضراب بما فيه من وجع إنساني مهول، لديه القدرة على وضع قضية الأسرى الفلسطينيين، بما تحمله من بعد وطني وسياسي وحقوقي، على أجندة الإعلام الدولي، وأجندة المنظمات والحراكات الشعبية، في الوقت الذي تتصدر فيه “إسرائيل” قائمة الأكثر كراهية حول العالم.

 

الأسير المحرر والمختص في شؤون الأسرى مصطفى مسلماني، يؤكد أنّ الإضراب عن الطعام هو السلاح الأقوى الذي يمتلكه الأسرى لمواجهة سياسة الاحتلال العنصرية وتحقيق مطالبهم العادلة. خاصةً وأنّ دولة الاحتلال من الدول التي وقعت على اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة، لكنها لم تلتزم بأي قانون من قوانين الإنسانية.

 

ويبيّن مسلماني أنّ مسلسل الإضرابات بدأ في بداية السبعينات ولا يزال مستمراً حتى الآن، حيث قدم الأسرى حتى اليوم أكثر من 227 شهيداً في سبيل انتزاع حريتهم وحقوقهم.

 

ويقول الكاتب الفلسطيني المختص بالشأن الإسرائيلي، حسن لافي، إنّ من عوامل الخشية الإسرائيلية من الإضرابات المفتوحة عن الطعام كشفَ حجم النازية والفاشية اللتين تمارسهما إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين، وإزالةَ الستار عن قوانينها العنصريةِ تجاه كلِّ ما هو فلسطيني، خاصةً وأنها تدّعي في تعريفها لذاتها أنّها دولة يهودية وديموقراطية.

 

لذلك من المؤكد أنّ الأسير الفلسطيني في اللحظة التي يعلن فيها إضرابه المفتوح عن الطعام يدرك تماماً وباقتناع راسخ أنّه يعلن استعداده لفقدان حياته في سبيل تحقيق مطالب إضرابه، فهذه الإضرابات بكل ما تحمله من قسوة على حياة الإنسان وجسده، مثّلت الوسيلة النضالية الأكثر نفعاً لدى الحركة الأسيرة الفلسطينية على مدار تاريخها، في فك شيفرة تعنّت سادية ونازية دولة الاحتلال وإدارة سجونها.

 

في المقابل، ومع شروع الأسير في إضرابه، تفقد سلطات الاحتلال الإسرائيلي سيطرتها على مسار الأمور، لاسيما أنً الفصائل الفلسطينية توعدت بأنّ “إسرائيل” ستدفع الثمن حال استشهاد أيّ من الأسرى المضربين عن الطعام في معتقلاتها.

المصدر/ الميادين/

قد يعجبك ايضا