من صمت العواصم إلى غضب الشعوب.. اليمن يكسر العزلة ويقلب معادلة المواقف
في عام 2015، حين اطلق العدوان الوحشي على اليمن بقيادة السعودية، لم يكن اليمنيون يواجهون الغارات والحصار والدمار وحدها، بل كانوا يواجهون شعوراً قاسياً بالخذلان، لم يشهدوا موجة تضامن شعبي تتناسب مع حجم المأساة، ولم يسمعوا أصواتاً عربية وإسلامية بالقدر الذي كانوا ينتظرونه دفاعاً عن بلدهم ورفضاً لاستهداف شعبهم، وكأن الدم اليمني لم يكن كافياً لتحريك ضمير العالم، وكأن معاناة اليمنيين لا تستحق أن تتصدر المشهد، وكشفت تلك المرحلة عمق الجرح الذي خلّفه الصمت، حين شعر اليمنيون أنهم تُركوا وحدهم في مواجهة عدوان مفتوح، لكن المشهد لم يبقَ على حاله، ولم تظل صورة اليمن محصورة في الروايات التي أرادت دول العدوان فرضها، فسنوات المواجهة، وما رافقها من مواقف سياسية وإقليمية، ولا سيما تجاه فلسطين وغزة، أعادت فتح الأسئلة حول حقيقة الاصطفافات، ومعايير التضامن، والفارق بين الشعارات المعلنة والمواقف العملية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
فلسطين وغزة.. الموقف الذي أعاد طرح الأسئلة
شكّلت فلسطين، وخصوصاً غزة، محطة مفصلية في الخطاب اليمني، إذ ربط اليمنيون موقفهم من العدوان على بلدهم برفض الاحتلال واستهداف الشعوب، وفي ظل المأساة التي شهدها قطاع غزة، برزت مواقف يمنية مؤيدة للفلسطينيين، وقدّم اليمنيين هذا الموقف باعتباره التزاماً يتجاوز الحسابات الضيقة إلى موقف مبدئي من قضايا الأمة، وهنا تكمن إحدى أبرز الدلالات:،حين يتمسك شعب بموقف يعتبره مبدئياً، فإنه يفتح لنفسه مساحات جديدة من التضامن، حتى خارج دوائر التحالفات الرسمية، فالمواقف الشعبية لا تتحرك دائماً وفق ما تقرره الحكومات، بل تتأثر بما تشاهده من معاناة، وما تلمسه من تناقضات، وما تراه من اتساق بين الأقوال والأفعال، ومن هذا المنطلق، يرى يمنيون أن موقف بلدهم من فلسطين أسهم في تغيير طريقة النظر إلى اليمن وقضيته.
السعودية والإمارات .. حين تصبح المواقف موضع مساءلة
تواجه سياسات العدو السعودي والإمارات أيضا مواجهة يمنية تتصل بالعدوان وتداعياته، وبالتناقضات التي ظهرت بين الخطاب السياسي والممارسة، فالعدو السعودي يوظف المقدسات في المواجهة ليضلل المجتمعات العربية والإسلامية، ولكنه يجد نفسه أمام تساؤلات بشأن مصداقية الروايات التي يطرحها، ولا سيما الادعاءات المتعلقة باستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومثل هذه الادعاءات، مهما بلغت حساسيتها، لا يحسمها التكرار أو الخطاب العاطفي، بل الأدلة القابلة للتحقق، أما الإمارات، فإن علاقاتها المعلنة مع العدو الإسرائيلي تظل موضع انتقاد لدى قطاعات ترى في التطبيع تناقضاً مع مقتضيات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وتكشف أن المصداقية لم تعد تُبنى بالشعارات وحدها، بل بقدرة أصحابها على تفسير التناقضات بين ما يعلنونه وما يمارسونه.
باكستان وتركيا.. هل تتسع دائرة رفض الحرب؟
تكتسب الأنباء المتداولة عن تحركات شعبية في باكستان رفضاً لأي مشاركة في عدوان على اليمن، وعن التحضير لمسيرة تضامنية في تركيا، أهمية خاصة؛ لأنها تطرح سؤالاً يتجاوز حدود البلدين، هل يمكن للمواقف الشعبية أن تضع قيوداً على قرارات الحرب التي تتخذها الحكومات؟، هذه التحركات واتساع نطاقها، تعبّر عن رفض قطاعات من المجتمعات أن تتحول بلدانها إلى أطراف في صراع جديد، وعن إدراك أن كلفة الحروب لا تتوقف عند حدود ساحات القتال، بل تمتد إلى أمن الشعوب واستقرارها ومصالحها.
من معركة السلاح إلى معركة الوعي
ما بين 2015 واليوم، لقد كانت مرارة اليمنيين في سنوات العدوان الأولى مرتبطة، إلى جانب العدوان نفسه، بإحساسهم أن معاناتهم لم تجد صدى كافياً، واليوم، فإن قيمة هذا التحول يقاس بمدى تحوله إلى تضامن حقيقي يرفض العدوان، ويحمي المدنيين، ويمنع الزج بالشعوب في حروب جديدة، فالمواقف التي تُختبر في لحظات الشدة هي التي تبقى في الذاكرة، والتضامن الذي يستحق التقدير هو الذي لا يميز بين الضحايا على أساس هويتهم أو موقعهم في خرائط السياسة والتحالفات.