الذبيحة والمرقوم والمصافاة: كيف ينظم العرف القبلي نصرة المظلوم وتسوية حقوقه؟
حين تتعثر سبل إنصاف المظلوم داخل محيطه القبلي، لا ينتهي الأمر بالضرورة عند حدود العجز أو الخصومة؛ ففي بعض الأعراف القبلية يفتح «الربع» باباً لطلب النصرة من قبيلة أو جماعة أخرى تسانده، وفق إجراءات متعارف عليها تبدأ بإعلان القضية، ولا تنتهي إلا بتوثيق القبول وتسوية الحقوق عند عودة صاحبها إلى محيطه الأصلي، غير أن هذه النصرة لا تقوم على الإعلان وحده، بل تحكمها إجراءات تشمل التحقق من القضية، وتوثيق الالتزامات، ومحاسبة الأطراف قبل إنهاء الربع.
يمانيون| محسن علي
عندما يتعرض شخص لظلم يمس دمه أو عرضه أو ماله، ولا يجد من قبيلته أو مغرمه الأصلي من يؤدي واجبه العرفي في مناصرته وردع خصمه، قد يلجأ إلى قبيلة أخرى أو جماعة أو شخص بعينه طالباً «الربع». ويعني ذلك، في هذا السياق، طلب النصرة والاحتماء بجهة يتوقع منها الوقوف إلى جانبه، إلى أن تتضح القضية ويُنظر في مظلوميته.
ولا يبدأ الربع، بحسب الإجراءات العرفية الواردة في المادة، بمجرد إعلان الرغبة في النصرة؛ إذ يتقدم طالبها إلى الجهة التي قصدها مصطحباً ذبيحة، تُذبح في ساحة القرية أو مسراخ القبيلة، إيذاناً ببدء الطلب، وقد يُعلن وصوله بإطلاق النار في الهواء، أو تُوجَّه الدعوات والرسائل إلى المعنيين، بحسب نطاق المكان والجهة التي يُطلب منها القبول.
عرض القضية والتثبت منها
بعد حضور المشايخ والعقال وأصحاب الرأي، يُمنح طالب الربع المجال لعرض قضيته وشرح ما تعرض له، ثم يعقد الطرف الذي استقبله اجتماعاً داخلياً للتشاور والرد، وغالباً ما يكون القبول في مرحلته الأولى مبدئياً، إلى أن تُراجع الوقائع وتُستوضح القضية.
الملاقي استماع وتقييم
ويتطلب التحقق، وفق العرف الموصوف، التواصل مع قبيلة طالب الربع أو مغرمه الأصلي، عبر لقاءات مباشرة تُعرف بـ«الملاقي»، للاستماع إلى الأطراف وتقييم مدى صحة المظلومية، فإذا ظهر أن طالب الربع تعرض فعلاً للظلم، وأن محيطه الأصلي قصّر في أداء واجبه العرفي، يُعلن القبول النهائي، ويُشهَر ذلك أمام القبائل الأخرى.
مرقوم الربع: تثبيت القبول والحقوق
عند قبول الربع في قرية أو فرع أو مسراخ قبيلة، يُحرر «مرقوم الربع»، وهو وثيقة خطية توضح طلب طالب الربع، وقبول الجهة المضيفة له، وما جرى من إجراءات، ويؤكد النص أن انضمام الربيع إلى نظام الإخاء والغرم مع الجهة التي استقبلته لا يحدث تلقائياً؛ بل يتطلب أن يطلب ذلك برضاه واختياره.
ويوقّع المرقوم كل من طالب الربع والجهة التي قبلت به، بما يجعل الوثيقة سجلاً لما تم الاتفاق عليه، ويحدد إطار العلاقة بين الطرفين، دون افتراض ترتيبات تتجاوز ما ورد في الوثيقة.
استرفاع الربيع وتسوية الحسابات
لا ينتهي المسار عند قبول الربع؛ فقد تطلب قبيلة الشخص أو أصحابه السابقون «استرفاعه»، أي إعادته إلى قبيلته ومغرمه الأصلي، ويُقدم هذا الطلب كتابةً إلى الجهة التي يتربع فيها، ثم يجتمع مشايخها وعقالها وأعيانها لدراسته والرد عليه.
وقبل البت في الطلب، تقتضي الإجراءات العرفية إجراء التصفية بين الربيع والجهة التي استقبلته، لحصر ما له وما عليه من حقوق خلال مدة وجوده لديها، وإذا ثبت أن مسترفعيه أهملوه ولم يؤدوا واجبهم تجاهه رغم كونه مظلوماً، فعليهم تعويض ما تكبده من خسائر،
وبعد إتمام الحساب والتسوية، يُحدَّد موعد إعلان الرفعان. ويصل المسترفِعون إلى ساحة القرية أو الفرع أو مسراخ القبيلة التي استقبلت الربيع، حاملين مبدأً عرفياً يوازي ما قُدّم عند طلب الربع.
مثال توضيحي
فإذا كان طالب الربع قد وصل برأس من البقر، يكون المبدأ عند الاسترفاع رأسين من البقر، إلى جانب المبلغ النقدي المتبوع به، على أن تُذبح الذبائح في الساحة، وتُقام الضيافة للمسترفعين.
مرقوم الرفعان: توثيق العودة
بعد إتمام الضيافة والتسوية، يُحرر «مرقوم الرفعان»، متضمناً ما ورد في مرقوم الربع، والإجراءات التي اتُّخذت، وطلب الاسترفاع، وما جرى من مصافاة بين الربيع والجهة التي استقبلته، وقبول عودته، وتُعد منه نسختان أصليتان: واحدة للجهة التي استرفعت صاحبها، وأخرى للجهة التي كان يتربع لديها.
ويوقّع الوثيقة مشايخ وعقال وأعيان الطرفين، إلى جانب الربيع نفسه، ثم يعود إلى قبيلته أو مغرمه الأصلي. وهكذا لا تكون العودة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل خاتمة لمسار يتضمن التحقق من المظلومية، وإثبات القبول، وتسوية ما نشأ من حقوق والتزامات.
ختاما
يكشف هذا المسار، كما تعرضه الإجراءات الواردة، عن بنية عرفية تتجاوز فكرة إيواء طالب النصرة إلى تنظيم مراحل قضيته: من عرضها والتحقق منها، إلى تثبيت القبول، ثم محاسبة الأطراف وتوثيق العودة.
وبين «مرقوم الربع» و«مرقوم الرفعان» تتجسد محاولة لصون الالتزامات ومنع أن تتحول النصرة المؤقتة إلى علاقة ملتبسة؛ لتبقى الوثيقة، في نهاية المطاف، شاهداً على ما اتُّفق عليه وعلى الحقوق التي جرى حفظها أو تسويتها.