من تزييف الوقائع إلى صناعة الإرجاف.. معركة إعلامية موازية تستهدف الوعي اليمني وتغطي على حقائق الميدان
لم تعد الحرب العدوانية التي يشنها العدو السعودي على اليمن مقتصرة على الغارات الجوية والمواجهات العسكرية، بل امتدت إلى حرب إعلامية واسعة تستهدف الوعي، وتسعى إلى إعادة صياغة الوقائع وفق حسابات سياسية وعسكرية، وفي هذا الميدان، تتداخل الروايات، وحملات التضليل الرقمي، ومحاولات التأثير في وسائل الإعلام، وفي ظل هذا المشهد، يبرز الخطاب الإعلامي للعدو السعودي بوصفه أحد محاور الصراع التي تستحق الفحص والتدقيق، خصوصًا عندما تتزامن حملات الاتهامات والتشكيك مع تصعيد عسكري أو أحداث ميدانية مثيرة للجدل، وتطرح هذه المعطيات سؤالًا جوهريًا، بما يتعمد العدو السعودي لتوجيه الأنظار بعيدًا عن الوقائع التي ينبغي أن تخضع للمساءلة؟
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الذباب الإلكتروني.. جيوش افتراضية لتزييف الوعي وبث الإرجاف
في فضاء التواصل الاجتماعي، لم تعد خطورة التضليل مقتصرة على نشر خبر كاذب، بل باتت تشمل حملات منسقة تستهدف إغراق المنصات بروايات متشابهة، وتضخيم اتهامات محددة، وإعادة تدوير المعلومات غير الموثقة حتى تبدو وكأنها حقائق متفق عليها، في محاولة سعودية للتخفيف من آثار الهزائم التي منيت بها أدواتهم في اليمن ، وفي سياق العدوان على اليمن، يثير نشاط حسابات ذباب العدو خطابًا معاديًا ومتكررًا وتساؤلات عن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وتكمن خطورة الذباب الإلكتروني في قدرته على صناعة ضجيج رقمي يوحي بوجود إجماع واسع، بينما قد يكون الانتشار نتيجة تكرار منظم للمحتوى، لا انعكاسًا لمواقف الجمهور الفعلية، وتتجلى أدوات هذه الحملات في ترويج ادعاءات غير مثبتة، واجتزاء التصريحات من سياقها، وإعادة نشر مقاطع قديمة بوصفها أحداثًا جديدة، ومهاجمة الأصوات المخالفة، وبث رسائل الإحباط والتشكيك. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لمحاولات الإرجاف وضرب الثقة، بدلًا من أن يكون مساحة لتداول المعلومات والتحقق منها، وليس هناك حاجة لاثبات قيام العدو السعودي بتسخير آلاف الحسابات بتمويل مباشر، فهي تهاجم بلغة وخطاب ضمن مسار موجه تعمل على تكريس خطاب مضلل وكاتب.
الإعلام الخليجي والعربي.. معركة الرواية وتوجيه الرأي العام
بالتوازي مع المنصات الرقمية، تمثل وسائل الإعلام الخليجية والعربية ساحة مؤثرة في تشكيل صورة الحرب على اليمن لدى الجمهور العربي فالقنوات الفضائية وعلى رأسها العربية والجزيرة والصحف والمنصات الإخبارية لا تنقل الأحداث فحسب، بل تسهم أيضًا في تحديد القضايا التي تتصدر المشهد، والزوايا التي تُعرض منها الوقائع، والأصوات التي تحظى بالمساحة الأكبر، لتسويق سردية العدو وتعزيز موقفه، دون النظر في اي اعتبار اخلاقي أو الالتزام بمعايير الخطاب ومدى استقلاليته، إن أخطر ما يمكن أن تفعله الدعاية السياسية هو تحويل المنابر الإعلامية إلى قنوات لتكرار رواية واحدة، وتهميش المعاناة الإنسانية، وإغراق الجمهور في اتهامات متبادلة.
من حرب الروايات إلى التصعيد العسكري.. المدنيون يدفعون الثمن
تزداد خطورة الحرب الإعلامية التي يشنها العدو السعودي عندما تتزامن مع غارات جوية تطال منازل المواطنين وتلحق أضرارًا بالأعيان المدنية، وتسفر عن سقوط شهداء وجرحى، فهنا لا تعود القضية مجرد صراع على الرواية، بل معركة قذرة لتزييف وعي الشعب اليمني والعربي والإسلامي بإطلاق أكاذيب والترويج الكاذب كشف حقيقة ما تعرضوا له، وأمام التقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في اليمن،
ويحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية، ويفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، كما يوجب مراعاة التناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين. ولذلك، فإن أي ادعاء بوجود هدف عسكري لا يعفي من التحقق من مشروعية الهجوم وظروفه وآثاره.
معركة الوعي.. حين يصبح الدليل أقوى من الضجيج
إن الحرب الإعلامية على اليمن، بمختلف أشكالها، تفرض تحديًا يتجاوز الرد على الأخبار الكاذبة إلى بناء إعلام قادر على كشف التناقضات، وتوثيق الوقائع، ومواجهة حملات الإرجاف بالمعلومات الدقيقة، فلا كثافة الحسابات دليل على صحة ما تنشره، ولا تكرار الاتهامات يمنحها صفة الحقيقة، ولا انتشار الرواية عبر قنوات العدو المتعددة يعفينا من المواجهة بالحقيقة ويكل ما نملكه من قوة .
ختاما ..
إن أخطر ما في حرب التضليل هو محاولة مصادرة حق الناس في معرفة الحقيقة، وتحويل الإعلام من أداة لكشف الوقائع إلى وسيلة لتوجيه الإدراك العام.، ومواجهة هذه الحرب تتطلب خطابًا إعلاميًا حازمًا، لكنه موثق؛ يكشف الأكاذيب المثبتة، ويفضح التناقضات، ويوثق الضحايا، ويضع المسؤولية أمام الجهات المعنية، فالحقيقة لا تُحسم بالضجيج، ودماء المدنيين لا ينبغي أن تضيع بين روايات المتحاربين، والمساءلة الجادة تبدأ من الدليل وتنتهي بكشف المسؤولية.