سنوات العدوان لم تكسر اليمن.. الرهان السعودي يصطدم بصمود الشعب وثباته خلف القيادة

منذ عام 2015، لم يكتفِ العدوان السعودي الأمريكي بقصف الجبهات، بل فتح حربًا واسعة على كل مقومات الحياة في اليمن؛ فالمطارات أُغلقت، والموانئ حوصرت، والمستشفيات والمدارس والمساجد والمنشآت العامة تعرضت للاستهداف، فيما تحولت الخدمات الأساسية إلى أدوات ضغط لمعاقبة شعب بأكمله، غير أن هذه السياسة، التي أرادت إخضاع اليمنيين عبر الجوع والمرض والعزلة، اصطدمت بشعب حوّل المعاناة إلى صمود، والدمار إلى ذاكرة جهاد وتحرك وثبات، والحصار إلى دافع للتمسك بالقيادة والقرار الوطني المستقل ورفض الوصاية وبينما تراجع حضور الخدمات وانهيار أبسط مقومات الحياة في المناطق والمحافظات المحتلة بعد أن وطأتها أقدام الغزاة الجدد، ظلت صنعاء، رغم شح الإمكانات وضغط العدوان، أكثر قدرة على إدارة الواقع والحفاظ على الحد الأدنى من مؤسسات الدولة؛ لتصبح المقارنة نفسها وثيقة إضافية على فشل العدوان، لا دليلًا على انتصاره.

يمانيون| محسن علي

استهداف الحياة لا الجبهات وحدها

على امتداد سنوات العدوان، تعرضت الخدمات الأساسية لضغوط متواصلة نتيجة قصف المنشآت وتقييد حركة الطيران والسلع والوقود، ولم تتوقف آثار ذلك عند الأضرار المادية، بل امتدت إلى سفر المرضى، ووصول الأدوية، وانتظام التعليم، وحركة التجارة، وقدرة المؤسسات على أداء وظائفها في بلد يعيش حربًا مفتوحة.

فحين يُقصف المطار أو يُغلق الميناء أو يُقطع الطريق، لا يكون المستهدف منشأة إسمنتية فحسب، بل حق الناس في العلاج والتنقل والعمل والحياة الطبيعية، ومن هنا، تكشف الحرب عن وجه يتجاوز المواجهة العسكرية إلى استهداف شروط البقاء نفسها، وتحويل المعاناة اليومية إلى وسيلة ضغط سياسية.

 

صنعاء.. صمود المؤسسات تحت الحصار

تقدم مناطق صنعاء صورة مختلفة عن الرهان الذي بُني على انهيار الدولة والمجتمع، فرغم القصف والحصار وشح الموارد، حافظت هذه المناطق على قدر من انتظام المؤسسات واستمرارية الخدمات وتماسك المجتمع، وأدارت الحد الأدنى من الحياة العامة في ظروف استثنائية.

ولا يعني ذلك غياب المعاناة أو تجاوز آثار الحرب؛ فالحصار ترك أضرارًا عميقة في الاقتصاد والصحة والنقل، غير أن حضور مؤسسات الدولة والقبائل والمبادرات المجتمعية أتاح التعامل مع الأزمة بدل تحولها إلى فوضى شاملة حيث كان يسعى النظام السعودي لإحداث ذلك، وفي المقابل، كشفت المناطق والمحافظات الخاضعة للاحتلال والنفوذ الخارجي أن السيطرة العسكرية لا تنتج بالضرورة دولة، وأن وفرة الدعم الخارجي لا تعوض غياب القرار الموحد أو انتظام المؤسسات.

وعليه، لا تقوم المقارنة بين صنعاء والمناطق المحتلة على مستوى الرفاه، بل على القدرة على إدارة الحد الأدنى من الحياة العامة، فمناطق صنعاء، رغم العدوان، حافظت على تماسك مؤسسي واجتماعي، بينما عانت مناطق أخرى من تعدد القوى وتضارب السلطات وتدهور الأمن وانقطاع الخدمات.

 

الصمود.. هزيمة الرهان السعودي

كان الرهان أن يؤدي الحصار وتدمير الخدمات إلى تفكيك المجتمع ودفعه للتخلي عن قيادته، لكن السنوات الممتدة منذ 2015 أثبتت عكس ذلك، فكلما اتسعت أدوات الضغط، اتسعت معها دائرة الالتفاف الشعبي، وكلما طال أمد العدوان، ازداد ارتباط الخدمات بقضية السيادة ورفض الوصاية.

لقد حوّل اليمنيون المعاناة إلى قدرة على الاستمرار، وحافظوا على تماسكهم، وواصلت القبائل والمكونات الشعبية إسناد الجبهات، فيما بقي الموقف العام ثابتًا خلف القيادة السياسية والثورية، ولم يعد رفع الحصار وفتح المطارات وتأمين الدواء مطالب خدمية منفصلة، بل صارت عناوين لمعركة وطنية تتصل بالقرار المستقل ورفض التحكم الخارجي.

وبذلك، لم تستطع القنابل أن تصنع الخضوع، ولا استطاع الحصار أن ينتزع القرار، بل إن كل منشأة دُمرت تحولت إلى شاهد اتهام، وكل أسرة فقدت أبناءها أصبحت جزءًا من ذاكرة شعب يرفض أن يُقتل ثم يُطلب منه الصمت.

 

ختاما

لم يكن العدوان السعودي يستهدف مواقع عسكرية فقط؛ لقد استهدف حياة اليمنيين نفسها، فقصف المطارات والموانئ والمستشفيات والمنازل، وحاصر الغذاء والدواء، وحوّل أبسط حقوق الإنسان إلى أوراق ضغط، لكن كل جريمة ارتكبها انقلبت عليه: فالدماء التي أرادها وسيلة لتركيع اليمن أصبحت ذاكرة مقاومة وجهاد وتحرك وصمود، والحصار الذي أراده طريقًا إلى الاستسلام صار دليلًا على طبيعته العدوانية، والدمار الذي خلفه في المدن كشف عجزه عن بناء أي شرعية سوى شرعية القوة.

وبينما بقيت صنعاء، رغم الحصار، أكثر تماسكًا ومؤسساتها أكثر حضورًا من مناطق سلّمها العدوان للفوضى والارتهان، بدا أن المعركة الحقيقية لم تعد حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول إرادة شعب رفض أن يُقتل ثم يُطلب منه الصمت، فهل يستطيع النظام السعودي أن يهرب من ذاكرة الضحايا؟ وهل يمكن لسنوات القصف والحصار أن تمحو حقيقة أن العدوان دمّر الخدمات، لكنه فشل في تدمير اليمن؟

You might also like