من طرد الاحتلال البريطاني إلى مواجهة الوصاية السعودية.. ثورة أكتوبر تواصل معركة التحرر والسيادة
بمناسبة حلول الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، لم يكن خطاب الرئيس مهدي المشاط احتفالًا بذكرى وطنية فحسب، بل باعتبارها عهدا لا ذكرى، ومشروعا مستمرا لا صفحة من الماضي، موجهاً رسائل سياسية وميدانية متعددة الاتجاهات: إلى شعب يواصل الصمود، وإلى السعودية التي دعاها إلى مغادرة اليمن قبل فوات الأوان، وإلى المقاتلين في صفوف التحشيدات للعودة إلى الوطن، وإلى المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته تجاه جرائم استهداف المدنيين وعسكرة باب المندب، وفي جوهر الخطاب، بدت ثورة 14 أكتوبر حاضرة بوصفها عهدًا متصلًا، تنتقل رايته من جيل طرد الاحتلال البريطاني إلى جيل يواجه ما وصفه المشاط بالاحتلال السعودي.
يمانيون| محسن علي
رسائل حادة للرياض
جاء خطاب الرئيس مهدي المشاط برسائل حادة إلى الرياض، ومباشرة إلى المشاركين في تحشيداتها، وواضحة إلى المجتمع الدولي والحكومات العربية والإسلامية، فقد أكد أن الحرب ليست نزاعًا عابرًا على النفوذ، بل معركة على الأرض والقرار والثروات، وأدان استهداف المدنيين وتصفية الأسرى، محملًا السعودية المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية، وفي الوقت نفسه، فتح باب العودة أمام المنخرطين في التحشيدات، مؤكدًا أن التاريخ لا يخلّد أدوات الاحتلال، بل يخلّد من وقف مع وطنه.
أكتوبر.. ذاكرة تتحول إلى موقف
استعاد الرئيس مهدي المشاط في خطابه جوهر ثورة 14 أكتوبر: رفض الاحتلال، ومقاومة الوصاية، واستعادة القرار الوطني، ومن هذا المنطلق، قدم المواجهة الراهنة باعتبارها امتدادًا لمعركة التحرر التي خاضها اليمنيون ضد الاستعمار البريطاني، مؤكدًا أن الفارق بين الأمس واليوم لا يلغي وحدة المبدأ؛ فالمحتل يتغير اسمه وأدواته، لكن حق الشعب في السيادة لا يتغير.
ولم يكن هذا الربط تاريخيًا فقط، بل حمل وظيفة سياسية واضحة، فالمناسبة الوطنية تحولت إلى معيار لفرز المواقف: المجد لمن يقف مع شعبه، والخزي لمن يضع نفسه في خدمة المعتدي الأجنبي.
معركة على السيادة والثروة
في السياق حدد المشاط أهداف المواجهة مع العدو السعودي المستكبر والمجرم بإنهاء العدوان والحصار، واستعادة الثروات الوطنية، وطرد كل محتل من الأراضي اليمنية، واتهم النظام السعودي بالسعي إلى السيطرة على اليمن وإخضاع قراره، معتبرًا أن استمرار الحرب منذ اثني عشر عامًا يمثل حلقة في سياسات أوسع هدفت إلى إضعاف الدولة اليمنية ومنعها من استثمار موقعها وثرواتها لمصلحة شعبها وأبنائها، وليست منفصلة عن تاريخ من محاولات التأثير في مساره السياسي والاقتصادي ومنع قيام دولة قوية ذات سيادة كاملة.
ومن هنا، يقدّم الخطاب السيادة باعتبارها قضية معيشية لا شعارًا سياسيًا؛ فتعطيل الموانئ، والتحكم في الموارد، واستخدام الأراضي اليمنية للتحشيد المعادي، كلها مظاهر لانتزاع القرار من أصحابه، أما الدولة التي حلم بها ثوار أكتوبر، فهي دولة مستقلة توجه ثرواتها إلى التنمية، ولا تسمح بأن تتعطل موانئها أو تُستنزف إمكاناتها خدمة لمصالح الخارج، كما أكد حق اليمن في الرد وأن جرائم العدوان السعودي لا تسقط بالتقادم.
جريمة الأسرى ورسالة المحاسبة
أفرد الخطاب مساحة لإدانة تصفية أسرى من القوات المسلحة اليمنية على أطراف مديرية ذو باب، معتبرًا أن إطلاق النار عليهم ودهسهم بالمدرعات يمثل جريمة وحشية تتناقض مع تعاليم الإسلام والقيم اليمنية والأعراف الدولية.
وحمّل المشاط النظام السعودي المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذه الجريمة، مؤكدًا أن مرتكبيها لن يفلتوا من العقاب، وتحمل هذه الرسالة دلالة تتجاوز الإدانة؛ فهي تؤكد أن التعامل مع الأسرى سيظل ملفًا مفتوحًا للمساءلة، وأن الجرائم المستمرة بحق المدنيين خارج ميادين المواجهة خطوط لا ينبغي تجاوزها وستبقى محل مطالبة ، مهما طال الزمن أو تبدلت موازين القوة.
باب المندب.. الأمن البحري والسيادة اليمنية
في الشق المتعلق بالملاحة، أكد المشاط أن الملاحة الدولية آمنة، وأن اليمن ملتزم بالاستحقاقات الدولية تجاهها، محملًا النظام السعودي مسؤولية تهديدها عبر تحويل باب المندب إلى منطقة حرب.
وتنقل هذه الرسالة النقاش من العمليات العسكرية إلى أصل الخطر، إذ تدعو المجتمع الدولي إلى إدانة العدو السعودي لمحاولة عسكرة الممر البحري بدل الاكتفاء بمراقبة نتائجها، كما تؤكد أن حماية الملاحة تبدأ بإبعاد باب المندب عن التحشيدات والمواجهات، واحترام سيادة اليمن على ممراته ومناطقه الاستراتيجية.
دعوة للوعي والعودة
وبمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر المجيدة وجه دعوة إلى أبناء المناطق والمحافظات المحتلة لرفع الوعي، وعدم السماح باستخدام أراضيهم مراكز للتحشيد أو منصات للعدوان، وفي رسالة موازية، دعا المنخرطين في التحشيدات السعودية إلى الاستفادة من العفو الرئاسي والعودة إلى صف الوطن، واضعًا أمامهم مفاضلة بين مراجعة الموقف الآن أو مواجهة حكم التاريخ لاحقًا.
وفي الوقت نفسه حذر الأنظمة العربية والإسلامية من التورط في العدوان على اليمن، معتبرًا أن جرها إلى مواجهة شعب عربي مسلم يخدم مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ويستنزف المنطقة في صراعات داخلية.
ختاما
استعاد الرئيس مهدي المشاط ذاكرة التحرر الوطني ليقرأ الحاضر من بوابة الماضي، واضعًا العدوان السعودي في موقع «الاحتلال الجديد» الذي يواجه شعبًا يحمل إرث ثورة طردت المستعمر البريطاني. وبين استحضار تضحيات الآباء والأجداد، وإدانة استهداف المدنيين والأسرى، أكد المشاط أن المعركة الراهنة ليست صراعًا على النفوذ، بل مواجهة على السيادة والثروات وحق اليمن في تقرير مستقبله بعيدًا عن الوصاية الخارجية.
وبينما أدان الخطاب جرائم المدنيين والأسرى، أكد أن اليمن لا ينسى ضحاياه ولا يتنازل عن سيادته، وفتح في الوقت ذاته باب العودة أمام من تورطوا في خدمة المعتدي.
ويبقى السؤال الذي يفرضه خطاب أكتوبر: هل يقرأ الاحتلال الجديد تاريخ اليمن جيدًا، ويدرك أن شعبًا طرد الإمبراطورية البريطانية لن يقبل أن يستبدل بها وصاية سعودية، أم أن عليه أن ينتظر هزيمة أخرى تكتبها ذاكرة اليمن وإرادة أبنائه؟