حرب اليمن تهز أركان النظام السعودي.. مغامرة العدوان ترتد على عرش ابن سلمان
لم تعد حرب اليمن مجرد مغامرة عسكرية أخفق العدو السعودي في حسمها، بل تحولت إلى مأزق استراتيجي يهدد مشروع النفوذ السعودي، ويكشف هشاشة الحسابات التي دفعت محمد بن سلمان إلى الزج ببلاده في حرب ظن أنها لن تستغرق سوى أسابيع، فإذا بها تتحول إلى استنزاف طويل تتجاوز تداعياته الميدان اليمني لتطال أمن المملكة ومكانتها الإقليمية وحسابات مستقبل نظامها السياسي، فالنظام الذي راهن على التفوق العسكري والمالي لإخضاع اليمن، وجد نفسه أمام معادلة مختلفة تمامًا، شعب يرفض الوصاية، وقوة مقاومة لم تنجح الحرب في كسر إرادتها، وملف إقليمي ظل مفتوحًا على احتمالات الاستنزاف، مهما تعددت محاولات فرض الوقائع بالقوة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبدلًا من أن تكون الحرب بوابة لتوسيع النفوذ السعودي، تحولت إلى مصدر لاستنزافه وتهديد حساباته.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
العدوان على اليمن.. بداية تآكل الهيبة السعودية
أخطر ما واجهه العدو السعودي ليس فقط تعثر أهدافه العسكرية والسياسية، بل انكشاف حدود القوة التي طالما استند إليها في فرض نفوذه، فالأموال والأسلحة والتحالفات لا تضمن النصر عندما تصطدم بإرادة شعب يرفض الخضوع، ولا تستطيع الغارات والحصار وحدهما صناعة واقع سياسي مستقر، لقد كشف العدوان خللًا عميقًا في تقديرات قيادة العدو السعودي، التي تعاملت مع اليمن باعتباره ساحة يمكن إخضاعها سريعًا، وتجاهلت أن التدخل العسكري قد يفتح أبوابًا من الصراع يصعب إغلاقها بالشروط التي يريدها الطرف الأقوى ماديًا، والنتيجة أن الرياض باتت مطالبة بمراجعة حساباتها، لا من موقع المنتصر الذي يفرض شروطه، بل من موقع الطرف الذي يتعين عليه إدراك كلفة استمرار المواجهة، والاعتراف بأن إخضاع اليمن لم يكن هدفًا يمكن ضمان تحقيقه بالقوة.
أزمات الخارج قد تفتح أبواب الاضطراب في الداخل
يقوم النظام السعودي على توازنات سياسية وعائلية واقتصادية معقدة، وتزداد أهمية هذه التوازنات عندما تتعرض القيادة لضغوط متراكمة أو تواجه إخفاقات في ملفات استراتيجية، فالحروب المكلفة، والرهانات غير المحسوبة، والضغوط الاقتصادية والأمنية، كلها عوامل قد توسع مساحة التباينات داخل دوائر الحكم وتزيد حساسية الصراع على النفوذ، ومن هنا، فإن استمرار التداعيات السلبية للعدوان يطرح تساؤلات جدية حول قدرة العدو السعودي على احتواء الضغوط والمحافظة على تماسك منظومة الحكم، وقد تجد الأطراف المتضررة من تمركز السلطة في يد محمد بن سلمان فرصًا أوسع للمناورة السياسية إذا تراجعت هيبة القيادة أو تعثرت مشروعاتها، ويعني ذلك أن انهيار النظام أو اندلاع صراع داخلي بات حتميًا، لكن الخطأ الأكبر أن يتعامل بن سلمان مع تماسك السلطة باعتباره ضمانة دائمة، متجاهلا أن تراكم الإخفاقات قد يغير حسابات الحلفاء والخصوم داخل منظومة الحكم نفسها.
النفط السعودي تحت ضغط المغامرات الإقليمية
حين تتحول المنشآت النفطية إلى أهداف محتملة في بيئة إقليمية متوترة، فإن ذلك يكشف حجم المخاطر التي قد تجلبها السياسات العدائية على الأمن الاقتصادي للدولة، فالسعودية التي تعتمد على النفط ركيزةً رئيسية لاقتصادها ونفوذها الدولي، لا تستطيع تجاهل تداعيات الصراعات على منشآتها الحيوية وأسواق الطاقة وثقة المستثمرين، لقد جعلت الحرب الظالمة على اليمن أمن المنطقة أكثر تعقيدًا، وأثبتت أن التورط في صراع طويل قد يضع الدولة السعودية أمام تكاليف أمنية واقتصادية تتجاوز حساباتها الأولية، ولا يمكن فصل هذه المخاطر عن خيارات التصعيد والتدخل، والرسالة هنا واضحة من يفتح أبواب الحرب لا يستطيع ضمان اتجاه ارتداداتها، ومن يغامر بأمنه الاستراتيجي قد يجد نفسه يدفع ثمن خياراته في أكثر المواقع حساسية.
المرتزقة الذين باعوا الرياض أوهام الانتصار
من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها القيادة السعودية اعتمادها على قوى يمنية قدمت نفسها بوصفها بديلًا قادرًا على حسم المعركة وتحقيق الأهداف السعودية، فقد أثبت تعثر الرهانات السياسية والعسكرية أن الوعود التي تُطلق في الغرف المغلقة لا تتحول بالضرورة إلى إنجازات على الأرض، وأمام هذه الحقيقة، لم يكلف العدو السعودي نفسه أن يسأل ماذا حقق هؤلاء مقابل الأموال والدعم والرهان السياسي والعسكري؟ وهل استطاعوا بناء مشروع يحظى بقبول شعبي واسع، أم تحول بعضهم إلى عبء إضافي على الجهة التي دعمتهم؟ ، إن استمرار الرهان على الأدوات نفسها، مع تجاهل نتائج أدائها، ليس إلا إعادة إنتاج للأزمة.
الحلفاء لا يحاربون إلى الأبد من أجل الآخرين
في السياسة، لا توجد تحالفات خالية من المصالح، ولا ضمانات دائمة عندما تتغير موازين القوة، ولذلك، فإن استمرار الاستنزاف قد يدفع بعض شركاء العدو السعودي إلى إعادة حساباتهم، وتقديم مصالحهم الخاصة على الالتزامات السابقة، بينما قد ترى أطراف إقليمية منافسة فرصة لتوسيع نفوذها، وهنا تكمن خطورة المأزق السعودي، فالدولة التي تستنزف مواردها في صراعات طويلة قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع أثمان أكبر للحفاظ على تحالفاتها ونفوذها، في وقت تتزايد فيه الضغوط على خياراتها الإقليمية.
أمام ابن سلمان خياران.. المراجعة أو تعميق المأزق
إن الطريق إلى الخروج من الأزمة لا يبدأ بمزيد من المكابرة، ولا بإلقاء المسؤولية كاملة على الحلفاء، ولا بمواصلة حرب أثبتت كلفتها وتعقيداتها، بل يبدأ بقرار سياسي يعترف بفشل الرهان على إخضاع اليمن، ورفع الحصار وإيقاف العدوان ويضع حدًا للتدخلات التي عمّقت معاناة الشعبين، ويفتح مسارًا جادًا للتسوية على أساس احترام سيادة اليمن وحقوق شعبه، لقد كان العدو السعودي بريد أن يجعل اليمن ساحة لإثبات الهيمنة، فإذا بالعدوان يتحول إلى اختبار لحدود تلك الهيمنة، واليوم، فإن أخطر ما يواجه النظام السعودي ليس مجرد استمرار الصراع، بل الإصرار على تكرار الأخطاء ذاتها، فإما مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للسياسة وتفتح أبواب السلام، وإما استمرار في مسار يستنزف الموارد، ويهز النفوذ، ويضاعف المخاطر على مستقبل المنطقة بأسرها.