يحيى السنوار.. حين تحوّل قائد غزة إلى جسرٍ يصل طوفان الأقصى باليمن

في المشهد الأخير من حياته، ظهرالشهيد القائد يحيى السنوار مقاتلًا مقداما في مقدمة المواجهة، لكن معنى استشهاده لا يختصره ذلك المشهد، فالرجل الذي أمضى أكثر من عقدين في سجون كيان العدو الصهيوني المجرم، ثم قاد حركة حماس خلال واحدة من أعقد مراحل الصراع، ترك وراءه تصورًا متكاملًا للمقاومة والمجاهدين: ثبات على الحقوق، واستعداد لحرب طويلة، ورفض لتحويل غزة إلى منطقة معزولة.

وفي رسالته إلى قائد الثورة السيد القائد عبدالملك الحوثي في اليمن، ظهر بوضوح أن غزة لم تكن تخوض معركتها منفردة، فقد رأى في عمليات صنعاء إسنادًا يعيد وهج طوفان الأقصى، ويثبت أن المعركة التي بدأت من غزة قادرة على فتح مسارات جديدة في الإقليم وتغيير المشهد في المنطقة والعالم.

يمانيون| محسن علي

سيرة صنعتها المواجهة

وُلد السنوار في مخيم خانيونس عام 1962، واعتُقل سنوات طويلة قبل الإفراج عنه في صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، عاد إلى قيادة حماس، وانتُخب رئيسًا لمكتبها السياسي في أغسطس/آب 2024، قبل استشهاده في 16 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه خلال اشتباك مع قطعان العدو الصهيوني في مدينة رفح.

اختبر السنوار الحصار والسجن والملاحقة، وتعامل مع المقاومة باعتبارها مشروعًا طويل النفس، تتداخل فيه قضية الأسرى مع حق العودة وكسر الحصار وتحرير القدس.

 

طوفان الأقصى.. المبادرة والمسارعة

ارتبط اسم السنوار بعملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أحدثت صدمة سياسية وعسكرية وأمنية واسعة داخل كيان العدو الصهيوني وزلزلت أركانه وفتحت حربًا مستمرة على قطاع غزة ، وقبل الطوفان، كان الشهيد الكبير قد تحدث عن الاستعداد لمعركة كبرى، مؤكدًا أن ما تخفيه المقاومة أكبر مما يعلنه العدو ، وكان من نتائجها الأبرز تمثلت في كسر صورة العدو الذي لا يُفاجأ ولا يُربك، وإعادة فلسطين إلى مركز الاهتمام الدولي والإقليمي.

ومن عباراته التي تلخص نظرته إلى الشهادة والمواجهة: «أكبر هدية يمكن أن يقدمها الاحتلال لي هي أن يغتالني وأن أقضي إلى الله شهيدًا»، كما أكد في خطاب آخر: «رغم البطش والقهر والتجويع، شعبنا يؤكد تمسكه بالثوابت وبحق العودة»، مؤكدًا أن الحصار لا يلغي حق الفلسطينيين في الكرامة والحرية.

 

اليمن.. كسر عزل غزة

في 16 سبتمبر/أيلول 2024، وجّه السنوار رسالة إلى قائد الثورة السيد القائد عبدالملك الحوثي بعد إعلان صنعاء تدشين مرحلة جديدة من عمليات إسناد غزة، وكتب أن طوفان الأقصى جاء «لتوجيه ضربة قوية للمشروع الصهيوني في المنطقة بشكل عام، وفي فلسطين على وجه الخصوص»، واعتبر وصول الصواريخ اليمنية إلى عمق الكيان سببًا في إعادة وهج المعركة إلى قلب تل أبيب.

الأهمية السياسية للرسالة أنها قدّمت اليمن بوصفه جبهة فاعلة في الصراع، لا طرفًا يكتفي بالبيانات، فقد وجّه السنوار التحية إلى القيادة والجيش والشعب اليمني، ورأى أن عمليات الإسناد أفشلت محاولات تحييد الجبهات وعزل غزة، ثم لخّص رؤيته للمواجهة بقوله: «تضافر جهودنا معكم ومع إخواننا في المقاومة الباسلة في لبنان، والمقاومة الإسلامية في العراق سيكسر هذا العدو».

وبهذا المعنى، لم يكن الربط بين غزة واليمن مجاملة سياسية، بل قراءة لطبيعة الحرب: العدو المحتل يسعى إلى حصر المعركة داخل القطاع، بينما ترى جبهات الإسناد أن حماية فلسطين تقتضي منع عزلها، سياسيًا وميدانيًا وإعلاميًا.

 

إرث يتجاوز الاستشهاد

لم ينهِ استشهاده هذا المسار، بل أعاد طرح سؤال الإرث: ماذا يبقى من القائد بعد غيابه؟ تبقى مقاومة لا تربط استمرارها بحياة فرد، وجبهات إسناد ترى أن عزل غزة جزء من استراتيجية العد ومخططه فيالمنطقة.

أما اليمن، فحافظ على حضوره في معركة الإسناد، ليصبح استذكار السنوار في صنعاء تأكيدًا على وحدة المعركة والموقف التي تحدث عنها بنفسه، وعلى أن الطوفان مسار مستمر لا حدثًا محصورًا في السابع من أكتوبر، وتأكيدا على أن فلسطين ليست ملفًا منفصلًا عن قضايا السيادة والعدالة في المنطقة.

 

ختاما

بعد عامين، لا يقف إرث يحيى السنوار عند صورته الأخيرة في رفح، ولا عند كونه أحد قادة طوفان الأقصى؛ بل يتجسد في انتقال المقاومة من سؤال البقاء إلى سؤال المبادرة، ومن جبهة محاصرة إلى شبكة إسناد عابرة للحدود،وبقيت رسالته إلى اليمن شاهدًا على أن غزة لم تكن وحدها، وأن الطوفان فتح تحولًا أوسع في وعي المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة التي لم يحسمها الاغتيال: كلما ارتقى قائد، اتسعت الفكرة؛ وكلما حاول العدو عزل فلسطين، ظهرت جبهة جديدة تعيد وصلها بمحيطها؛ فهل تستطيع القوة أن تطفئ قضية تحولت إلى ذاكرة شعب، وإلى موقف يربط غزة بصنعاء، أم أن السنوار ترك خلفه طوفانًا لا ينتهي برحيل صاحبه؟

You might also like