اليمن مقبرة الغزاة ومن كذّب جرّب
يمانيون| بقلم: عبدالقوي السباعي
حين يتوهم طارئ على التاريخ والجغرافيا أن ملك الممالك الأعرابية يستطيع، بضغطة زر على شاشات التكييف المركزي في أروقة قصور العبث في الرياض، أن يلغي شعبًا ضرب في جذور الزمن آلاف الأعوام ومليارات السيوف؛ فإنه يمارس سياسة التمني ويتعاطى الوهم بخالص غبائه.
لقد ظن المعتوه بن سلمان أن نزهة طائرات الـ “إف-15، و16 و18”.. إلى ما لا نهاية من الأرقام، وحدائق الصواريخ والقنابل الأمريكية المستوردة، قادرة على تطويع بلد علّم الغزاة الأباطرة والقياصرة، كيف تندحر الجيوش على أعتاب جباله وودعاء هضابه، ولهيب رماله؟
تحالفٌ مزعوم تحوّل إلى مفرمةٍ تُدار على وقع البن اليمني الأصيل، ويكتشف النظام السعودي العائم على بحيرات النفط متأخرًا أن العجرفة والتكبّر لا تصنع جيشًا، وأن الذهب وأوراق البنكنوت لا تشترى بها الشجاعة حين تترجل الأبطال إلى الميدان، وحين تزمجر الأسود بمهابتها ونشوة اقتدارها.
اليوم، وسط ترنح استراتيجيات “العقال” ومعادلات “البشت” وتخبط البيانات السياسية والصحفية التي تصنعها غرف الدعاية المأجورة في “العربية والجزيرة” لتبرير الهزيمة المدوية؛ يرتفع الصوت اليمني الجلي صريحًا، لا يطلب مِنّةً ولا يستجدي عطفًا، يضع النقاط على حروف النار؛ نحن هُنا ولتأتي كل جيوش العالم، ولتحشر الأنس والجن.. طُز.. هكذا يقول بعقيدةٍ صُلبة متجذّرة في وجدان أمة تتوارث المنايا كما يتوارث الملوك صكوك البيعة والملكية.
فاليمن التي كانت وما زالت وستظل مقبرة الغزاة عبر العصور، لا تهزها تحالفات بيادق، ولا تهديدات مراهق، ولا يرهبها حصار خانق أُريد به تركيع شعب اختار الجوع بعزة على الشبع بذل، ومن كذّب؛ جرّب حظه العاثر في الرمال المتحركة وجبال الصمود، وليسأل أسلافه الذين دخلوا أسيادًا فاتحين، لكنهم لم يخرجوا عبر توابيت الخيبة والاندحار أبدًا، لم يخرجوا.. لأنهم حضوا بمراسيم دفن جماعية مباركة، خالية من شواهد القبور.
أعرف أنها معادلة تاريخية ثقيلة الوزن، عريضة المدى، لا تحتمل التأويل؛ فكل الخيارات المفتوحة على مصراعيها لم تعد مجرد شطحات في قصائد الشعراء وتحليلات في مقالات الكُتَّاب، أو شعارات تُردد في حشود الميادين، إنّما تحولت إلى قدرات ميدانية ملموسة، ودمغة حديدية في ميزان القوى.
لقد تطورت قدراتنا الصاروخية والجوية بشكّلٍ بات اليمن قادر على فرض حصار بحري وجوي مطبق على مملكة الرمال، وضرب عمقها الاستراتيجي ومنشآتها الحيوية الحساسة التي ترتجف لها أسواق الطاقة العالمية.
وأصبح في وسع اليمن بكل ثقة إغلاق موانئها ومطاراتها، وربما إرجاعها إلى ما قبل معركة بدرٍ الكبرى، متى ما استوجب الردع ذلك، ليتحول الجلاد إلى محاصر، وليذوق العدو السعودي من نفس الكأس المسمومة التي أذاقها لأطفال اليمن ونسائه سنين عددا.
لذا؛ فإن على ابن سلمان والقيادة السعودية عمومًا وأبواقها الإعلامية وأروقتها الاستشارية أن تدرك هذه المتغيرات الجذرية قبل فوات الأوان، وأن تخرج من أوهام التفوق المطلق التي لقنها إياها تاجر السلاح ترامب العابر للقارات، وخبراء السياسة والدعاية في جزيرة “أبستين”.
عندها فقط، ستدرك بلا مكابرة أن أسهل طريق للخروج من هذه الورطة التاريخية، ليس في إشعال الحرب، ولا في السعي البائس لتدويل الصراع وجلب الأساطيل لحماية عروش زائلة، ولا حتى في محاولات تفجير الجبهات الداخلية المتهالكة، وإنّما يكمن في مسارٍ واحد لا مفر منه وهو الاستجابة الفورية لمطالب اليمن العادلة، المنصفة، والواقعية، والمتمثلة حصريًا بإنهاء العدوان ورفع الحصار، والخروج من الأرض والتعويض وجبر الضرر.
وعليه؛ فإن استنفدت القيادة الثورية كل الحلول السياسية والدبلوماسية المتاحة التي تنتظرها من عقلانية مفقودة لدى العدو السعودي؛ فلا مجال لاستبعاد أن نشهد اجتياحًا بريًّا يمنيًّا هائلاً يتجاوز حدود كل التوقعات والتكهنات الاستخباراتية الإقليمية والدولية، كون زيارة “رجوم” اليوم إلى جبهاتٍ خارج الحدود، تعني الكثير من الدلالات.
ومتى حصل ذلك الزلزال البشري والميداني؛ فإنه لن يتوقف إلا بإسقاط عرش محمد بن سلمان وهدَّ أركان مملكته الهشة، ليبقى لإخواننا وأهلنا في نجد والحجاز الرأي الأخير والقول الفصل فيمن يُنصبّون خلفًا له -بإذن الله تعالى- لتعود الجزيرة العربية إلى أهلها أحرارًا أسيادًا، لا طواغيت يحكمون باسم الخيانة والوصاية والعمالة والانبطاح.