12عامًا من العدوان والحصار.. شعب اليمن يستحضر شهداءه ويواصل حمل لواء النصرة في وجه الاستكبار
يحيي الشعب اليمني الذكرى السنوية للشهيد هذا العام وهو يواجه الصلف السعودي المجرم، وحصاره امتد قرابة 12 عامًا، ففي الثقافة القرآنية، لا يمثل الشهيد صفحة من الماضي، ولا تختزل الشهادة في لحظة الرحيل؛ فالشهيد حي مكرم في ضيافة الله سبحانه، وحاضر بما تركه من بصيرة وموقف وطريق للآخرين، ومن هذا المنطلق، تستعيد الذكرى شهداء اليمن الذين واجهوا الصلف الأمريكي السعودي، وتستحضر من ارتقوا وهم يؤدون واجب النصرة لغزة في زمن تراجع فيه الكثيرون، لتؤكد أن الدماء التي بذلت في سبيل الله لم تكن ثمنًا عابرًا، بل أمانة في أعناق الأحياء، ومسؤولية تجاه الأسر والأبناء، وعهدًا بمواصلة طريق الحق حتى النصر.
يمانيون| محسن علي
الذكرى في ميزان القرآن
ينطلق إحياء الذكرى السنوية للشهيد من التصور القرآني الذي يرفض اختزال الشهيد في الموت، ويؤكد أن الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، وبهذا المعنى، تصبح الشهادة انتقالًا إلى مقام الكرامة، ويصبح استذكار الشهداء فعل وفاء ووعي، لا مجرد مناسبة وجدانية عابرة، ووفق هذا الحقيقة القرآنية تمنح المجتمع قدرة على مقاومة ثقافة الخوف التي تستخدمها قوى الطغيان وسيلة لإخضاع الشعوب، فحين يدرك الإنسان أن الدفاع عن الحق والكرامة قد يبلغ مرتبة التضحية بالنفس، يفقد العدو واحدة من أخطر أدواته: إرهاب الناس ودفعهم إلى الاستسلام قبل المواجهة.
الشهيد في مواجهة الاستكبار
يستحضر اليمنيون شهداءهم في وقت يواجه فيه شعبهم منظومة واسعة من الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولذلك لا تنفصل الذكرى عن واقع الصراع؛ فالشهداء، في الوعي القرآني، هم الذين وقفوا في الموقف الحق، ورفضوا الخضوع، ودافعوا عن شعبهم وقضايا أمتهم، مقدمين النموذج العملي لمعنى المسؤولية.
وقد ركز الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في مشروعه القرآني على أهمية بناء الإنسان الواعي الذي يميز بين الحق والباطل، ويرفض التبعية، ويتحرك لمواجهة الظلم وفق بصيرة ومسؤولية، ومن هذه الرؤية، لا تكون الشهادة اندفاعًا منفصلًا عن الوعي، بل ثمرة لموقف إيماني واضح، وقضية عادلة، واستعداد لتحمل تبعات الحق.
السيد القائد وتجديد عهد الوفاء
وفي خطابات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، تحضر هذه الذكرى السنوية العظيمة باعتبارها مدرسة للصبر والثبات والتضحية، وحافزًا لمواصلة مواجهة العدوان والاستكبار، فالشهداء، وفق مضامين كلماته، لم يضحوا من أجل أن يتحول المجتمع إلى متلقٍ للحزن، بل من أجل أن يحمل الأحياء مسؤوليتهم، ويصونوا كرامة الأمة، ويواصلوا حماية المستضعفين من أبناء الأمة ونصرة القضايا العادلة والمركزية على رأسها المسجد الأقصى، وأن يعشيو أعزاء كرماء يأبون العبودية لكل طواغيت الأرض، ويؤكد هذا المنظور أن الوفاء للشهيد لا يتحقق برفع الصور أو إقامة الفعاليات وحدها، وإنما بالثبات على المبادئ التي استشهد من أجلها، وبالتحرك في ميدان العمل، وتعزيز الصمود، ومواجهة محاولات تفكيك المجتمع وإضعاف إرادته.
مسؤولية المجتمع تجاه أسر الشهداء
تضع الذكرى مسؤولية مباشرة على المجتمع تجاه أسر الشهداء وأبنائهم، فالرعاية لا ينبغي أن تقتصر على الدعم المادي، رغم أهميته، بل تشمل الحضور المعنوي والاجتماعي، وصون كرامة الأسرة، وتوفير فرص التعليم والرعاية، وتعريف الأبناء بمآثر آبائهم ومكانتهم كما أن أبناء الشهداء يعدون جزء من ذاكرة المجتمع ومستقبله، ومن واجب الجميع أن ينظر إليهم باعتزاز واحترام، وأن يحيطهم بالعناية التي تليق بتضحيات آبائهم، وأن يساعدهم على تحويل الفقد إلى قوة علم وعمل وخدمة للمجتمع.
من الذكرى إلى مواصلة المسيرة
لا تكتمل رسالة الذكرى إلا بتحويلها إلى سلوك جماعي: وعي يرفض التضليل، وثبات يواجه التهديد، وتكافل يحمي الأسر، وعمل ينهض بالوطن، فالشهادة، في جوهرها القرآني، لا تعفي الأحياء من واجباتهم، بل تضاعفها؛ وكلما استحضر المجتمع مآثر الشهداء، ازدادت مسؤوليته في حماية الحق وصون السيادة ومواجهة الاستكبار.
ختاما
ليست الذكرى السنوية للشهيد موعدًا لاستحضار الحزن، بل تجديد لعهد شعب اختار أن يقف حيث تراجع الآخرون، وأن ينصر غزة حين خذلها العالم، وأن يواجه الحصار بالصبر والعدوان بالثبات، ففي كل شهيد قصة إيمان، وفي كل دم طاهر راية، وفي كل أسرة شهيد أمانة لا يجوز أن تُترك للنسيان، وسيبقى اليمن، بشعبه وقيادته، مشروع شهادة لا ينكسر؛ يحمل راية النصرة، ويصون دماء شهدائه، ويواصل طريقه حتى تتحول التضحيات إلى نصر وكرامة واستقلال.