اكسروا قيود التبعية.. وواجهوا شياطين الإنس والمستكبرين

يضع الدرس السابع والعشرون من دروس رمضان للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، قضية التحرر من التبعية العمياء في صدارة المواجهة الفكرية التي يخوضها الإنسان بين الهداية والإضلال، كاشفاً أساليب المستكبرين في التأثير على الناس وصرفهم عن الحق، ومحذراً من خطورة تسليم الإرادة للقيادات التي تتخذ من النفوذ والتضليل وسيلة لتوجيه المجتمعات نحو الانحراف، وينطلق الدرس من قاعدة قرآنية جوهرية، أن الله سبحانه وتعالى قدّم للإنسان الهداية والبينات، ولم يتركه فريسة حتمية للإغواء، وأن مسؤولية التمسك بالحق تظل قائمة مهما تعددت محاولات التضليل، ومن هنا، فإن مواجهة الانحراف تبدأ ببناء الوعي، والتحرر من التبعية، ورفض تحويل الولاء للأشخاص إلى بديل عن الحق.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

معرفة الله.. منطلق الثبات ومقاومة التضليل

يؤكد الشهيد القائد أن الخشية التي يركز عليها القرآن الكريم تنطلق من معرفة الله سبحانه وتعالى، بما تثمره من محبة وتعظيم وحرص على رضاه، وليس من الخوف المجرد من العقاب،  فالمعرفة الواعية بالله تؤسس شخصية تمتلك معياراً ثابتاً لمواقفها، ولا تجعل قراراتها رهينة المصالح والضغوط والتأثيرات الخارجية، وتتجاوز هذه الرؤية الجانب الإيماني الفردي إلى بناء وعي قادر على التمييز بين الحق والباطل، ومقاومة محاولات الاستغلال والتضليل،  فالإنسان الذي يستند إلى بصيرة إيمانية لا يكتفي بتلقي الخطابات والمواقف، بل يراجعها ويزنها بمعيار الحق، ويدرك أن الثبات لا يتحقق بالشعارات، وإنما بوعي ينعكس على المواقف والسلوك،  وفي هذا السياق، يوضح الدرس أن الإنذار القرآني ليس تخويفاً مجرداً، بل تحذير يفتح أمام الإنسان طريق النجاة، ويدفعه إلى مراجعة نفسه وتصحيح مساره قبل أن تقوده اختياراته إلى عواقب الخسران.

ولا تتبعوا من دونه أولياء.. إسقاط قداسة النفوذ

يتوقف الدرس عند قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3)، موضحاً أن التحذير من اتخاذ أولياء من دون الله لا يقتصر على الأصنام، بل يشمل البشر الذين يتبعهم الناس في مواقفهم وتوجهاتهم، حتى عندما يصرفونهم عن الحق، وتكشف هذه الدلالة خطورة التبعية التي تعطل التفكير، وتجعل مكانة الأشخاص ونفوذهم بديلاً عن الدليل والبصيرة، فالمشكلة لا تكمن في مجرد التأثر بالآخرين، بل في تسليم الإرادة لهم، واتباعهم دون تمحيص، والدفاع عن مواقفهم حتى عندما تتعارض مع الحق،  ويستحضر الدرس مصائر الأمم التي اتبعت الملأ المستكبرين، ليؤكد أن النفوذ وكثرة الأتباع لا يمنحان صاحبهما حصانة من الخطأ، وأن الاستسلام للقيادات المضللة قد يقود المجتمعات إلى الخسران، ومن هنا، فإن التحرر الحقيقي يبدأ برفض التبعية العمياء، وعدم منح أي شخص سلطة مطلقة على الوعي والقرار.

شياطين الإنس.. خطر التضليل الذي يصنعه البشر

من أبرز مضامين الدرس تأكيد الشهيد القائد أن بعض البشر قد يمارسون من الإضلال والإفساد ما يفوق إغواء الشيطان نفسه، وهي دلالة تحمل الإنسان مسؤولية مواجهة التضليل البشري، وعدم اختزال أسباب الانحراف في عوامل خارجية، فالتضليل قد يتجسد في تزييف الحقائق، وتزيين الباطل، واستغلال الثقة والنفوذ، وصناعة المبررات التي تدفع الناس إلى مواقف لا يدركون حقيقتها أو عواقبها،  وتزداد خطورته عندما يصدر عن أشخاص يمتلكون القدرة على تشكيل الوعي وتوجيه الجماعات، ويوظفون هذه القدرة لإبعاد الناس عن الحق،
ويؤكد الدرس أن مواجهة هذا الخطر تستدعي كشف أساليب التضليل، وعدم الانخداع بالمظاهر أو الشعارات أو المكانة الاجتماعية والسياسية،  فالمعيار الحقيقي ليس قوة الخطاب ولا نفوذ صاحبه، بل حقيقة ما يدعو إليه ومدى اتساقه مع الحق والهداية الإلهية.

الهداية الإلهية تهدم مبررات الاستسلام

يقارن الدرس بين أساليب الإغواء التي يلجأ إليها الشيطان وبين ما تقدمه الهداية الإلهية من رسالات وبينات، مستحضراً ما حمله الأنبياء من دعوة إلى الحق وما تضمنته الكتب السماوية من هداية وإرشاد، وتبرز هنا حقيقة أساسية، أن وجود قوى تسعى إلى التضليل لا يعني غياب طريق الهداية، وأن الإنسان ليس محكوماً بالانحراف لمجرد تعرضه لمحاولات التأثير، فالله سبحانه وتعالى قدّم البينات، وترك للإنسان مسؤولية الاستجابة للحق أو الإعراض عنه، ويعزز الدرس هذه الحقيقة من خلال الحديث عن التوبة والاستغفار؛ فحتى الوقوع في الخطأ لا يعني نهاية الطريق، والعودة إلى الله تُمكّن الإنسان من تصحيح مساره وإفشال رهانات الإضلال القائمة على دفعه إلى الاستمرار في الانحراف.

الإيمان والتوكل.. تحصين الإرادة في مواجهة المستكبرين

يؤكد الشهيد القائد أن قوى الإضلال لا تمتلك سلطاناً حتمياً على الإنسان المؤمن المتوكل على الله، مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وتتمثل الدلالة في أن محاولات التأثير، مهما بلغت قوتها، لا تلغي قدرة الإنسان على الرفض والتمييز واتخاذ الموقف الصحيح،  فنجاح التضليل يرتبط باستجابة الإنسان له، وقبوله التنازل عن بصيرته وإرادته،  وخلاصة الدرس أن مواجهة المستكبرين والمضللين تبدأ بتحرير الوعي من التبعية، والتمسك بالهداية القرآنية، ورفض الانقياد الأعمى، وتحمل المسؤولية عن المواقف والاختيارات،  فحين يمتلك الإنسان البصيرة، لا يتحول النفوذ إلى دليل، ولا الولاء إلى مبرر للباطل، ولا محاولات التضليل إلى قدر محتوم، إنها دعوة إلى إنسان يعرف ربه، ويستمد مواقفه من الحق، ولا يسمح لأحد أن يصادر إرادته أو يقوده بعيداً عن طريق الهداية.

You might also like