المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: حجر الزاوية في بناء الأمة الإسلامية والهوية المحمدية
يمانيون|تقرير*
في غمرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، لا يقتصر الأمر على استذكار ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كحدث تاريخي عظيم، بل يتجاوز ذلك إلى استلهام الدروس والعبر من منهجه النبوي الشامل الذي أرسى دعائم أمةٍ فريدةٍ في تاريخ البشرية. فمنذ اللحظة الأولى لوصوله إلى المدينة المنورة مهاجراً، لم يكن بناء الدولة الإسلامية مجرد عملية سياسية أو اجتماعية تقليدية، بل كان مشروعاً قرآنياً متكاملاً، قاده الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لتأسيس أمةٍ جديدةٍ على أسسٍ راسخةٍ من الإيمان، والعدل، والأخوة الصادقة. في هذا السياق، تتجلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كأحد أعظم الإنجازات النبوية التي عكست جوهر الرسالة المحمدية في بناء مجتمعٍ متماسكٍ، متجاوزاً كل أشكال العصبية والفرقة.
هذا التقرير سيتعمق في مفهوم المؤاخاة، ودورها المحوري في تشكيل الهوية الإسلامية، وبناء المجتمع، وتثبيت أركان الدولة، مع ربط ذلك بالمعاني العميقة لذكرى المولد النبوي الشريف، الذي كان مولداً لقائدٍ عظيمٍ، ومولداً لأمةٍ بأسرها.
المؤاخاة: ثورة على العصبية القبلية وتأسيس لأخوة الإيمان
قبل بزوغ فجر الإسلام، كان المجتمع العربي غارقاً في ظلمات الجاهلية، حيث كانت العصبية القبلية هي الميزان الذي تُقاس به الولاءات، وتُبنى عليه العلاقات، وتُشن من أجله الحروب. كانت الروابط قائمةً على الدم والنسب والمصلحة الضيقة، مما أدى إلى تفكك المجتمع، وانتشار النزاعات، وغياب الوحدة الحقيقية .
جاء الإسلام ليقلب هذه المعايير رأساً على عقب، وليؤسس لمفهومٍ جديدٍ للأخوة يتجاوز كل هذه الروابط المادية والقبلية، ويجعل رابطة الإيمان هي الأقوى والأسمى، عندما آخى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم، وضحوا بكل ما يملكون في سبيل الله، وبين الأنصار الذين فتحوا صدورهم وبيوتهم لاستقبالهم، لم يكتفِ بمجرد التوصية بحسن المعاملة، بل أقام علاقة أخوةٍ حقيقيةٍ فريدةٍ من نوعها، يتقاسم فيها الطرفان الحقوق والواجبات، ويتحمل كل منهما مسؤولية الآخر .
هذه المؤاخاة لم تكن مجرد إجراءٍ شكليٍ أو عابرٍ، بل كانت ثورةً حقيقيةً على العصبية القبلية، أذابت الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلم يعد العربي يفتخر على العجمي، ولا الغني على الفقير، بل أصبح ميزان التفاضل الوحيد هو التقوى والعمل الصالح. لقد صاغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعاً متجاوزاً للجغرافيا والأنساب، ليصبح نموذجاً عملياً للأمة الواحدة، التي تتجسد فيها قيم المساواة والعدل والإخاء.
إن هذه الخطوة النبوية العظيمة كانت بمثابة إعلانٍ عن ميلاد مجتمعٍ جديدٍ، هو ثمرةٌ من ثمار ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته التي جاءت رحمةً للعالمين .
التضحية والإيثار: قمة الأخوة الإيمانية
لقد بلغت المؤاخاة ذروتها في مشاهد الإيثار التي سجلها القرآن الكريم نفسه، وخلدها التاريخ الإسلامي كأروع الأمثلة على التضحية ونكران الذات. حين وصف الله تعالى الأنصار بقوله:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].
كان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر نصف ماله، أو يقاسمه بيته، أو حتى يطلق إحدى زوجتيه ليتزوجها أخوه المهاجر، لا رياءً ولا مصلحةً دنيويةً، بل إيماناً صادقاً بأن هذه الأخوة هي لله وحده، وأن العطاء في سبيل الله هو قمة الإيمان. ويكفي أن نذكر قصة عبد الرحمن بن عوف حين عرض عليه سعد بن الربيع نصف ماله، فشكره عبد الرحمن ودعا له ورفض أن يأخذ شيئاً، طالباً منه أن يدله فقط على السوق ليعمل بنفسه، مؤكداً على عزة النفس والاعتماد على الذات، حتى في أشد الظروف.
هذه المواقف لم تكن مجرد حكاياتٍ تُروى، بل كانت تجسيداً عملياً لقيمٍ عظيمةٍ غرسها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفوس أصحابه، وهي قيمٌ مستوحاةٌ من جوهر رسالته التي تدعو إلى الرحمة، والإيثار، والتكافل الاجتماعي. إن هذه الروح من التضحية والإيثار هي التي مكنت المجتمع الإسلامي الناشئ من تجاوز التحديات، وبناء قوةٍ داخليةٍ متماسكةٍ، كانت الأساس لانتصاراته اللاحقة .
دور المؤاخاة في بناء المجتمع الجديد وتثبيت أركان الدولة
لم تكن المؤاخاة مجرد حلٍّ اقتصاديٍ لأزمة المهاجرين الذين فقدوا أموالهم وديارهم، بل كانت خطوةً استراتيجيةً بعيدة المدى في تثبيت أركان الدولة الإسلامية الفتية. لقد كانت المؤاخاة بمثابة اللبنة الأساسية في بناء مجتمعٍ جديدٍ، متماسكٍ، قادرٍ على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية:
تأسيس مجتمع متماسك: لقد أسست المؤاخاة مجتمعاً متماسكاً يقف صفاً واحداً أمام التحديات، حيث أصبح كل فرد يشعر بالمسؤولية تجاه أخيه، مما عزز من تماسك البنية الاجتماعية، وحول الأفراد إلى جسدٍ واحدٍ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
إزالة رواسب الجاهلية: أزالت المؤاخاة رواسب الجاهلية من النفوس، فلم يعد هناك مجال للنزاع القبلي، أو الثأر، أو العصبية الضيقة. لقد حلت أخوة الإيمان محل أخوة الدم، مما أحدث تحولاً جذرياً في العلاقات الاجتماعية، وأرسى دعائم مجتمعٍ يقوم على المحبة والتعاون .
توفير بيئة آمنة للقيم القرآنية: وفرت المؤاخاة بيئةً آمنةً لانتشار القيم القرآنية، حيث يعيش الناس كالإخوة حقاً، لا شعاراً. لقد أصبحت المدينة المنورة نموذجاً حياً للمجتمع الإسلامي الذي تتجسد فيه تعاليم القرآن والسنة في كل تفاصيل الحياة اليومية .
تمهيد الطريق لتكوين جيش عقائدي موحد: مهدت المؤاخاة الطريق لتكوين جيشٍ عقائديٍ موحدٍ، لا يقاتل لمصلحة قبيلة أو عشيرة، بل لنصرة دين الله، والدفاع عن الحق والعدل. لقد تحولت الطاقات القبلية المتناحرة إلى قوةٍ موحدةٍ، توجهت نحو بناء الدولة ونشر رسالة الإسلام .
إن هذه الخطوات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة، ومنها المؤاخاة، كانت جزءاً لا يتجزأ من منهجه النبوي في بناء الأمة، وهو منهجٌ يستلهم من ذكرى مولده الشريف كل عام، حيث كان ميلاده إيذاناً بميلاد أمةٍ جديدةٍ، تحمل رسالة الرحمة والعدل إلى العالم أجمع .
أثر المؤاخاة في تاريخ الأمة: من المدينة إلى العالمية
من هذه اللحظة التاريخية، لحظة المؤاخاة، بدأت الأمة الإسلامية تشق طريقها بقوة وثبات. لقد أصبحت المدينة المنورة مجتمعاً مثالياً يحتذى به، يقيم العدل، ويصون الحقوق، ويرعى الضعفاء، ويقهر قوى الشرك والطغيان. ولو لم يكن المجتمع بهذه الوحدة القوية، لما استطاع مواجهة قريش وأحلافها في بدر وأحد والخندق، ولما تمكن من بناء دولةٍ مترامية الأطراف في فترةٍ وجيزةٍ .
لقد كانت المؤاخاة بمثابة الشرارة التي أطلقت طاقات الأمة الكامنة، وحولتها من قبائل متناحرة إلى قوةٍ عالميةٍ تحمل رسالة الهداية والنور، إن هذا التحول لم يكن ليتم لولا القيادة الحكيمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي استطاع أن يغرس في نفوس أصحابه روح الأخوة والإيثار، وأن يبني مجتمعاً متماسكاً على أسس الإيمان.
الدروس المستفادة من المؤاخاة اليوم: تجديد العهد في ذكرى المولد النبوي
إن تجربة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تقدم دروساً عظيمة للأمة المعاصرة، خاصةً في ظل التحديات التي تواجهها من تفرقٍ وتشرذمٍ. تذكر هذه التجربة الأمة بأن القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في وحدة الصف، وبناء المجتمع على أسس الإيمان والأخوة الصادقة .
كلما ضعفت هذه الروح، عادت الجاهلية بثوبٍ جديدٍ: جاهلية التعصب المذهبي أو الحزبي أو المناطقي، التي تمزق الأمة وتضعفها. وإذا أردنا أن نعيد للأمة عزتها، فعلينا أن نستلهم من المؤاخاة كيف يُبنى المجتمع على المحبة والإيثار والولاء لله ورسوله .
في ذكرى المولد النبوي الشريف، يجب أن تكون المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار درساً حياً يُستلهم منه منهج بناء الأمة، إن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد احتفالٍ تاريخيٍ، بل هو تجديدٌ للعهد بمنهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بناء الوحدة، وتعزيز الأخوة، وتجاوز كل أشكال الفرقة. إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى هذه الروح من المؤاخاة، لتتجاوز خلافاتها، وتتوحد صفوفها، وتنهض من جديد لتحمل رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، كما فعلت الأمة الأولى التي بناها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أسس الإيمان والأخوة .
*نقلا عن موقع يمني برس.