الرئيس الذي أصبح “كل الأحرار” .. قصة شهادة أحيت وطناً
في ذكرى استشهاد الرئيس صالح علي الصماد (سلام الله عليه)، لا يقف اليمن عند لحظة حزن عابرة، ولا يكتفي باستعادة صورة قائد غاب جسدًا، بل يستحضر معنىً وطنيًا كبيرًا، وتجربةً قيادية تشكّلت تحت النار، ورسخت أن السيادة لا تُمنح، وأن الكرامة لا تُساوَم، وأن القادة الحقيقيين يُولدون في زمن الخطر، لا في مواسم الراحة، لم يكن الصماد مجرد رئيس تولّى موقعًا رسميًا في ظرف استثنائي، بل كان حالةً وطنية نادرة، خرجت من قلب المعاناة، وتقدّمت الصفوف حين كان الوطن كله مستهدفًا، وحين راهن الأعداء على انهيار الدولة، وانكسار الإرادة، وسقوط القرار الوطني في قبضة الوصاية .
يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي
رئيس في زمن النار والحصار
تولّى الرئيس الشهيد صالح علي الصماد قيادة الدولة واليمن محاصر من كل الجهات، سماء تمطر نارًا، وبحر محاصر، واقتصاد مخنوق، وشعب يُراد له أن يركع تحت وطأة الجوع والخوف،كان العدوان الشامل، لا يستهدف الجبهات وحدها، بل يستهدف الحياة نفسها، والمؤسسات، والهوية، والقرار، وكان المطلوب من القيادة، وفق حسابات العدوان، أن تنهار أو تساوم أو تبرّر الهزيمة، لكن الصماد لم يأتِ ليكون مدير أزمة، بل ليكون صاحب موقف، فكان ذلك الموقف الذي لن تنساه الأحيال .
مشروع الصمود والتحدي
منذ اللحظة الأولى، طرح الرئيس الشهيد معادلته الوطنية الخالدة، (يد تبني ويد تحمي)، لم يكن شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل رؤية دولة في زمن العدوان والحصار، رؤية تقول إن المعركة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإن الحفاظ على مؤسسات الدولة هو خط الدفاع الأول، وإن العدوان لا يُهزم فقط في الجبهات، بل يُهزم حين يفشل في إسقاط الداخل، لقد آمن الصماد أن بقاء الدولة واقفة هو انتصار بحد ذاته، وأن انهيارها هو أخطر ما يمكن أن يحققه العدو، ولذلك حمل مسؤولية البناء والحماية معًا، في أصعب الظروف، وبأقل الإمكانات، وأعلى درجات الإخلاص.
قائد قريب من وجع الناس
لم يكن الشهيد رئيسًا يعيش خلف الجدران، ولا مسؤولًا يتحدث من موقع بعيد عن معاناة الناس، كان قريبًا من همّ المواطنين، مدركًا أن الإنسان الصامد هو أساس أي معركة، وأن الجبهة الداخلية هي ميدان المعركة الأهم، خاطب الشعب بلغة الصدق، لا الوهم، وبث فيهم روح المسؤولية، لا الاتكال، وحوّل الصبر إلى موقف واعٍ، والثبات إلى فعل مقاومة، والإيمان إلى طاقة لا تنفد، في زمن كثرت فيه الصفقات، وامتلأت فيه الطاولات السياسية بالمساومات المشبوهة، كان موقف الصماد واضحًا لا لبس فيه، لا وصاية على اليمن، ولا قرار يُفرض من الخارج، ولا تسوية على حساب الدم والكرامة،
فهم الشهيد أن ما يُعرض على اليمن ليس سلامًا، بل استسلام، وأن ما يُطلب ليس حلًا، بل إذعان، ومن هنا، أصبح هدفًا مباشرًا للعدوان، لأنه مثّل قيادة لا يمكن تطويعها، ولا شراؤها، ولا إخضاعها.
خطابه سلام الله عليه اتسم بالهدوء والاتزان، وبالاستناد إلى الثقافة القرآنية، بعيدًا عن الانفعال والضجيج، لكنه كان في جوهره خطابًا حازمًا، واضحًا في توصيف العدو، صادقًا مع الشعب، ثابتًا في القضايا المصيرية، فلم يكن يبحث عن شعبية زائفة، بل عن موقف صحيح، ولم يكن يراهن على الوقت، بل على الوعي، وعلى عدالة القضية.
الاستشهاد الخالد .. حين يتكلم الدم
لم يكن استشهاد الرئيس صالح علي الصماد حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة، اغتاله العدو لأنه عجز عن كسره، واستهدفه لأنه فشل في إخضاعه، وقصفه لأنه أدرك أن هذا الرجل يشكل خطراً عليهم، لكن العدو أخطأ في حساباته، فدم الصماد لم يُسقط الدولة، بل ثبّتها، ولم يُضعف الموقف، بل كشف الحقيقة، ولم يُنهِ المسار، بل عمّقه ورسّخه،
حين تتحول الشهادة إلى هوية وطنية
وفي تلك اللحظة المفصلية، برز موقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، حين قدم قراءةً واعية وعميقة لمعنى استشهاد رجل بحجم صالح الصماد، لا بوصفها فاجعة تُغلق، بل مشروعًا يُستكمل، حين قال السيد القائد كلمته الخالدة: (كل الأحرار في اليمن هم صالح الصماد) ، لم يكن يرثي شهيدًا، بل كان يعرّف أمة، بهذه العبارة، ارتقى الصماد من حدود الاسم إلى أفق الهوية، ومن سيرة فرد إلى مسار شعب، صار الصماد موقفًا، وصار الصماد معيارًا، وصار الصماد اسمًا لكل يمني حر يرفض الوصاية، ويتمسك بالسيادة، ويثبت حين تتكسر الضغوط.
تكريم الشهيد .. وتكليف الأحياء
كان وصف السيد القائد تكريمًا للصماد، لكنه في الوقت ذاته تكليفٌ لكل الأحرار، أن يكونوا حيث كان، وأن يثبتوا كما ثبت، وأن يحملوا أمانة الدم، لا في الشعارات، بل في المواقف، بهذا الوعي القيادي، حمى السيد القائد دماء الشهداء من التحول إلى مجرد ذكرى، وجعل منها طاقة صمود، ووعيًا جمعيًا، ونهجًا لا ينقطع.
الصماد حي فينا
اليوم، لا يُستحضر صالح الصماد بوصفه صورة على جدار، بل بوصفه روحًا حاضرة في الموقف، وفي القرار، وفي ثبات هذا الشعب.
لقد عاش مع الناس، ومضى في طريقهم، واستشهد وهو يؤدي واجبه، ليبقى اسمه مرتبطًا بالمنهج القرآني وأحد عناوينه ، وبالسيادة، وبالصدق، وبالقيادة التي لا تخون دماء شعبها، فسلامٌ على صالح الصماد يوم كان وطنًا يمشي على الأرض، وسلامٌ عليه يوم ارتقى شهيدًا، وسلامٌ عليه يوم صار كل الأحرار في اليمن هم صالح الصماد.