تشخيص الصراع .. مشروع هيمنة في مواجهة مشروع تحرر
يمانيون| بقلم: عبدالحكيم عامر
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتجاوز أي استهداف لقيادة عليا في دولة محورية حدود الحدث الأمني أو العسكري، ليتحوّل إلى مؤشر على طبيعة الصراع القائم في المنطقة، فالقضية، وفق هذا التشخيص، ليست حادثة اغتيال معزولة، بل تعبير عن مواجهة مفتوحة بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة الصهيوامريكي وإعادة تشكيل المنطقة من قِبل امريكا، في مقابل مشروع التحرر والمقاومة.
– استهداف القيادة كأداة لكسر الإرادة
عندما يُستهدف رمز بحجم الإمام علي الخامنئي، فإن الرسالة لا تُقرأ في بعدها الشخصي فقط، بل في أبعادها النفسية والاستراتيجية، فالسياسة التي تعتمد عليها العدو ما تسمى بسياسة “قطع الرأس” التي اعتمدتها قوى كبرى عبر التاريخ الحديث، تقوم على فرضية أن ضرب القيادة يُحدث: صدمة نفسية عميقة داخل المجتمع المستهدف، وارتباكاً مؤسسياً في بنية الدولة، وانهياراً معنوياً يمهّد لتنازلات سياسية أو تحولات داخلية، بهذا المعنى، فإن الهدف من استهداف الامام السيد علي الخامنئي وفق هذا الطرح لم يكن شخصياً فقط، بل يندرج ضمن ثلاثة أهداف مترابطة: كسر إرادة الشعب الإيراني عبر إحداث حالة فراغ رمزي ومعنوي، وتحطيم الروح المعنوية للمؤسسات الرسمية وفي مقدمتها المؤسستان العسكرية والأمنية، وإخضاع أنظمة المنطقة عبر رسالة ردع دموية تقول إن من يخرج عن سقف الإرادة الأمريكية الإسرائيلية سيكون عرضة للاستهداف المباشر.
– ما وراء الحدث مشروع إعادة تشكيل المنطقة
في هذا السياق، يُفهم التحرك الأمريكي الإسرائيلي بوصفه أوسع من عملية أمنية، فوفق القراءة السياسية السائدة في محور المقاومة، تتحرك كل من العدو الأمريكي والإسرائيلي ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى: تمكين العدو الإسرائيلي من فرض تفوق إقليمي مطلق، وإزالة ما يُصنّف باعتباره “العائق الأكبر” أمام هذا المشروع، وإعادة هندسة التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، وهنا تُقدَّم إيران بوصفها رأس الحربة في مواجهة هذا المسار، لاعتبارات عدة: دعمها العلني والمباشر للقضية الفلسطينية، احتضانها لقوى المقاومة في أكثر من ساحة، تبنّيها نموذجاً سياسياً إسلامياً ثورياً يُنظر إليه غربياً بوصفه خارج المنظومة الامريكية التقليدية في الهيمنة.
– الصراع الوجودي بين مشروعين
بهذا الإطار، يتحول الحدث إلى حلقة في صراع أعمق من حدود الجغرافيا الإيرانية، صراع يُصوَّر باعتباره مواجهة بين:
اولاً: مشروع الهيمنة والذي تنتهجة أمريكا وإسرائيل والذي يسعى إلى بناء “هيكل إقليمي جديد” يكون فيه الكيان الإسرائيلي القوة المركزية، ويعتمد على التفوق العسكري والتطبيع السياسي، ويوظّف العقوبات والاغتيالات والضغط الاقتصادي كأدوات إخضاع.
ثانياً: مشروع التحرر والمقاومة
يرفض الاعتراف بشرعية الهيمنة الإسرائيلية، ويربط أمن المنطقة باستقلال قرارها السياسي، ويعتبر أن دعم فلسطين هو جوهر المواجهة.
إن التجارب التاريخية تشير إلى أن استهداف القيادات قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة عكسية، إذ يتحول الرمز المستهدف إلى عامل تعبئة إضافي، ففي حالات كثيرة، لم تُفضِ سياسة “قطع الرأس” إلى إنهاء الصراع، بل إلى تعميقه وإعادة تشكيله على نحو أكثر حدة.
من هنا، فإن القراءة الاستراتيجية ترى أن المعركة إرادات وتحرر، هل تنجح سياسة الصدمة في فرض الانكفاء، أم تتحول إلى محفز لتماسك داخلي أكبر ووفق هذا التشخيص للصراع كحلقة في صراع طويل الأمد على هوية المنطقة ومستقبلها. فالمواجهة اليوم تحولت إلى اختبار لإرادة الشعوب والأنظمة: هل يُفرض “الهيكل الإقليمي الجديد” بالقوة والردع؟ أم تترسخ معادلة مقاومة تُعيد رسم توازنات القوة؟
فمشروع الهيمنة الصهيوأمريكية لن ينتصر أمام مشروع التحرر، الذي تتخذه بعض شعوب المنطقة مساراً تقاوم من أجله وتقدم من أجله الالاف الشهداء، فالشعوب اليوم من ايران واليمن ولبنان وفلسطين قادرة على الصمود، لأنه يؤمن بعدالة قضيته، وسيتحمل كلفة المواجهة في معركة تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات للتحرر من المشروع الصهيوأمريكي.