“فزت ورب الكعبة”.. ذروة التضحية والفوز الإلهي
“فزتُ وربِّ الكعبة” بهذه الكلمات وبينما كان محراب الكوفة يتهيأ لاستقبال فجر التاسع عشر من رمضان عام 40 للهجرة، لم يختم الإمام علي بن أبي طالب حياته فحسب، بل وضع منهجا أبدياً خالدا لمعنى ومفاهيم “الفوز” الحقيقي داخل أمة الإسلام إلى أن تقوم الساعة, ولمعرفة الأسباب والخلفيات التي أدت إلى استشهاده بسيف محسوب على الإسلام ومن داخل أوساط هذه الأمة التي لم تسلم كونها لم تفكر بتفكير قرين القرآن ولم تحمل مشاعره سيما وقد بشره رسول الله بكيفية استشهاده وقال له .. يا علي ستخضب هذه من هذه.. أي لحيته من جبينه, فقال له: أفي سلامة من ديني يا رسول الله؟
يمانيون/ محسن علي
محطات مضيئة
مع ذكرى فاجعة استشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يأتي كتاب “فزت ورب الكعبة” ليقدم قراءة معاصرة في سيرة ومسيرة الإمام علي، كمنارة هدى ونبراس حق يضيء دروب الحائرين في زمننا المعاصر، خاصة في ظل صعود التيارات التكفيرية التي تسعى إلى تشويه صورته ومكانته، ويغوص في أعماق هذه الصرخة التي ختم بها حياته في سبيل الله، كاشفاً عن أبعاد شخصيةٍ صاغها الوحي وأتمّها الاستشهاد, كما يستعرض الكتاب، الذي بين أيدينا، محطات مضيئة من حياة أمير المؤمنين، منذ ولادته الاستثنائية في جوف الكعبة، مرورًا بتربيته في حجر النبوة، ووصولًا إلى اللحظة التي صدح فيها بعبارته الخالدة “فزت ورب الكعبة” وهو مخضب بدمائه في محرابه سيما وقد بشر به بذلك رسول الله محمد، في واحدة من أكثر المآسي التي شهدها التاريخ الإسلامي.
صناعة “الإنسان الكامل” في مدرسة النبوة
يستهل الكتاب الذي اعده الاستاذ يحيى قاسم أبو عواصة في 108 صحفة من إخراج دائرة الثقافة القرآنية بتحليل دقيق لـ “الخصوصية الإلهية” في نشأة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن ولادته في جوف الكعبة -وهي ميزة لم يشاركه فيها أحد- إلى تربيته المباشرة على يد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يرسم الكتاب ملامح “التلميذ النجيب” الذي اختصه الله واصطفاه الله إماما للأمة بعد رسول الله محمد صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله.
التربية بالالتصاق والسبق الإيماني
يبرز الكتاب كيف كان الإمام عليٌّ يتبع النبي”اتباع الفصيل أثر أمه”، مما جعل أخلاقه وعلمه وسياسته انعكاساً مباشراً للوحي, كما يؤكد أن إسلام وسبق الإمام علي عليه السلام لم يكن مجرد تغيير عقيدة، بل كان “طهارة فطرية” لم تتلوث بجاهلية على الإطلاق، مما جعله “النموذج الأرقى” الذي تجسدت فيه قيم الإسلام قبل أن يُعلن عنها للناس.
علي بن أبي طالب.. “الفرقان” الذي يكشف النفاق
في واحدة من أقوى أطروحات الكتاب، يقدم المؤلف الإمام علي كـ “ميزان” لفرز الصفوف،حيث يستند إلى نص الحديث النبوي “لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق”، ليحلل ظاهرة “النفاق” في تاريخ الأمة وحاضرها.
مواجهة التزييف ورد الشبهات
يتصدى المؤلف لما يعتبره “افتراءات” و”شبهات” يثيرها التيار الوهابي التكفيري حول شخصية الإمام علي ومكانته، ويؤكد أن حب الإمام علي وموالاته ليس “جريمة” كما يحاول البعض تصويره، بل هو جزء لا يتجزأ من الإيمان، وأن فضائله ومناقبه مروية في أمهات كتب الحديث عند جميع المسلمين سنة وشيعة، فيما يرى بغض الإمام عليٍّ والتحسس من ذكر اسمه او تناول شيئ من سيرته المشرفة ليس مجرد موقف سياسي، بل هو “مرض عقائدي نفاقي” يكشف عن عدم الانسجام مع جوهر الإسلام الأصيل.
مواجهة الجاهلية الحديثة
يربط الكتاب ببراعة بين الجاهلية الأولى التي واجهها الإمام علي والجاهلية “الأخرى” أو “الحديثة” التي تواجهها الأمة اليوم، ويرى أن فهم سيرة الإمام علي ومنهجه في مواجهة الانحرافات الفكرية والعقائدية يمثل ضرورة ملحة للمسلمين في العصر الحالي، خاصة في ظل صعود التيارات التكفيرية التي تسعى إلى تشويه صورته ومكانته، معتبراً أن محاولات تغييب سيرة الإمام من المناهج الدراسية هي امتداد لمشروع “النفاق التاريخي” الذي يسعى لتفريغ الإسلام من محتواه الثوري والأخلاقي.
“فزت ورب الكعبة”.. فلسفة الفوز في منطق الشهادة
لماذا سمى الإمام علي لحظة اغتياله “فوزاً”؟ يجيب الكتاب بأن هذا الفوز هو “سلامة الدين”، سلامة الدين فوق سلامة النفس، وهنا يحلل الحوار الشهير بين النبي المصطفى وعلي المجتبى حول استشهاده، حيث كان سؤال الإمام الوحيد: “أفي سلامة من ديني؟”، هذا المنطق هو ما جعل ضربة ابن ملجم المرادي (عليه لعنة الله) عاقر هذه الأمة بوابة للخلود لا نهاية للحياة, ويؤكد أهمية لفت الإمام علي للأمة على أن تكون في سلامة من دينها , فمن لم يسلم له دينه لن تسلم له دنياه وآخرته.
الانتصار الأخلاقي
يبرز الكتاب وصية الإمام علي وهو على فراش الموت، وكيف تجسدت فيها قمة الإنسانية والعدل، حتى مع قاتله ابن ملجم المرادي عليه لعنة الله (“ضربة بضربة”، “لا تمثلوا بالرجل”)، مما يقدم درساً في “أخلاق القوة” التي تفتقدها البشرية اليوم.
المظلومية المستمرة والمسؤولية التاريخية
ينتهي الكتاب بوقفة تأملية حول “مظلومية الإمام علي”، معتبراً إياها مظلومية للمشروع الإلهي نفسه، وأن سبب ضياع الأمة وذلها هو يعود لهذا السبب بعدها عن تولي الإمام علي واعلام الهدى من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.
تغييب الوعي
ينتقد الكتاب بشدة الأنظمة التي سخرت إمكانياتها لتشويه أو تغييب سيرة الإمام، معتبراً أن العودة لنهج علي هي الطريق الوحيد لاستعادة عزة الأمة ومجدها وكرامتها المسلوبة.
القدوة والاتباع
يدعو الكتاب القراء، وخاصة الشباب والمثقفين، إلى عدم الاكتفاء بالحب العاطفي، بل الانتقال إلى “الاتباع الواعي” لمنهج الإمام في الصبر، والجهاد، والوعي السياسي، والارتباط بالقرآن.
الخلاصة
هذا الكتاب يستنهض الهمم من خلال تقديمه سيرة “سيد الأوصياء” وصرخة في وجه التزييف، ودعوة للعودة إلى “الإسلام المحمدي الأصيل” الذي مثله علي بن أبي طالب في حياته واستشهاده، وإن قراءته تعد هي رحلة لإعادة اكتشاف الذات من خلال مرآة “الإنسان الذي لم يفارقه الحق، ولم يفارق هو الحق” ويقدم رؤية واضحة حول أهمية التمسك بنهج الإمام علي لمواجهة تحديات الحاضر، بمادة فكرية وتاريخية ثرية تهم كل باحث عن الحقيقة وكل محب لشخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام.
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.