عواء الذئب في فراغ القوة.. لماذا ترفع واشنطن سقف التهديد مع إيران وهي عاجزة عن خوض المواجهة؟
يمانيون | تحليل
يرتفع الصوت الأمريكي في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون أن يمرّ، فلا طهران رضخت، ولا واشنطن أقدمت.هذا التناقض الصارخ بين حدّة الخطاب الأمريكي وغياب الفعل العسكري ليس تفصيلاً عابراً في المشهد الدولي، بل علامة كاشفة على تحوّل عميق في موازين القوة.
فارتفاع وتيرة التهديدات الأمريكية لا يعكس فائض قوة، بقدر ما يعبّر عن مأزق استراتيجي غير مسبوق، تجد فيه الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن تحويل التهديد إلى قرار، والوعيد إلى معركة.
إن قراءة متأنية لأحداث عام 2025 وبدايات 2026 تكشف أن واشنطن لم تعد تمسك بخيوط اللعبة كما اعتادت، وأن كل محاولة للضغط أو الالتفاف انتهت إلى نتيجة واحدة: انكشاف الأدوات، وارتداد السهام على من أطلقها.
في هذا السياق، لم تعد المواجهة مع إيران مجرد صراع إرادات، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لمرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.
ضربة يونيو 2025: الغدر تحت القفاز الصهيوني
في يونيو 2025، اختارت الولايات المتحدة طريقها المفضّل: الغدر من خلف الستار.
وتحت “قفاز” الكيان الصهيوني، شُنّ هجوم استخباراتي فجائي بامتياز، استهدف قادة عسكريين كباراً ومفاصل حيوية في الدولة الإيرانية.
كانت الضربة الأولى مصمّمة بعناية، تمزج بين هجوم السماء بالصواريخ والطائرات، وهجوم الأرض عبر الاختراقات الاستخباراتية والعمليات الخاصة، في رهان واضح على شلّ منظومة القيادة وإرباك القرار السياسي والعسكري.
للوهلة الأولى، ظنّت واشنطن وتل أبيب أن ما تحقق هو “الإنجاز الحاسم” الذي طال انتظاره.
غير أن المشهد انقلب رأساً على عقب.
فبدلاً من الانهيار أو الارتباك، دخلت طهران في صمت مدروس، صمت لم يكن تراجعاً، بل كان إعادة ترتيب للميدان والحسابات.
سبعة أيام فقط كانت كافية لينتقل الخصم من نشوة الضربة إلى قلق النتائج، قبل أن تجد الولايات المتحدة نفسها تستجدي وقف إطلاق النار.
وفي اليوم الثاني عشر، وافقت إيران على التهدئة بعد أن كان العالم قد رأى الهزيمة رأي العين: قواعد أمريكية لم تعد بمنأى عن الاستهداف، ومعادلات ردع لم تعد حكراً على واشنطن.
كانت تلك اللحظة إعلاناً غير مكتوب عن فشل خيار القوة المباشرة، وسقوط وهم “الضربة القاضية”.
الصمت الذي قلب المعادلة
ما جرى في يونيو لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل درساً قاسياً في إدارة الصراع.
فالصمت الإيراني أربك الخصم أكثر مما أربك الضربة نفسها.
انتظرت واشنطن انهياراً لم يأتِ، وتوسلاً لم تسمعه، قبل أن تدرك أن ما تواجهه ليس دولة يمكن كسرها بضربة، بل منظومة قادرة على امتصاص الصدمات والرد في التوقيت الذي تختاره.
هنا تحديداً، انكشف الفارق بين من يراكم القوة ومن يستهلكها.
فالولايات المتحدة التي اعتادت فرض الإيقاع، وجدت نفسها للمرة الأولى منذ عقود في موقع من يلاحق التهدئة، لا من يفرضها.
ديسمبر 2025: رهان الشغب وسقوط الحرب الناعمة
بعد الفشل العسكري، لم تجد واشنطن بداً من الانتقال إلى ساحة أخرى: الداخل الإيراني.
وفي ديسمبر 2025، عقب اجتماع ضمّ ترمب ونتنياهو، استُغلت احتجاجات محدودة ذات طابع اقتصادي، في محاولة لتحويلها إلى حالة فوضى شاملة.
أُديرت خلايا الشغب من الخارج، وفُتحت غرف العمليات، ولم يبخل ترمب بتغريداته ورسائله التي بلغت العملاء على الأرض، واعداً إياهم بالدعم والتصعيد.
لكن المفاجأة كانت في مكان آخر.
فجأة، انقطع “جاسوس الارتباط” الأهم: شبكة “ستارلينك”.
في مشهد صادم، وجدت الخلايا الممولة والمسلحة نفسها معزولة، بلا اتصال ولا تنسيق، فيما أطلقت طهران عملية تقنية غير مسبوقة عطّلت الشبكة على نطاق واسع.
خلال وقت قصير، كانت المظاهرات الممولة قد أُخمدت، وتحوّل الرهان الأمريكي إلى فضيحة استخباراتية مكتملة الأركان.
لم يكن ما جرى مجرد إجراء أمني، بل إعلان صريح عن ولادة مفهوم جديد للسيادة: سيادة رقمية قادرة على كسر أدوات الحرب الناعمة، كما كُسرت قبلها أدوات الحرب الصلبة.
لماذا لا تهاجم واشنطن؟
السؤال لم يعد: لماذا تهدد الولايات المتحدة؟ بل: لماذا لا تهاجم رغم كل هذا الضجيج؟
الجواب يكمن في إدراكها العميق أن أي مواجهة شاملة اليوم لن تكون نزهة، بل مقامرة قد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها.
فإيران 2026 ليست إيران الأمس، والبيئة الإقليمية لم تعد طيّعة، والتحالفات الدولية لم تعد تصطف تلقائياً خلف القرار الأمريكي.
لذلك، لا يبقى أمام واشنطن سوى العواء: تهديدات متكررة، تصريحات نارية، وتصعيد إعلامي، في محاولة لتعويض عجز الفعل بالفعل الكلامي.
وهذا بالضبط ما يفعله ترامب، الذي يجيد الصراخ أكثر مما يجيد الحسابات.
الحمقى وصناعة التاريخ
غير أن التاريخ له منطقه الخاص.
فالحمقى، بتصرفاتهم غير المنضبطة، كثيراً ما يسهمون – من حيث لا يريدون – في تسريع التحولات الكبرى.
تعنّت واشنطن، وغدرها، وفشلها المتكرر، كلها عوامل تسرّع ولادة عالم جديد، حتى وإن كان مخاضه قاسياً.
بين فترة وأخرى، تعيد الأحداث التذكير بأن الهيمنة لا تدوم، وأن القوة التي لا تضبطها معادلة عقلانية تتحول إلى عبء على صاحبها.
وما يجري اليوم ليس إلا فصلاً من هذا التحول القاسي، حيث يتراجع القديم وهو يصرخ، ويصعد الجديد وهو يرسّخ أقدامه بصمت.