مفاتيح النصر في معركة الوعي ومواجهة الطغيان

قدّم  السيد القائد في الدرس الرمضاني  الخامس والعشرون قراءة عميقة في جوانب من سيرة نبي الله موسى، مستخلصًا منها دروسًا قيادية وتربوية كبرى تتصل بواقع الأمة، ومسؤوليات العاملين في ميادين الدعوة والجهاد والعمل الرسالي،  وأكد السيد القائد أن من أهم ما يحتاجه الإنسان في مقام المسؤوليات الكبرى هو التحمل وسعة الصدر، باعتبارهما من الصفات الأساسية التي تمكّن الإنسان من أداء دوره في الظروف الصعبة،  فالمسؤوليات الرسالية بطبيعتها مليئة بالتحديات والضغوط، وإذا تعامل الإنسان مع الأحداث وفق حالته النفسية أو انفعالاته اللحظية فإنه يتجاوز حالة الرشد والحكمة، ويعرض العمل للاضطراب والخلل.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

منهج قرآني في إعداد القادة

وتوقف السيد القائد عند الدعاء العظيم الذي توجه به نبي الله موسى إلى الله تعالى عندما كُلِّف بالرسالة، مبينًا أن هذا الدعاء يمثل منهجًا متكاملاً في إعداد القائد الرسالي،  فقد طلب موسى من الله أن يشرح صدره وييسر أمره، لأن التيسير الحقيقي بيد الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يفتح الأبواب ويهيئ الأسباب،  كما طلب موسى أن تُحل عقدة من لسانه، وهو طلب ذو دلالة عميقة تتعلق بأهمية القدرة البيانية في أداء الرسالة، فالتبليغ يحتاج إلى وضوح في الخطاب وقوة في الحجة والبيان، خصوصًا في مواجهة الباطل،  وأوضح السيد القائد أن هذا الجانب يكتسب أهمية مضاعفة في عصرنا الحالي، الذي يشهد حربًا دعائية وإعلامية واسعة تستهدف تشويه الحقائق والتأثير على وعي الناس. ولذلك فإن امتلاك القدرة البيانية في دحض الباطل وتوضيح الحق يعد من أهم ميادين المواجهة في هذا الزمن،  وأشار إلى أن القدرة البيانية سلاح ذو حدين؛ فكما يمكن أن تُستخدم لنصرة الحق، يمكن أن تُستخدم أيضًا لخدمة الباطل، وهو ما يجعل مسؤولية أصحاب الكلمة والقلم والإعلاميين مسؤولية كبيرة في توظيف قدراتهم في الاتجاه الصحيح.

أهمية المعاونين وتكامل الأدوار

ومن أبرز ما تضمنه دعاء موسى طلبه من الله أن يجعل له وزيرًا من أهله هو أخوه هارون، ليشد الله به أزره ويشاركه في حمل الرسالة، وقد أوضح السيد القائد أن هذا الطلب يعكس وعيًا عميقًا بحجم المهمة وتعقيداتها، إذ إن المسؤوليات الكبرى لا يمكن أن تُنجز بجهد فردي منعزل،  فموسى عليه السلام أدرك أن مواجهة الطغيان وإيصال الرسالة إلى الناس تحتاج إلى القوة والبلاغة والتكامل في الأدوار، وكان أخوه هارون يمتاز بالفصاحة والقدرة على البيان، ما جعله عونًا حقيقيًا له في أداء المهمة،
ومن هنا شدد السيد القائد على أن من أهم المؤهلات في العمل الحركي والرسالي أن يكون الإنسان متجردًا من النزعات النفسية والأنانية. فالبعض قد يحرص على أن يكون وحده في المسؤولية بدافع الأنانية أو حب الظهور، وهو ما يؤدي إلى الإضرار بالعمل ويعد من الآفات الخطيرة التي قد تصل إلى حد الخيانة للمسؤولية.

مخاطر التمحور الشخصي في العمل

وتطرق السيد القائد إلى ظاهرة أخرى قد تضر بالعمل، وهي استحواذ البعض على كل المهام حتى لو كان خاليًا من الدوافع النفسية. فالتوسع الفردي في المسؤوليات يؤدي غالبًا إلى الوقوع في الأخطاء بسبب خروج العمل عن نطاق الاهتمام والتركيز، ما ينتج عنه نقص وخلل في الأداء،  وأكد أن الجهد الفردي عندما يكون في إطار مسؤوليات كبيرة ومعقدة يؤدي غالبًا إلى خلل في العمل، ولذلك فإن المنهج الصحيح هو تقسيم الأدوار وتكامل الجهود، كما حدث في رسالة موسى وهارون عليهما السلام،  وهنا تظهر سنة من سنن الله في العمل الرسالي، وهي تكامل الأدوار وتكامل المسؤوليات، حيث يكون لكل شخص دوره الخاص الذي يكمل دور الآخرين، بما يحقق القوة والفاعلية في أداء الرسالة.

الرسالة الإلهية وهدفها الأسمى

وفي جانب آخر من الدرس، أوضح السيد القائد أن الهدف الأساس من المهام الرسالية هو شد الناس إلى الله سبحانه وتعالى، فكل الرسالات الإلهية تسعى إلى ربط الناس بالله وتعميق معرفتهم به وتعظيمهم له،  ولهذا فإن العمل الرسالي يجب أن يكون خالصًا لله، وأن تكون ثمرة التعاون والعمل الجماعي هي تعزيز هذا الانشداد إلى الله، لا تحقيق المكاسب الشخصية أو الاعتبارات الذاتية.

المعاونون المخلصين سند الرسالات

كما استعرض السيد القائد جانبًا من شكوى موسى عليه السلام إلى الله، حين ذكر أنه قتل نفسًا ويخشى أن يقتلوه، فجاءت الاستجابة الإلهية مطمئنة له بأن الله سيشد عضده بأخيه هارون,وفي ذلك دلالة واضحة على أهمية دور المعاونين في حمل المسؤوليات الكبرى، إذ يشكلون عضدًا حقيقيًا للقائد في أداء مهمته.
وأشار السيد القائد إلى أن هذا الدور يذكرنا بالدور العظيم الذي قام به  الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام،  في نصرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله،  حيث كان سندًا قويًا له في مختلف مراحل الدعوة.

إعداد إلهي لتحمل الشدائد

واختتم السيد القائد حديثه بالإشارة إلى أن الاستجابة الإلهية لمطالب موسى عليه السلام تضمنت أيضًا تذكير الله له بنجاته السابقة من الغم، في إشارة إلى الرعاية الإلهية التي صاحبت مسيرته منذ البداية،  فالله سبحانه وتعالى كان يعد موسى إعدادًا خاصًا لتحمل الشدائد والصعوبات، حتى عاد إلى قومه نبيًا ورسولًا بتدبير إلهي محكم.

دلالات هامة

قدم السيد القائد  دلالات مهمة لواقع الأمة اليوم، وفي مقدمتها ضرورة التحلي بالصبر وسعة الصدر، وتعزيز العمل الجماعي، وتوظيف القدرات الإعلامية والبيانية في نصرة الحق، مع التحرر من النزعات الشخصية التي تضعف العمل وتعيق مسيرته،  كما يؤكد  أن نجاح أي مشروع رسالي يعتمد على تكامل الأدوار وتعاون المخلصين، في إطار هدف أسمى هو ربط الناس بالله وتعزيز القيم الإيمانية في حياتهم،  وبذلك يقدم درسا قرآنيا متكاملاً في إعداد القيادات الرسالية القادرة على مواجهة الطغيان، وإيصال رسالة الحق بثبات ووعي وبصيرة.

You might also like