حين فضحت دماء الصالة الكبرى الخطاب السعودي.. السيد القائد يعرّي وحشية العدوان خلف العباءة الدينية

بعد أكثر من عقد على بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، جاءت كلمة السيد القائد في الذكرى العاشرة لجريمة مجزرة الصالة الكبرى2016م  لتربط بين الذاكرة والواقع والمستقبل وتقديم قراءة أوسع في طبيعة العدوان ، فالضحايا الذين سقطوا في عزاء آل الرويشان، والأطفال الذين استُهدفوا في حافلة ضحيان، والنساء والأسر التي طالتها آلالاف الغارات بالقنابل الأمريكية، لم يحضروا في الخطاب بوصفهم أرقامًا في سجل العدوان الآثم، بل باعتبارهم دليلًا على طبيعة مسار عسكري إجرامي استهدف المجتمع اليمني في أمنه ومعيشته وكرامته، وفي المقابل، قدّم السيد القائد صمود اليمن وتطور قدراته وتماسك قبائله وجبهته الداخلية بوصفها النتيجة الأبرز لفشل سياسة الإخضاع، مؤكدًا أن استمرار العدوان لا ينتج استسلامًا، بل يوسع دائرة الرفض ويعزز منطق الردع.

يمانيون| محسن علي

جاءت كلمة السيد القائد في ذكرى المجزرة الأمريكية السعودي في الصالة الكبرى كخطاب يجمع بين التوثيق والتعبئة وتحديد الخيارات، فمن آيات قرآنية عن فساد الخصومة وانكشاف المنافقين عند الاختبار، انتقل إلى سجل جرائم شمل العزاء والأعراس وحافلات الأطفال والأسواق والأحياء السكنية، ثم ربط ذلك بمعركة السيادة في باب المندب وبصعود القدرات اليمنية خلال اثني عشر عامًا من الحرب، الرسالة الأبرز كانت واضحة: العدوان لم ينجح في كسر إرادة اليمن، والسلام ممكن، لكن ليس على حساب السيادة أو تحت استمرار الحصار والاعتداء.

 

من العنوان إلى الفعل: معيار الحكم على الخصوم

اختار السيد القائد أن يبدأ كلمته من الآيات القرآنية التي تميز بين بريق القول وحقيقة السلوك، فالإنسان أو الجهة قد تتكئ على ألقاب دينية أو إنسانية، وتقدم نفسها بوصفها حامية للقيم، لكن حقيقتها تظهر عند الخصومة والمواجهة، حين تتحول الشعارات إلى ممارسات.

بهذا المدخل، وضعت الكلمة معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا لقراءة الحرب: لا يُحكم على الأطراف بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله في حياة الناس، فإذا كان الخطاب يتحدث عن حماية المقدسات، بينما تكشف الممارسة عن قتل المدنيين وحصارهم وتدمير مقومات حياتهم، فإن الفجوة بين العنوان والفعل تصبح، في منطق الكلمة، دليلًا على التضليل لا على الالتباس.

ولم يكن هذا المدخل وعظيًا فقط؛ فقد استخدمته الكلمة لتفسير سلوك الحرب، وربطت بين الإفساد السياسي والاقتصادي والأمني، وبين استهداف الزراعة والمعيشة والنسل، باعتبار أن العدوان لا يضرب هدفًا عسكريًا منفردًا، بل يسعى إلى إنهاك المجتمع وإضعاف قدرته على الصمود.

 

الصالة الكبرى.. حين تصبح الذاكرة وثيقة اتهام

في قلب الخطاب، حضرت مجزرة الصالة الكبرى في صنعاء، التي وقعت عام 2016 خلال عزاء آل الرويشان، وأسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من ألف مواطن يمني، واستعاد السيد القائد طبيعة العزاء بوصفه مناسبة اجتماعية ودينية يشارك فيها أبناء المجتمع بمختلف فئاتهم، لا تجمعًا عسكريًا أو ساحة مواجهة، وتكتسب الإشارة إلى طبيعة المناسبة أهميتها من كونها تنقل الجريمة من إطار «الخطأ العسكري» إلى استهداف تجمع مدني في لحظة اجتماعية آمنة،كما ربطت مذبحة الصالة الكبرى بسلسلة من الوقائع الأخرى: استهداف الأعراس، وقصف حافلة أطفال ضحيان، وقنبلة عطان، وضرب الأسواق والمساكن والمساجد، ووقوع جرائم في محافظات يمنية متعددة، وبهذا الاستحضار المتتابع، لا تبدو الصالة الكبرى في الخطاب حادثة معزولة، بل عنوانًا لذاكرة حرب طويلة، يرى المدنيين ومجالات حياتهم اليومية كانوا في قلب أهدافها، فالعرس والعزاء والسوق والحي السكني ليست تفاصيل هامشية، بل أماكن تكشف طبيعة العدوان الإجرامي الدموي وحدود احترامها للإنسان.

 

من توثيق الضحايا إلى معركة الرواية

تجاوزت الكلمة تعداد الجرائم إلى الدعوة لتوثيقها ونشر مشاهدها، باعتبار أن المعركة لا تدور في الميدان وحده، بل في الوعي والذاكرة والإعلام أيضًا، فإخفاء صور الضحايا أو فصلها عن سياقها يسمح، بإعادة إنتاج المعتدي في صورة الحامي، وإعادة تقديم الحصار باعتباره إجراءً سياسيًا عابرًا لا سياسة تستهدف حياة الناس، ولهذا وضعت الكلمة التوثيق في موقع الفعل السياسي؛ فالمشهد المصور لأسرة فقدت أبناءها، أو لسوق استُهدف، أو لأطفال قُتلوا في حافلتهم، لا يؤدي وظيفة عاطفية فقط، بل يحفظ الدليل ويمنع طمس المسؤولية، وفي هذا الإطار، وصفت الكلمة هذه الوقائع بتوصيفات متعددة، من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إلى جرائم إبادة جماعية، مؤكدة أن قتل الأطفال والنساء واستهداف المدنيين لا يمكن تبريره بالعناوين العسكرية.

 

نقد الخطاب الديني وتوظيف المقدسات

انتقلت الكلمة بعد ذلك إلى نقد تقديم النظام السعودي نفسه عبر عناوين دينية، وعلى رأسها «خادم الحرمين الشريفين»، وفي قراءة السيد القائد، لا تمنح الرمزية الدينية حصانة لمن يمارس الحرب والحصار، لأن معيار حماية المقدسات لا ينفصل عن حماية الإنسان المسلم ودمه وكرامته.

ومن هنا طرحت الكلمة سؤالًا عن غياب أي موقف عسكري سعودي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مقابل توجيه القوة إلى اليمنيين، معتبرة أن الرمز الديني يفقد معناه حين يُستخدم لتغطية ممارسات تناقض جوهر القيم التي يفترض أن يمثلها، كما رفضت الاتهامات التي تصوّر اليمن باعتباره خطرًا على مكة والمدينة، ورأت فيها محاولة لتوظيف قدسية المكان في الصراع السياسي، وفي المقابل، قدمت حرص اليمنيين على المقدسات بوصفه موقفًا مبدئيًا لا أداة دعائية، مؤكدة أن حماية المقدسات لا تكون بتشويه الخصوم أو تبرير قتل المدنيين.

 

اليمن بعد اثني عشر عامًا: من ساحة الاستهداف إلى ساحة الردع

الرسالة المحورية في القسم اليمني من الكلمة أن الحرب لم تحقق هدف إخضاع اليمن، فالشعب، وفق الخطاب، لم يتجه إلى الانهيار أو الاستسلام، بل حافظ على تماسكه، وطوّر قدراته العسكرية، ورفد جبهاته عبر الجيش والأمن والقبائل والمجتمع، لتقيس هذا التحول بالمقارنة بين بداية العدوان وواقعه الحالي: من بلد يتلقى الضربات ويواجه التفوق العسكري، إلى طرف يقول إنه يمتلك قدرات أكثر فاعلية، وينفذ عمليات ضد التحشيدات والمنشآت والقواعد العسكرية، ويحتفظ بمعنويات مرتفعة رغم طول الحربـ كما تحضر القبائل هنا بوصفها عنصرًا في بنية الصمود، لا مجرد قوة اجتماعية مساندة، فرفد الجبهات، وتماسك المجتمع، ورفض الاستسلام، كلها مظاهر يربطها الخطاب بالهوية الإيمانية والوطنية وبأعراف اجتماعية ترى في قتل المدنيين واستهداف المناسبات الآمنة اعتداءً على الشعب اليمني كله.

 

باب المندب.. من الجغرافيا إلى السيادة

في الجزء المتعلق بباب المندب، تتسع الكلمة من نقد العدوان إلى قراءة الصراع على الجغرافيا، فالموقع، بحسب الخطاب، ليس تفصيلًا عسكريًا، بل مساحة تتقاطع فيها السيادة اليمنية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ولا سيما بعد ارتباط الموقف اليمني بدعم فلسطين والعمليات في البحر الأحمر وخليج عدن، وترى أن التحشيدات السعودية قرب باب المندب تستهدف إعادة فرض حضور أجنبي على أرض يمنية، بينما تقدم العمليات اليمنية باعتبارها ممارسة للسيادة داخل المجال الوطني، وفي الوقت ذاته، تحذر من أن تحويل المنطقة إلى ساحة اشتباك دائم يهدد الملاحة الدولية؛ وبذلك تربط الكلمة بين الأمن البحري وبين ضرورة احترام سيادة اليمن وعدم تحويل ممراته ومواقعه الاستراتيجية إلى جبهات حرب وعكسرة خدمة للمشروع الصهيوامريكي في المنطقة.

 

الردع والسلام.. معادلة لا تناقض بينهما

لا تقدم الكلمة القوة والردع بوصفهما بديلًا عن السلام، بل تربط بينهما، فالسيد القائد دعا إلى سلام قائم على حسن الجوار والاحترام المتبادل، لكنه اشترط أن يكون سلامًا يضع حدًا للعدوان والحصار، لا غطاءً لاستمرارهما، وهنا تتبلور معادلة الخطاب: كلما استمر القصف والحصار، ارتفعت كلفة الرد، وكلما توافرت إرادة وقف الاعتداء، بقي باب التسوية مفتوحًا، وبذلك تتحول القدرات العسكرية من غاية مستقلة إلى وسيلة لحماية القرار السياسي ومنع فرض شروط الاستسلام.

 

رسالة الكلمة إلى الداخل والخارج

توجهت الكلمة في آن واحد إلى الداخل اليمني والخارج، داخليًا، دعت إلى مواصلة التعبئة، ورفد الجبهات، والحفاظ على تماسك المجتمع، والخروج الشعبي تأكيدًا للموقف من فلسطين والمقدسات والعدوان؛ وخارجيًا، خاطبت الحكومات والأنظمة الإسلامية، محذرة من الانخراط في ما وصفته بالتعاون على الإثم والعدوان، وداعية إلى مساندة الشعب الفلسطيني بدل الوقوف إلى جانب القوى التي تمتلك ـ بحسب الكلمة ـ الإمكانات والدعم الدولي.

كما تحمل هذه الرسالة بعدًا سياسيًا واضحًا: فالمشاركة في الحرب ليست، وفق الخطاب، موقفًا محايدًا، بل اصطفاف يترك أثرًا في صورة الدول وتاريخها ومسؤوليتها الأخلاقية، وفي المقابل، تقدم الكلمة الموقف اليمني باعتباره دفاعًا عن الحرية والسيادة والكرامة والاستقلال.

 

ختاما

في ذكرى الصالة الكبرى، لم تكن كلمة السيد القائد استعادة لمجزرة مضت، بل إعادة تعريف للحرب من خلال ضحاياها ونتائجها ورسائلها، فالعزاء الذي قُصف، والعرس الذي تحول إلى مأتم، وحافلة الأطفال، والسوق والحي السكني، كلها شواهد استخدمتها الكلمة لطرح سؤال يتجاوز اليمن: ماذا يبقى من العناوين الدينية والسياسية حين تناقضها أفعال الحرب؟ وفي المقابل، قدم الخطاب مسار اليمن خلال اثني عشر عامًا بوصفه قصة انتقال من الجرح إلى القدرة، ومن انتظار الضربة إلى امتلاك الرد، ومن الدفاع عن البقاء إلى الدفاع عن السيادة.

وبينما أبقى باب السلام مفتوحًا على قاعدة الاحترام ورفع العدوان والحصار، أكد أن اليمن لن يقبل أن تتحول مأساته إلى تنازل، أو مقدساته إلى ورقة ابتزاز، أو جغرافيته إلى مجال نفوذ للقوى الخارجية، وهكذا تتلخص الرسالة النهائية للكلمة في ثلاث نقاط مترابطة: ذاكرة لا تسمح بإفلات الجريمة من المسؤولية، مجتمع لم تكسره سنوات الحرب، ومعادلة ردع تجعل السيادة شرطًا لأي سلام قادم.

You might also like