سدّ مأرب القديم: أعظم منجزات الهندسة المائية في حضارة سَبَأ.
شاهدٌ حضاري على عبقرية اليمنيين القدماء في إدارة المياه وإحياء الأَرْض.
يُعَدُّ سدُّ مأرب القديم واحدًا من أعظم الشواهد الحضارية على عبقرية الإنسان اليمني القديم، وأبرز منجزات الهندسة المائية في تاريخ الجزيرة الْعَرَبِيَّة، وقد مثّل هذا السدُّ ركيزةً أساسيةً لازدهار مملكة سبأ، إذ أسهم في تنظيم مياه السيول وتوزيعها عبر شبكة واسعة من القنوات إلى الأراضي الزِّرَاعِيَّة، ولم يكن مجرد منشأة مائية، بل كان أساسًا اقتصاديًّا وحضاريًّا مكّن السبئيين من استثمار أرض مأرب وتحويلها إلى واحة زراعية مزدهرة، وتعاقبت على السد أعمال البناء والتوسعة والصيانة في عصور مختلفة، حتى غدا شاهدًا خالدًا على تطور المعرفة الهندسية والإدارية لدى اليمنيين القدماء. ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على تاريخ السد ومكوناته ونظامه المائي وأهميته الحضارية، مع التمييز بين آثاره القديمة والسد الحديث.
يمانيون / صالح مقبل فارع

أوَّلاً: التعريف بالسد وبياناته الأَسَاسِيَّة:
- اسم الأثر: سدّ مأرب القديم، ويُعرف أيضًا بالسدّ العظيم.
- الاسم القديم: لا تتوافر تسمية سبئية مستقلة مؤكدة تختلف عن اسم مأرب؛ وقد ارتبط السد في النقوش والمصادر بمنظومة ريّ مأرب.
- الدولة: الجمهورية اليمنية.
- المحافظة: مأرب.
- الموقع: وادي ذَنَة، في منطقة مأرب القديمة، بين المرتفعات الجبلية المحيطة بالوادي، إلى الجنوب الغربي من مدينة مأرب الحديثة.
- الْمُدِيْرِيَّة: مُدِيْرِيَّة صرواح، نطاق مدينة مأرب ومحيطها الأثري.
- طبيعة المنشأة: منشأة هندسية مائية وريّ زراعي، تتكون من سدود تحويلية ومآخذ مائية وقنوات ومنشآت لتوزيع السيول.
- الحضارة المرتبطة به: الحضارة السبئية، مع مراحل تطوير وتجديد في العهد الحميري.
- بداية التوثيق المعماري للسد: الألف الأول قبل الميلاد، وتحديدًا القرن الثامن قبل الميلاد وفق الدراسات الأثرية.
- الباني: لا يُعرف بَانٍ واحد للسد؛ فقد أنشأه ووسّعه وأصلحه ملوك سبأ وحكّام اليمن على مراحل متعاقبة.
- أبرز المجددين المعروفين بالنقوش: الملك الحميري شرحبيل يعفر سنة 456م، والملك أبرهة في سنة 548م، في منشآت المأخذ الشمالي.
- الحالة الراهنة: بقايا أثرية ومنشآت مائية تاريخية، تتطلب الحماية والصيانة والتوثيق المستمر.
ثَانِيًا: الموقع الجغرافي والطبيعة التضاريسية:
يقع سدّ مأرب القديم في وادي ذَنَة، وهو أحد الأودية المهمة في منطقة مأرب، حيث تتجمع مياه الأمطار والسيول القادمة من المرتفعات الجبلية المحيطة، ثم تنحدر باتجاه السهول الشرقية والصحراوية.
وقد أدرك السبئيون أهمية هذا الموقع؛ إذ تقع مأرب في منطقة تتسم بندرة الأمطار وعدم انتظامها، لكنها تستقبل سيولًا موسمية قوية قادمة من المرتفعات. ولذلك كان التحدي الأساسي أمام سكانها هو الاستفادة من المياه خلال فترات هطول الأمطار، وتخزينها أو تحويلها إلى الأراضي الزراعية بدلًا من ضياعها في الصحراء.
وجاء إنشاء السد ومنشآت الري المرتبطة به استجابة لهذه الظروف الطبيعية؛ فقد أُقيمت المنشآت على مجرى الوادي، واستُخدمت المآخذ والقنوات لتوجيه المياه نحو الأراضي الزراعية شمال الوادي وجنوبه.
وتتكون المنطقة الأثرية المرتبطة بالسد من ثلاثة مكونات رئيسية:
1- منشآت المأخذ الشمالي.
2- منشآت المأخذ الجنوبي.
3- سدّ الجُفَينة، وهو أحد سدود التحويل المرتبطة بشبكة الري.
وتفصل بين المأخذين الشمالي والجنوبي مسافة تقارب 700 متر، بينما يقع سد الجفينة في موضع آخر من شبكة الري، إلى الجنوب الشرقي من المأخذ الشمالي.
وهذا التوزيع يؤكد أن السد لم يكن جدارًا منفردًا يعترض الوادي، وإنما كان جزءًا من منظومة هندسية واسعة لتجميع المياه وتحويلها وتوزيعها.
ثَالِثًا: نبذة تاريخية عن سد مأرب:
يُعَدُّ سد مأرب من أعظم المنجزات الحضارية التي خلّفتها مملكة سبأ، وأحد أبرز الشواهد على قدرة اليمنيين القدماء على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة.
فقد قامت الحضارة السبئية في منطقة شبه جافة، لا تعتمد على الأنهار الدائمة، وإنما على مياه الأمطار والسيول الموسمية. وكان نجاحها الاقتصادي مرتبطًا بقدرتها على تنظيم هذه المياه واستثمارها في الزراعة.
ومن هنا ظهرت منظومة الريّ المأربية، التي شكّل السد أهم عناصرها، إذ مكّنت السكان من تحويل مياه السيول إلى الأراضي الزراعية، وإقامة واحات واسعة حول العاصمة السبئية.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن أعمال الري في وادي ذنة تعود إلى فترة أقدم من المنشآت الحجرية المعروفة؛ إذ توجد دلائل على أعمال مائية في المنطقة منذ بدايات الألف الثاني قبل الميلاد، بينما بدأ توثيق المنشآت المعمارية للسد في النقوش خلال القرن الثامن قبل الميلاد.
وبذلك فإن تاريخ السد لا يمكن اختزاله في سنة واحدة أو ملك واحد؛ فقد كان مشروعًا حضاريًا متطورًا شاركت في إنشائه وصيانته أجيال متعاقبة من حكام سبأ وحمير.
رَابِعًا: تاريخ البناء والبانون:
من الأخطاء الشائعة نسبة بناء سد مأرب كله إلى ملك واحد أو إلى شخصية أسطورية؛ فالدراسات الأثرية والنقوش تشير إلى مراحل متعددة من الإنشاء والتطوير والصيانة.
1- المرحلة السبئية الأُوْلَى:
تعود أقدم المراحل المعمارية الموثقة للسد إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت تطور الدولة السبئية وازدياد قدرتها على تنظيم الموارد الزراعية والمائية.
وقد أنشأ السبئيون منشآت حجرية وتحويلية في الوادي، ثم طوّروها تدريجيًا لتصبح شبكة ري واسعة تتصل بها قنوات رئيسية وفرعية.
2- المرحلة الحِمْيَرِيَّة:
بعد انتقال النفوذ السياسي في اليمن إلى الدولة الحميرية، استمرت أعمال صيانة السد وتجديد منشآته.
ومن أبرز الشواهد على هذه المرحلة ما توصل إليه الباحثون في المأخذ الشمالي من وجود منشأة أقدم يُرجح نسبتها إلى الملك الحميري شرحبيل يعفر، سنة 456م.
3- مرحلة الملك أبرهة:
تُعد سنة 548م من التواريخ المهمة في تاريخ السد؛ إذ تشير الدراسة الأثرية التي أجراها الباحث الألماني بوركهارد فوغت إلى أن المأخذ الشمالي في صورته المعمارية التي دُرست يرتبط بأعمال الملك أبرهة.
وقد كشفت الدراسات عن جدران وأحواض ومجرى تصريف ومنشآت مرتبطة بتنظيم حركة المياه، كما أظهرت أن المنشأة الحالية نتاج مراحل بناء وإصلاح سابقة.
النتيجة التاريخية: لا يصح القول إن أبرهة هو أول من بنى سد مأرب، وإنما الثابت أنه قام بأعمال بناء وتجديد مهمة في المأخذ الشمالي سنة 548م، ضمن تاريخ طويل من الإنشاءات والصيانة.
خَامِسًا: مراحل البناء والتطور الهندسي:
لم يظهر السد في صورته النهائية دفعة واحدة، بل مر بمراحل من التطور الهندسي، ويمكن تلخيصها فيما يأتي:
المرحلة الأولى: الحواجز البدائية:
بدأت أعمال تنظيم المياه بإقامة عتبات وحواجز من الأحجار والطين في مجرى الوادي، بهدف تقليل قوة السيول والتحكم في اتجاهها.
المرحلة الثانية: المنشآت التحويلية:
تطورت هذه الحواجز إلى منشآت أكثر انتظامًا، تمثلت في سدود تحويلية ومآخذ حجرية تسمح بتوجيه المياه إلى القنوات الزراعية.
المرحلة الثالثة: المنشآت الحجرية الكُبْرَى:
أُنشئت مآخذ مائية ضخمة في جانبي الوادي، واستُخدمت فيها كتل حجرية كبيرة جرى قطعها وتهذيبها ونقلها إلى مواقع البناء.
المرحلة الرابعة: التوسعة وَالإِصْلاح:
شهد السد أعمال صيانة وإعادة بناء متكررة، نتيجة السيول والترسبات والتغيرات التي أصابت منشآته عبر الزمن.
المرحلة الخامسة: التجديد الْحِمْيَرِيّ:
تضمنت هذه المرحلة أعمالًا إنشائية مهمة، من أبرزها أعمال شرحبيل يعفر سنة 456م وأعمال أبرهة سنة 548م.
سَادِسًا: الوصف المعماري العام للسد:
يختلف سد مأرب عن القلاع والحصون والقصور؛ فهو منشأة هندسية مائية واسعة، ولذلك لا يتكون من غرف وساحات داخلية بالمعنى المعماري المعتاد، بل من عناصر متخصصة في التحكم بالمياه.
وكانت المنظومة تتألف من:
- جسم السد والحاجز الترابي.
- المآخذ الحجرية الشمالية والجنوبية.
- قنوات التصريف.
- أحواض تهدئة المياه.
- المنشآت المساعدة لتوجيه السيول.
- القنوات الفرعية المتجهة إلى الأراضي الزراعية.
- سد الجفينة ضمن شبكة التحويل.
وتُظهر البقايا الأثرية مهارة السبئيين في اختيار الأحجار وقطعها وتهذيبها ونقلها، ثم تثبيتها في مواضعها باستخدام تقنيات بناء متقدمة بالنسبة إلى عصرها.
سَابِعًا: تفاصيل البناء من الداخل:
نظرًا إلى الطبيعة الهندسية للسد، فإن وصفه من الداخل يعني دراسة مكوناته الإنشائية والمائية، وليس وصف غرف أو قاعات داخلية.
1- المأخذ الشِّمَالِيّ:
يقع على الجانب الشمالي من وادي ذنة، ويُعد من أهم الأجزاء التي دُرست أثريًا.
وقد كشفت أعمال التنقيب عن جدران حجرية ومنشآت مرتبطة بتوجيه المياه، فضلًا عن أحواض وممرات مائية ساعدت في تنظيم تدفق السيول.
كما كشفت الدراسات عن مراحل إنشائية متعاقبة في المأخذ، وهو ما يوضح أن المنشأة الحالية تحمل آثار أعمال بناء وتجديد تعود إلى عصور مختلفة.
2- المأخذ الْجَنُوْبِيّ:
يقع على الجانب الآخر من الوادي، ويُعد من المنشآت الحجرية الكبيرة التي بقيت أجزاء مهمة منها ظاهرة.
وقد أدّى وظيفة أساسية في تحويل المياه إلى الأراضي الزراعية الواقعة في الجانب الجنوبي من الوادي.
3- جسم السد:
كان جسم السد يتكون من حاجز ترابي وحجري يمتد بين جانبي الوادي، وقد ورد في وصف منشآته التاريخية أن طوله كان يقارب 600 متر وارتفاعه نحو 16 مترًا.
وكانت وظيفته الأساسية تنظيم اندفاع المياه ورفع منسوبها بما يسمح بتوجيهها إلى المآخذ والقنوات.
4- أحواض تهدئة المياه:
تُعد أحواض التهدئة جزءًا مهمًا من هندسة السد؛ إذ تساعد على تخفيف سرعة المياه وتقليل تأثيرها المباشر في المنشآت الحجرية والقنوات.
وقد كشفت أعمال التنقيب الحديثة عن معلومات جديدة بشأن أحواض التهدئة والجدران والمنشآت المرتبطة بالمأخذ الشمالي.
5- القنوات الرئيسية والفرعية:
كانت المياه تنتقل من المآخذ إلى قنوات رئيسية، ثم تتوزع عبر قنوات فرعية على الحقول الزراعية.
وهذا النظام هو الذي جعل السد جزءًا من منظومة زراعية متكاملة، وليس مجرد حاجز مائي لتجميع السيول.
ثَامِنًا: الوصف الخارجي للسد:
تظهر بقايا السد القديم اليوم على هيئة منشآت حجرية ضخمة موزعة على جانبي وادي ذنة، وتبرز فيها الجدران والمآخذ المائية والكتل الحجرية التي كانت جزءًا من منظومة التحويل.
ومن أهم ملامحه الخارجية:
- جدران حجرية ضخمة.
- مآخذ مائية على جانبي الوادي.
- قنوات وممرات لتوجيه السيول.
- آثار الحاجز القديم.
- طبقات من الرواسب والطمي التي تراكمت بفعل الفيضانات.
- بقايا منشآت مرتبطة بشبكة الري الزراعي.
وتكشف هذه العناصر عن مستوى متقدم من المعرفة الهندسية؛ إذ لم يكن المطلوب مجرد حجز المياه، بل التحكم في سرعتها واتجاهها وتوزيعها، مع الحد من الأضرار التي قد تسببها السيول.
تَاسِعًا: نظام الرَّيّ والأراضي الزِّرَاعِيَّة:
كان الهدف الأساسي من السد هو إحياء الأراضي الزراعية المحيطة بمأرب، وتحويل السيول الموسمية إلى مورد اقتصادي مستمر.
وقد ساعدت شبكة الري على:
1- توجيه مياه السيول إلى الأراضي الزراعية.
2- توزيع المياه على الحقول شمال الوادي وجنوبه.
3- زيادة مساحة الأراضي القابلة للزراعة.
4- ترسيب الطمي الذي أسهم في تحسين خصوبة التربة.
5- دعم الاستقرار السكاني حول العاصمة السبئية.
6- توفير فائض زراعي ساعد على ازدهار التجارة والاقتصاد.
وتشير بعض التقديرات إلى أن منظومة الري كانت قادرة على خدمة مساحة تصل إلى نحو عشرة آلاف هكتار، وإن اختلفت التقديرات المنشورة بحسب طريقة احتساب الأراضي التي كانت تصل إليها المياه.
وقد ساعد هذا النظام على قيام واحة زراعية واسعة في منطقة مأرب، وهو ما جعل السد أحد أهم أسباب ازدهار المملكة السبئية.
عَاشِرًا: أعمال الترميم والإصلاح عبر العصور:
لم يكن سد مأرب منشأة ثابتة لا تتأثر بالعوامل الطبيعية، بل كان يحتاج إلى صيانة مستمرة بسبب السيول القوية والترسبات وتآكل بعض الأجزاء.
وتشير النقوش والدراسات إلى أن أعمال الإصلاح كانت تتكرر عبر العصور، ويمكن إبراز أهم مراحلها كالآتي:
1- الإصلاحات السبئية:
شهدت المراحل الأولى من السد أعمال توسعة وتجديد، تزامنت مع تطور الدولة السبئية واتساع النشاط الزراعي.
2- الإصلاحات الحِمْيَرِيَّة:
استمرت أعمال الصيانة خلال العصر الحميري، ومن أبرز الشواهد منشآت الملك شرحبيل يعفر سنة 456م.
3- أعمال أبرهة سنة 548م:
تُعد هذه المرحلة من أهم مراحل إعادة البناء الموثقة؛ إذ ارتبطت بالمنشآت القائمة في المأخذ الشمالي، وقد كشفت الدراسة الأثرية عن تفاصيل معمارية ساعدت على فهم مراحل تطور السد.
4- الإصلاحات المتكررة:
تؤكد النقوش أن صيانة السد كانت عملية مستمرة، وأن بعض الإصلاحات تطلبت جهودًا بشرية ومادية كبيرة، بما يدل على أهمية السد الاقتصادية والسياسية.
ولا ينبغي اعتماد رقم محدد لعدد مرات انهيار السد أو إصلاحه دون تحديد الدراسة التي أحصت تلك المرات؛ فبعض الكتابات الصحفية تذكر أعدادًا مختلفة، بينما تحتاج هذه المسألة إلى مقارنة النقوش والنتائج الأثرية.
الحادي عشر: انهيار سد مأرب ونهاية منظومته الْقَدِيْمَة:
تعرض السد عبر تاريخه إلى أضرار وانهيارات متكررة نتيجة قوة السيول وتراكم الرواسب والتغيرات التي أصابت منشآته.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الانهيار النهائي للمنظومة القديمة وقع خلال القرن السادس الميلادي، مع اختلاف في تحديد السنة الدقيقة والمرحلة التي توقفت فيها أعمال الري بصورة نهائية.
وقد أدى تراجع قدرة السد على تنظيم المياه إلى أضرار واسعة في النشاط الزراعي، وأسهم في إضعاف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في منطقة مأرب.
وقد ارتبط انهيار السد في الذاكرة العربية والإسلامية بقصة سيل العَرِم المذكورة في القرآن الكريم في سورة سبأ، لكن من المهم التمييز بين الروايات الدينية والتاريخية وبين التأريخ الأثري الدقيق لمراحل انهيار المنشأة.
الثاني عشر: سد مأرب القديم والسد الْحَدِيْث:
ينبغي عدم الخلط بين سد مأرب القديم والسد الحديث.
السد القديم: هو المنشأة السبئية التاريخية التي ارتبطت بمنظومة الري القديمة، وتنتشر بقاياها الأثرية في وادي ذنة، وتشمل المآخذ الشمالية والجنوبية وسد الجفينة.
السد الحديث: منشأة مائية معاصرة أُقيمت في وادي ذنة للاستفادة من مياه السيول وتخزينها لأغراض الري والتنمية الزراعية، وافتُتح في ثمانينيات القرن العشرين.
ويختلف السدان من حيث التصميم والمواد والوظيفة الهندسية المباشرة، لكنهما يلتقيان في الهدف الحضاري والاقتصادي المتمثل في الاستفادة من مياه الوادي وتنمية الزراعة في مأرب.
ومن المهم أن تُعرض صور السدين في الموسوعة بصورة منفصلة، حتى لا تختلط البقايا الأثرية بالمنشآت الحديثة.
الثالث عشر: الأضرار والحالة الراهنة:
تتعرض مواقع مأرب الأثرية لمخاطر متعددة، من بينها عوامل التعرية والسيول والإهمال والتوسع العمراني والظروف الأمنية.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو معالم مملكة سبأ في مأرب ضمن قائمة التراث العالمي سنة 2023م، وأدرجتها في الوقت نفسه على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
وتشمل هذه الممتلكات سبعة مواقع أثرية، من بينها أجزاء منظومة سد مأرب القديم.
كما أشارت اليونسكو إلى أن الحالة المادية لبعض مكونات الموقع ضعيفة، وأن الحرب والضغوط التنموية تشكل تهديدًا لسلامة الممتلكات وأصالتها.
وقد تعرضت بعض منشآت السد لأضرار خلال النزاع اليمني، الأمر الذي يجعل التوثيق والصيانة والحماية من الأولويات العاجلة.
الرابع عشر: الأهمية التاريخية والحضارية للسد:
تتجلى أهمية سد مأرب في عدة جوانب:
1- الأَهَمِّيَّة الهندسية:
يمثل نموذجًا متقدمًا للهندسة المائية في العالم القديم، ويكشف عن معرفة دقيقة بتنظيم السيول وبناء الحواجز والقنوات.
2- الأَهَمِّيَّة الزراعية:
أسهم في تحويل منطقة شبه جافة إلى واحة زراعية واسعة، ودعم إنتاج المحاصيل واستقرار السكان.
3- الأَهَمِّيَّة الاقْتِصَادِيَّة:
كان أساسًا من أسس الازدهار الاقتصادي لمملكة سبأ، التي ارتبطت بالتجارة والزراعة وطرق اللبان.
4- الأَهَمِّيَّة السِّيَاسِيَّة:
يدل على وجود إدارة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي وتعبئة الموارد البشرية والمادية لتنفيذ مشروع هندسي ضخم وصيانته.
5- الأَهَمِّيَّة الِاجْتِمَاعِيَّة:
ساعد على استقرار المجتمعات الزراعية، ونشوء تجمعات سكانية مرتبطة بالأرض والمياه.
6- الأَهَمِّيَّة التاريخية:
يمثل شاهدًا ماديًا على تطور الحضارة السبئية، وعلى استمرار الخبرة الهندسية اليمنية عبر مراحل سبئية وحميرية.
7- الأَهَمِّيَّة الْعَالَمِيَّة:
يُعد من أبرز الشواهد على قدرة المجتمعات القديمة على تطوير حلول هندسية للتكيف مع البيئات الجافة، وقد أدرج ضمن الممتلكات المرتبطة بمملكة سبأ على قائمة التراث العالمي.
الخامس عشر: القيمة السياحية والعلمية:
يمتلك سد مأرب القديم قيمة سياحية وعلمية كبيرة، فهو لا يقدم للزائر مشهدًا أثريًا فحسب، بل يتيح فهم العلاقة بين الجغرافيا والمياه والزراعة ونشوء الحضارات.
كما يمكن أن يكون موقعًا مهمًا للدراسات المتخصصة في:
- تاريخ هندسة الري.
- علم الآثار المائية.
- تاريخ الزراعة القديمة.
- النقوش السبئية والحميرية.
- تطور تقنيات البناء بالحجر.
- التغيرات البيئية والمناخية في جنوب الجزيرة العربية.
ومن شأن إعداد مسار أثري منظم يربط بين السد القديم ومدينة مأرب القديمة ومعبدي أوام وبرّان ومدينة صرواح أن يعزز القيمة العلمية والسياحية للمنطقة.
السادس عشر: مقترحات الحفاظ على السد:
للمحافظة على هذا الأثر الحضاري، أقترح ما يأتي:
1- إعداد مسح أثري وهندسي شامل لجميع مكونات السد.
2- توثيق المآخذ الشمالية والجنوبية وسد الجفينة تصويريًا وهندسيًا.
3- إجراء مسح ثلاثي الأبعاد للمنشآت الحجرية.
4- دراسة النقوش السبئية والحميرية المرتبطة بأعمال البناء والإصلاح.
5- توثيق الأضرار الناتجة عن السيول والحرب والعوامل الطبيعية.
6- ترميم الأجزاء المتضررة وفق المعايير العلمية لصون الآثار.
7- إنشاء قاعدة بيانات رقمية للنقوش والكتل الحجرية والعناصر المعمارية.
8- وضع لوحات تعريفية تشرح نظام الري القديم وآلية توزيع المياه.
9- حماية الموقع من العبث والنبش والتوسع العمراني غير المنضبط.
10- دعم التعاون بين الهيئة العامة للآثار والمتاحف والجامعات والبعثات الأثرية المتخصصة.
السابع عشر: الْخَاتِمَة:
إن سد مأرب القديم ليس مجرد منشأة مائية عابرة في تاريخ اليمن، بل هو واحد من أعظم الشواهد على عبقرية الإنسان اليمني القديم وقدرته على تطويع الطبيعة لخدمة الحياة والاستقرار.
فمن خلال هذا السد استطاع السبئيون تحويل مياه السيول الموسمية إلى مصدر للزراعة والازدهار، وإقامة واحة زراعية واسعة دعمت واحدة من أهم الممالك العربية القديمة.
وقد استمرت أعمال بنائه وتطويره وصيانته قرونًا طويلة، وتعاقبت عليه أجيال من الملوك والحكام، حتى أصبح رمزًا للحضارة السبئية وللتقدم الهندسي في جنوب الجزيرة العربية.
واليوم، فإن بقاياه ليست مجرد أحجار صامتة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ اليمن، تستحق التوثيق والحماية والدراسة، لتبقى شاهدًا على حضارة استطاعت أن تجعل من الماء أساسًا للعمران والازدهار.
المصادر والمراجع
– منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو): ملف «معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب»، موقع مركز التراث العالمي، رقم الملف 1700، 2023م.
– Burkhard Vogt: “Der aktuelle Forschungsstand zum Großen Damm von Marib, Jemen, nach der Winterkampagne 2005/2006”، مجلة Zeitschrift für Archäologie Außereuropäischer Kulturen، المجلد الثاني، ص 121–141.
– الهيئة العامة للترويج السياحي اليمنية: مادة «سد مأرب»، ضمن قسم السياحة التاريخية.
– محمد كريم إبراهيم الشمري: «سد مأرب القديم والجديد في اليمن: دراسة تاريخية»، مجلة آيسن للآثار والتاريخ واللغات القديمة، 2021م، ص 297–308.
– الجزيرة نت: «حضارة عريقة دمرها سد وشرد أهلها.. تعرف على معالم مملكة سبأ»، موسوعة الجزيرة، 5 فبراير 2023م.
– National Geographic: “Engineering Marvel of Queen of Sheba’s City Damaged in Airstrike”، 3 يونيو 2015م.
– ملف ترشيح معالم مملكة سبأ في مأرب لقائمة التراث العالمي: ويتضمن بيانات المكونات الأثرية ومنشآت سد مأرب ووصفها الهندسي.
ملاحظة توثيقية: لا يُنسب السد إلى بَانٍ واحد؛ فالمعطيات الأثرية تشير إلى تاريخ طويل من الإنشاء والتطوير. كما أن تاريخ 548م يرتبط بأعمال الملك أبرهة في المأخذ الشمالي، وليس بتاريخ تأسيس السد كله. أما الأبعاد والمساحات الواردة في بعض المراجع فهي تقديرات منشورة، وينبغي إسناد كل رقم إلى مصدره عند إعداد البطاقة الأثرية النهائية.
– أهم المراجع الإلكترونية
- اليونسكو: معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب — المرجع الأهم لتحديد القيمة العالمية للموقع ومكوناته وحالة الحماية.
- المعهد الألماني للآثار: أحدث نتائج دراسة سد مأرب الكبير — دراسة بوركهارد فوغت عن المأخذ الشمالي ومراحل بنائه وتجديده.
- الهيئة اليمنية للترويج السياحي: سد مأرب — وصف المآخذ الحجرية والحاجز والقنوات.
- الجزيرة: معالم مملكة سبأ وسد مأرب القديم — عرض تاريخي عربي لمنظومة الري ومراحل انهيارها.
* * *