رسالة اليمن الى العالم

آخر أوراق تحالف العدوان على اليمن

يمانيون../

لم تكن النوايا حسنة لقيادة تحالف العدوان على اليمن في سعيها للتهدئة مع صنعاء، وتقديم الهدنة كمبادرة أممية إنسانية، وليس كمصلحة للسعودية وتحالفها، ليتضح أنها مجرد تكتيك يوفر أجواء هادئة عسكرياً وسياسياً وإعلامياً لتحالف العدوان لتنفيذ ورقته الأخيرة المتمثلة في استضافة الرياض ما سُميت “مشاورات يمنية”، وتتويجها بإزاحة عبد ربه منصور هادي الذي من أجل ما تُسمى “إعادة شرعيته” شن التحالف عدوانه على اليمن واليوم يستبدله بما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي” الذي يضم أمراء الحرب من الأطراف والفصائل العسكرية الممولة من الرياض وأبوظبي كمحاولة أخيرة لتوحيد صفوف تلك الأطراف المتشظية وإظهارها بثقل أكبر في مواجهتها مع صنعاء التي بدورها لم تتردد في قبول الهدنة حرصاً منها على تخفيف حدة المعاناة الإنسانية لأبناء الشعب اليمني العزيز جراء استمرار الحصار غير المشروع، ويتضح حُسن نوايا صنعاء من خلال التزامها بالهدنة، رغم افتقارها للآليات التنفيذية والضمانات لإعادة فتح مطار صنعاء ودخول مشتقات الوقود إلى ميناء الحديدة، وفتح الطرق لمدينة تعز، وهو الأمر الذي مكن التحالف من التنصل والمماطلة في تنفيذ التزاماته في جانبها الإنساني، بالإضافة لخروقاته للهدنة في جانبها العسكري وعدم التزامه بوقف إطلاق النار.

بالقدر الذي مثلت فيه الهدنة مصلحة سعودية -إماراتية فقد مثلت أيضاً مصلحة أمريكية -غربية من خلال ضمان التزام قوات صنعاء بتنفيذ بنود الهدنة ومنها وقف استهداف العمقين السعودي والإماراتي ومصالحهما الحيوية في البر والبحر لاسيما المنشآت النفطية، وبالتالي ضمان عدم تفاقم أزمة إمدادات الطاقة وأسعارها عالمياً، لاسيما في ظل أزمة الطاقة التي تُعاني منها أوروبا جراء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا وإيقاف إمدادات الطاقة الروسية للدول الأوروبية التي تعتمد عليها بشكل كبير.

كما أن الدعم الأمريكي للتهدئة في اليمن وإمكانية التوجه نحو تمديد الهدنة يرتبط بحالة التوتر والاستنفار للتحالف الأمريكي ضد روسيا الأمر الذي يستحوذ على كل اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى محاولات إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تجاوز حالة الفتور في علاقاتها مع السعودية والإمارات، والتجاوب مع تزايد المخاوف العسكرية والأمنية لكلا البلدين جراء تعرضهما لعدد من الضربات العسكرية النوعية التي قامت بها قوات صنعاء مؤخراً.

لم تُحقق الهدنة أغلب بنودها المُعلنة، فقد كانت بالنسبة لتحالف العدوان مجرد حاجة لتمرير بعض أهدافه العسكرية والسياسية، بالإضافة لتضليل المجتمع الدولي عبر استخدام الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن هانس غروندبرغ، فيما حقيقة الأمر تؤكد مجدداً عدم الاكتراث لما يتسبب به الحصار المستمر من تفاقم لمعاناة الشعب اليمني العزيز، فيما اختزل الجانب الإنساني موقف صنعاء وقبولها بالهدنة، مع إظهارها لحُسن نواياها المصحوبة بالإرادة المتوجهة نحو إحلال السلام العادل والشامل، حيث قامت صنعاء من جانب واحد بالإفراج عن الطاقم الأجنبي للسفينة الإماراتية “روابي” التي احتجزتها أثناء قيامها بأعمال عدائية داخل المياه الإقليمية اليمنية، وقامت بمصادرة شحنتها العسكرية، فيما استمرت قيادة تحالف العدوان بالخداع والتضليل من خلال استخدام الصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة في تمرير ادعاءاته بالإفراج عن 163 من أسرى الجيش واللجان الشعبية لصنعاء، ليتضح للصليب الأحمر الدولي أن المفرج عنهم هم من المواطنين المحتجزين والمختطفين من قبل السعودية ولا ينطبق عليهم وصف أسرى حرب وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وبأن عددهم 117 شخصا، خمسة منهم أسرى يتبعون “قوات صنعاء”.

حتمية فشل ما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي”

إن ما تُعانيه قيادات الأطراف المكونة لما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي” ليس ضعفاً ناجماً عن محدودية الإمكانيات المادية والبشرية، بل هو ضعف في القيم والمبادئ والولاء للوطن، فهم كأشخاص مُثقلون بإرث الفشل ويتعاملون بندية في ما بينهم، وفي إطار الأطراف التي ينتمون إليها والقضية التي يدعون النضال من أجلها لا يملكون القرار، ويُملى عليهم ما يفعلون، كما أن لديهم ثارات بينية، وحسابات ومصالح متناقضة، ولا يجمعهم شيء سوى الممول السعودي -الإماراتي الذي يُحاول خلق وفرض روابط مصيرية مشتركة لكل أطراف المجلس ومصالحها التي لن تتحقق إلا عبر صنعاء حرباً أو سلماً.

الدعم المالي والعسكري السعودي -الإماراتي المقدم للمجلس لا يقل أهمية عن الدعم السياسي الأمريكي -البريطاني من خلال طرح فكرة المجلس ودفع الأطراف التي تملك السلاح لتوحيد صفوفها والعمل في إطار المجلس، كما وصل مستوى الدعم لهذا المجلس لدرجة أصبحت فيها بريطانيا حاملة قلم اليمن في مجلس الأمن الدولي جاهزة بمسودة قرار أممي جديد بدلاً عن القرار رقم (2216)، لكنها تنتظر اتضاح الصورة للمجلس، راجيةً أن يُقدم أي مؤشرات نجاح في عمله عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على حساب صنعاء من أجل عكسها في القرار الأممي الجديد بما يُعزز مواقف تلك الأطراف المكونة للمجلس.

لا يُمكن توحيد صفوف من بلغ في الفشل عتياً ليُقدم نموذجاً ناجحاً وإن قُدم له كل أنواع الدعم، لذا فواقع التشظي والإنهاك والارتماء للأطراف المكونة للمجلس مؤشر على صعوبة عملها بانسجام وإدارتها للمناطق التي تدعي أنها تحت سيطرتها، ناهيك عن قدرتها على تحقيق نجاح عسكري، كما أن تعارض توجهات ومصالح الأطراف المكونة للمجلس تحد من فرص استمراره المرتبطة أيضاً بمصالح الممول السعودي -الإماراتي وبالعلاقة الطردية بين المجلس والممول والتي يحكمها مستوى الفشل أو النجاح للمجلس، حيث يؤسس فشل المجلس للتخلي عنه، فيما يؤسس النجاح لعلاقات وثيقة بين الطرفين، بالإضافة إلى ذلك فأي خلافات سعودية -إماراتية ذات صلة باليمن أو حتى على مستوى العلاقات الثنائية ستنعكس سلباً على المجلس وبقائه.

قد يكون تحالف العدوان نجح في تنفيذ ورقته الأخيرة في جانبها الإجرائي الشكلي من خلال مشاورات الرياض وتشكيل ما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي” مع توفير دعم مالي واعتراف سياسي دولي للمجلس رغم عدم شرعيته، ومع ذلك فالمجلس يبدو أنه سيكون المسمار الأخير في نعش ما تُسمى “الشرعية” ومن يحتضنها، وما على المشككين إلا انتظار حالة الاحتقان والصراع العلني بين أطراف ذلك المجلس الذي ستكون فيه الأطراف المحسوبة على الشمال هي الخاسر الأكبر.

المعطيات السابقة، وما فرضته صنعاء من واقع جديد لاسيما حفاظها على تفوقها الميداني عسكرياً، مع أفضلية في الجانب الأمني والاقتصادي تجعل ذلك المجلس كورقة أخيرة متأخرة تفقد جدواها، بل يمكن النظر إليها كخطوة للوراء تُقر بالفشل العلني للسعودية والإمارات، وأدواتهما الأمر الذي يُعزز مكاسب صنعاء، وإن كان بذات القدر يُشرعن ويُسرع من التوجهات الانفصالية.

ختاماً، على صنعاء في تعاطيها مع الدعوات الدولية لإحلال السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة أن تستحضر رصيد المكاسب التي حققتها والتضحيات التي قدمتها، فالقبول بمفاوضات مع الأدوات في المجلس المزعوم لا بد أن يكون مدروسا بعناية كونه تنازلا يمنح الحياة لمجلس أغلب أطرافه لاتزال متمسكة بخيار الحرب رغم أنها في حالة احتضار بعد أن فشلت وفقدت كل أوراقها لتصبح اليوم مُجتمعةً مجرد ورقة أخيرة بيد المشغل الذي لا يقل فشلاً عن أدواته، فبعد سبع سنوات من العدوان على اليمن استنفدت فيها الرياض كل أوراقها وحلفائها وأدواتها أصبحت المملكة ومصالحها الحيوية في حالة انكشاف وفي مرمى استهداف “قوات صنعاء”، لذا على الرياض اليوم الإقرار بأن التوجه نحو صنعاء هو أقصر الطرق، وأكثرها ضماناً لتأمين مصالحها ومعالجة هواجسها ومخاوفها لاسيما الأمنية منها.

*السفير محمد السادة – رئيس دائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية بوزارة الخارجية اليمنية في صنعاء

قد يعجبك ايضا