رسالة اليمن الى العالم

خمس سنوات لمحمد بن سلمان في ولاية العهد.. ماذا حدث؟

يمانيون../

تسلّم محمد بن سلمان في 11 حزيران/يونيو 2017 منصب “ولي العهد”، خلفاً لمحمد بن نايف آل سعود، ليصبح بذلك أحد أبرز صنّاع القرار في السعودية. ومنذ ذلك الوقت، شهدت السعودية تحولات كثيرة على مستويات متعددة، دينية واقتصادية، وأيضاً في تفاصيل العلاقات الداخلية في العائلة.

عملَ ابن سلمان على مدى السنوات الأخيرة لتمهيد الطريق إلى العرش، واتبع سياسة “الانفتاح” في المجتمع السعودي، من خلال وسائل لم تكن مألوفة من قبل في المملكة التي يوصف نظام الحكم فيها بـ”المتشدد”، إذ غيّر طبيعة الحكم وأساسيات المجتمع إلى حد كبير.

على صعيد المجتمع، شهدت السنوات الخمس الماضية تغييرات نوعية، إذ سُمح بفتح دورٍ للسينما وإقامة الحفلات الغنائية. وقد استقطبت المملكة فنانين من جميع أنحاء العالم، أقاموا حفلات غنائية على أرض المملكة للمرة الأولى، بهدف كسب جمهور شبابي داخلي، تمهيداً للتغيير الذي يسعى إليه ابن سلمان، إضافة إلى منح المرأة صلاحيات جديدة وفتح المجال أمامها للاختلاط الذي كان محرماً سابقاً.

تجاوزت التغييرات الاجتماعية حدود المتعارف، وصولاً إلى السماح باستضافة مهرجانات وحفلات تنكرية وممثلي أفلام إباحية، ما أثار جدلاً، داخلياً وخارجياً، حول الهدف من هذه التغييرات التي عملت بمنطق عقيدة الصدمة.

مرحلة جديدة مع الوهابية

قامت الدولة السعودية تاريخياً على ركائز أساسية ثلاث، هي الوهابية والعشيرة والنفط. يرى محللون أن سياسات ابن سلمان أدّت في نهاية المطاف إلى خلخلة الأضلاع الثلاثة التي مثلت الدعائم التاريخية للدولة.

ظهر تهميش ابن سلمان للحركة الدينية من خلال إجراءات عديدة، منها تقييد دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت “جهاز شرطة دينية” في البلاد، وصار انتشار عناصرها محدوداً، بل حتّى معدوماً، إضافة إلى إقصاء الطبقة المتشددة التي رعت حالة ما قبل الانفتاح. تكيّفت كوادر هذه الحركة سريعاً مع التوجه الجديد للدولة، واجتهدت في إصدار الفتاوى والتوجيهات الممتثلة له، والتي ناقضت، في محطات كثيرة، النسخ السابقة للتوجه السابق.

لمح ولي العهد السعودي في مقابلته المثيرة للجدل مع مجلة “ذي أتلانتيك” الأميركية إلى مضي المملكة قدماً في التخلي تدريجياً عن نهجها الديني المتبع منذ عقود، وهمّش دور محمد بن عبد الوهاب، الذي كان يُنظر إليه على أنه شريك في قيام السعودية، ووصفه بأنه “داعية فقط” من الدعاة الذين عملوا برفقة السياسيين والعسكريين في السعودية.

وتحدث ابن سلمان أيضاً بوضوح عن تهميش دور هيئة كبار العلماء في اتخاذ القرارات المصيرية التي تحتاج إلى شرعنة فقهية لها، وقال إن “الشريعة تنص على أن رأس المؤسسة الإسلامية هو الحاكم وليس المفتي”، مضيفاً أن وظيفة الإفتاء والعلماء هي “تقديم المشورة للملك”، وأنّ كلمة الفصل في أي أمر تعود إلى الملك فقط.

يرى محللون أن المواجهة التي بدأها ابن سلمان مع الحركة الدينية لم تكن انطلاقاً من ركب قطار “الحداثة”، ولا قلقاً من الحركة الدينية التي أصدرت لحساب العائلة الحاكمة الفتاوى التي طلبتها، إنّما لتهيئة الأرضية الاجتماعية المناسبة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إرضاءً للأميركي.

تفكك داخل العائلة وشرخ في البيت الخليجي

يقول مراقبون إنّ من المتوقع أن محمد بن سلمان هو من “سيعجّل نهاية حكم العائلة وإسقاط عرشها” الذي امتد لما يقارب 100 عام، بسبب سياسته التي “خالفت ما كان عليه أسلافه من قبل على المستويين الداخلي والخارجي”، إذ إنه فكّك أي لحمة ممكنة داخل عائلة آل سعود، التي عانت أساساً محطات خلاف داخلية، ولكن ولي العهد الحالي أخذها إلى موجة عالية محتملة من الانقلابات والانقلابات المضادة وغيرها.

وكانت حملة الاعتقالات التي شنها محمد بن سلمان في السنوات الأخيرة، التي شملت عمه أحمد بن عبد العزيز وابن عمه محمد بن نايف وأمراء آخرين، من ضمنهم سعود بن نايف وابنه عبد العزيز، بتهمة التآمر ضده، سبباً في إعادة تفعيل النقاشات المتعلقة بمستقبل الاستقرار في البلاد ومصير حكم آل سعود، إذ يشكل اعتقال كبار أمراء العائلة المالكة إشارةً جديدة إلى إحكام محمد بن سلمان سيطرته على السلطة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن الأسرة الحاكمة تشهد تصدُّعاً خطراً في أركانها، بحسب موقع “Responsible Statecraft” الأميركي.

تقول الكاتبة السعودية المعارضة، مضاوي الرشيد، في مقال في موقع “ميدل إيست آي”، إنّ “خلافات داخل العائلة الملكية قد تحول دون وصول محمد بن سلمان إلى العرش”.

وفي الإطار الأوسع، تشعبت الشروخ وصولاً إلى البيت الخليجي، ومن ذلك اضطراب العلاقة مع قطر؛ ففي 5 حزيران/يونيو 2017، قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بتهمة “دعم الإرهاب”، وأغلقت كل المنافذ الجوية والبحرية والبرية معها، في أسوأ أزمة منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981.

طبعاً، تعرض بن سلمان ومن يدعمه حينها لحملة واسعة من الانتقادات، وتحدثت صحف أجنبية عن تحريض يقوم به ولي العهد من أجل “إطاحة النظام القطري”، ولم تحل الأزمة الدبلوماسية إلا في العام 2021.

التشجيع على التطبيع

حين بدأت بوادر التطبيع العلني بين الإمارات والكيان الإسرائيلي في أوائل عام 2019، وما تلاها من توقيع “اتفاقيات أبراهام” التطبيعية، بدأ الإعلام الإسرائيلي يكشف الكثير عن العلاقات الوطيدة مع رجال أعمال وقادة سعوديين، وصولاً إلى زيارة رئيس وزراء الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو إلى السعودية ولقائه ولي العهد السعودي، بحضور وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو، إضافةً إلى الإجراءات المشددة التي قام بها نتنياهو للحفاظ على سرية الزيارة.

ولم يقف التطبيع السعودي عند هذا الحد، بل إنّ السلطات السعودية سمحت بفتح المجال الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية، وصدقت على مرور أول رحلة تجارية إسرائيلية إلى دبي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2020، إذ أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أنّ “السعودية وافقت على أن تجري الرحلة التجارية الأولى في التاريخ من إسرائيل إلى الإمارات عبر أجواء المملكة”.

قال السفير الأميركي لدى الاحتلال الإسرائيلي حينها، دافيد فريدمان، إنّ “السعوديين ساهموا كثيراً في مسألة التطبيع مع إسرائيل، وتقدموا بخطوات هائلة في هذا الشأن”، وأضاف: “السعودية ستستمر في إقامة علاقات مع إسرائيل تحت الطاولة”.

وسيؤدي سلوك السعودية في خطواتها نحو التطبيع العلني إلى كشف الكثير من العلاقات السعودية الإسرائيلية منذ نشأة الكيانين في نجد والحجاز وفلسطين.

أسس محمد بن سلمان خطاباً سعودياً أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالموقف من فلسطين. وقد ظهر ذلك في التصريحات السعودية الرسمية على امتداد سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب و”صفقة القرن”، الأمر الذي باعد المسافة بين شعوب المنطقة ونظام الحكم في السعودية من جهة، ووضع السعودية في خانة المطبّع المستتر من جهة أخرى.

هذا المسار المتسارع نحو التطبيع ترافق مع تراجع سعودي واضح في دعم القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وفي انتقاد مقاومتهم أيضاً، واعتقال أعضاء بارزين فيها، وخصوصاً محمد الخضري (ممثل حماس في السعودية) ونجله، إضافة إلى عشرات المعتقلين الآخرين، الذين يقبعون في السجون من دون محاكمة أو تهمة واضحة، وهو ما دانته حركة حماس مراراً، ودعت إلى الإفراج عنهم.

فساد متزايد وقمع مستشرٍ

ازدادت الحملات في السعودية لاعتقال عدد كبير من الكتاب والصحافيين والاقتصاديين والعلماء ونشطاء حقوق الإنسان. وقد شمل ذلك الرجال والنساء من دون تمييز، ناهيك بالإخفاء القسري لبعض المعتقلين، والتحرش الجنسي الذي طاول الناشطات، ووصل الأمر إلى تهديد بعضهن بالاغتصاب والقتل، على لسان سعود القحطاني مستشار بن سلمان.

ارتفعت مؤشرات الفساد، ورافق ذلك تدهور كبير في حقوق الإنسان، إضافة إلى المحاكمات غير العادلة، والقتل خارج نطاق القضاء، والقتل بطريقة غير مباشرة عبر الإهمال الصحي للمعتقلين، والتعذيب الشديد، والإعدامات الجماعية التي ارتفعت أعدادها أيضاً.

على المستوى الاقتصادي، فُرضت الضرائب، وقُلِّصت الرواتب، وزادت رسوم استهلاك الخدمات العامة، واختفت أموال طائلة من خزينة الدولة، الأمر الذي زاد من احتقان الشعب الذي تمنعه قبضة القوة الأمنية من التحرك.

كانت فضيحة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا “ضربة موجعة” لابن سلمان. وقد استخدمت بعض الدول، ومن بينها تركيا والولايات المتحدة الأميركية، ملف خاشقجي من أجل الضغط على السعودية سياسياً وأمنياً في المنطقة.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن محمد بن سلمان أقرّ حملة أمنية سرية لتكميم أفواه المعارضين قبل عام من مقتل خاشقجي. وشملت الحملة عمليات مراقبة وخطف واعتقال وتعذيب للسعوديين، وفق ما أفاد التقرير، نقلاً عن مسؤولين أميركيين اطلعوا على تقارير استخباراتية سريّة تتعلق بالحملة المفترضة.

يعتبر محللون أن السعودية أجادت كثيراً تورية محطات من التطبيع والجريمة، إلا أن ابن سلمان قد ينثرها جميعاً في الهواء الطلق، وربما تكون معها الدولة السعودية التي نعرفها.

قد يعجبك ايضا