في صراع لا يقبل الحياد .. الاستعداد لجولة حتمية مع العدو يصل ذروته
ليس الاستعداد في اليمن لجولة جديدة من الصراع مع العدو موقفاً سياسياً، ولا النفير ردّة فعل ظرفية، بل حالة شاملة تُعبّر عن وعي إيماني وتاريخي بطبيعة الصراع وحدوده ومآلاته، نحن أمام مشروع قرآني في بلد أعاد تعريف موقعه، كفاعل قرر كسر معادلات الهيمنة، ومواجهة مشروع صهيوأمريكي يرى في المنطقة ساحة مفتوحة للسيطرة والاستباحة، ومن النفير الشعبي والقبلي المستمر، إلى الخطاب الرسمي المتقدّم، مروراً بتراكم الإنجازات في الجهوزية والردع، وصولاً إلى تأكيد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله على حتمية الجولة القادمة، تتكامل عناصر مشهد واحد، أن الصراع ليس خياراً يمكن تفاديه، بل نتيجة حتمية لطبيعة مشروع هيمنة قائم على العدوان، وفي هذا السياق، فإن الاستعداد فعل وعي وسيادة، وثقافة صمود طويلة الأمد، فطالما بقي المشروع الصهيوأمريكي قائماً، فإن الاستقرار سيظل وهماً، والمواجهة ستبقى قانوناً يحكم المنطقة، ومن هنا، يدخل اليمن هذه المرحلة بمنطق التحضير لمعركة وجود، عنوانها : (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))
يمانيون/ تقرير / طارق الحمامي
الاستعداد الرسمي .. تحول الدولة إلى مشروع مواجهة
يتجاوز المستوى الرسمي في صنعاء منطق الدولة التقليدية التي تبحث عن تسويات مؤقتة، ليتحوّل إلى قيادة سياسية لمشروع صدامي سيادي، لقد غادرت اللغة الرسمية مربع الشكوى، ودخلت مربع التحدي، في تعبير واضح عن القطيعة مع مرحلة إدارة الأزمة، والانتقال إلى مرحلة فرض المعادلة، ويحمل هذا التحول دلالات عميقة أهمها تفكيك نموذج الدولة الوظيفية التي خُصص لها تاريخياً حماية مصالح دول العدوان، وإعادة تعريف السيادة كفعل مقاومة مستمرة، وكذلك نقل الصراع مع العدو إلى قلب المعادلة الإقليمية.
تحوّل الوعي الشعبي إلى جبهة
في الشارع اليمني، يتجسد النفير بوصفه تعبئة للوعي قبل أي شيء آخر. فالجماهير التي تُستنهض اليوم تمثل طرفاً في صراع وجودي ممتد، سنوات العدوان والحصار لم تنتج فقط دماراً مادياً، بل راكمت وعياً جمعياً يرى في ما يجري استهدافاً للكرامة والهوية والمصير، هذا النفير الشعبي يقوم على ثلاث ركائز أساسية، إعادة شحن الذاكرة الجمعية بالمظلومية بوصفها دافعاً للفعل، ودمج القضايا الكبرى، وعلى رأسها فلسطين، في الوعي اليمني، تحويل الصراع من حدث سياسي إلى معركة هوية ومعنى، وهنا تكمن قوته ، فحين يصبح الصراع جزءاً من تعريف الذات، تتحول القدرة على الصمود إلى فعل ثقافي طويل الأمد.
القبيلة .. استعادة الجذر الاجتماعي للثورة
عودة القبيلة إلى واجهة النفير تمثل استدعاءً واعياً لأعمق بنية اجتماعية قادرة على التعبئة والصمود، فالقبيلة في اليمن نظام قيم متكامل من النخوة، والالتزام، والحماية، والولاء الجمعي، وفي هذا السياق، تتحول القبيلة إلى رافعة اجتماعية تمنح مشروع المواجهة شرعية متجذرة، ويُعاد توظيف العرف القبلي في خدمة خطاب سياسي ثوري جامع، ليتشكل عمق اجتماعي يصعب تفكيكه عبر الأدوات التقليدية للحرب الناعمة.
تصاعد الاستعداد شواهد لواقع مستمر
لا يقف الحديث عن الجولة القادمة عند حدود الخطاب، بل تسنده شواهد متراكمة لتصاعد الاستعداد على الأرض، شعبياً وقبلياً وعسكرياً، فالنفير في اليمن لم يعد إعلان نوايا، بل حالة مستمرة، تُعاد إنتاجها اجتماعياً وإعلامياً، وتُقدَّم كجزء من الحياة العامة، تتمثل أولى هذه الشواهد في استمرارية النفير الشعبي والقبلي المسلح، كحالة تعبئة طويلة الأمد. تحليلياً، يعكس ذلك، انتقال المجتمع من منطق رد الفعل إلى منطق الجهوزية، من خلال ترسيخ فكرة أن الصراع مصيري وليس عابر، وبناء مناعة نفسية مبنية على الارتباط بالمنهج القرآني تقلل عنصر المفاجأة في أي تصعيد، وتبقي الشعب اليمني في حالة جهوزية عالية، وإلى جانب التعبئة المستمرة، فقد كان امتلاك سلاح الردع والجاهزية القتالية هو أحد أبرز مخرجات هذه المرحلة، وأهمية ذلك تكمن في كسر صورة العجز التي كانت مفروضة على اليمن، بسبب ارتهان الأنظمة السابقة لوصاية العدو، وتحويل الصمود في مواجهة العدو إلى عامل بناء قدرات متطورة، كما أن اتساع دائرة الأنشطة الشعبية المرتبطة بالاستعداد، من أبرز الشواهد أيضاً ، والتي تُقدَّم كتهيئة نفسية ومعنوية للصمود، وهذه الأنشطة تؤدي وظيفة مركزية، وهي دمج المجتمع في معادلة المواجهة.
حتمية الجولة القادمة
في قلب هذا المشهد، يبرز تأكيد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله على حتمية الجولة القادمة بوصفه تشخيصاً بنيوياً لطبيعة الصراع، لا خطاباً عاطفياً، فهذه الرؤية تنطلق من فهم عميق للمشروع الصهيوأمريكي بوصفه مشروعاً قائماً على التوسع والاستباحة للأمة ، ووفق ذلك، فإن الجولة القادمة من المواجهة مع العدو نتيجة حتمية طالما، بقي المشروع الصهيوني قائماً بوظيفته العدوانية، وظل الدعم الأمريكي المطلق هو الضامن لاستمراره، وإذا استمرت إرادة الهيمنة في التحكم بمصائر المنطقة، ويكفي أن توجه النظرة إلى الأحداث في جنوب الوطن ليتأكد أن تحذير السيد القائد هو استشراف قائد يرى بنور الله وأنه خير من يحمل الراية وينتصر لدين الله ويحفظ للأمة كرامتها وعزتها واستقلالها .
كشف وهم السلام
يفضح السيد القائد وهم السلام المزيّف الذي رُوّج له طويلاً، من قبل العدو ، فالسلام ليس اتفاقيات تُفرض بالقوة، بل ثمرة عدالة، وطالما بقي الاحتلال قائماً، والقرار الإقليمي مرتهناً، فإن الاستقرار سيبقى وهماً مؤجلاً، ومن هنا، تتحول الحتمية إلى أداة وعي استراتيجي، وبوصلة لتفسير الأحداث، وإطار نفسي وسياسي لصناعة الصمود.
اليمن يخوض معركة الوجود
يتموضع اليمن كـطرف أصيل في معركة وجود واحدة، ويربط النفير بالهوية والمصير، فهو لا ينتظر نهاية الصراع، بل يتهيأ له بوصفه مساراً مفتوحاً، في المحصلة، فإن ما يعلنه اليمن اليوم هو ثورة إرادة ووعي، والنفير الشامل هو استعادة زمام المصير في عالم لا يعترف إلا بالقوة والمعادلة، وفعلاً تحررياً يعيد اليمن إلى موقعه الطبيعي، ليؤكد بثبات وقوة وعنفوان أن اليمن خرج من خانة الانتظار، وحسم خياره في أن يكون جزءاً من صناعة الحدث، وفي صراعات من هذا النوع، يكون الوعي قبل السلاح هو الجبهة الأولى، وهو المعركة الأطول.