أمريكا واحتلال الثروات.. كيف تبني الولايات المتحدة اقتصادها على حساب الشعوب؟

يمانيون | تحليل

لطالما كانت الولايات المتحدة الأمريكية في طليعة القوى الاستعمارية الحديثة، التي لم تتوقف أطماعها في السيطرة على الثروات الطبيعية، سواء أكان ذلك عبر التدخل العسكري المباشر أو من خلال دعم أنظمة سياسية تابعة لها، وعليه فإن فنزولا، التي تعد من أغنى دول العالم من حيث احتياطي النفط، ليست إلا حلقة جديدة في سلسلة استهداف هذه القوى للدول الغنية بالموارد.

إنها ليست المرة الأولى التي تندفع فيها واشنطن للسيطرة على دولة ذات ثروات هائلة، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة.

من فنزولا إلى اليمن، مرورًا بالعراق وليبيا وأفغانستان، يبدو أن الولايات المتحدة قد أعدت نفسها للسيطرة على مناطق استراتيجية وثرية بالنفط والغاز والمعادن، وفي ذلك انعكاس لتاريخ طويل من التدخلات والتوسع الاستعماري الذي نشأ في الغرب مع بدايات النظام الرأسمالي.

ما يميز هذا العصر هو الأساليب الحديثة في هذه الهيمنة، والتي غالبًا ما يتم تبريرها باستخدام آليات سياسية أو أيديولوجية

تاريخ الغرب الاستعماري.. اقتصاد النهب كما هو

لم يكن الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين مجرد مسألة توسيع جغرافي، بل كان يعبر عن هيمنة اقتصادية فادحة، حيث اعتمدت القوى الاستعمارية الكبرى على نهب موارد المستعمرات لتغذية آلتها الرأسمالية.

النفط كان في طليعة هذه الموارد، ومنذ اكتشافه، تسابق الغرب للاستيلاء على أكبر حصص منه، مما عزز من مكانة النفط كمصدر رئيسي للطاقة، والذي بات يدير الاقتصاد العالمي ويحدد موازين القوة.

خلال هذه الحقبة، برزت أمريكا كداعم رئيسي لما يُعرف بالنظام الدولي الرأسمالي، الذي استمر في تجميع الثروات عبر استغلال شعوب الدول النامية، ما جعلها تشكل تهديدًا لجميع الدول التي تمتلك موارد طبيعية يمكن أن تسهم في استقرارها الاقتصادي.

إن الأطماع في هذه الموارد لم تكن يومًا مجرد نزوة اقتصادية، بل استراتيجية سياسية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق تفوق دائم على المنافسين.

فنزولا.. النفط كما لم يُرَ من قبل

في هذا السياق، تأتي فنزولا اليوم على رأس قائمة الدول المستهدفة من قبل الولايات المتحدة.

أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، جعل فنزولا محل أطماع الولايات المتحدة التي لا تطيق رؤية دولة قادرة على إدارة ثرواتها الوطنية بكرامة واستقلال.

فعلى الرغم من كونها دولة غنية، فإن فنزولا تواجه صعوبات اقتصادية خانقة بسبب الحصار الأمريكي، والضغط السياسي، والتدخلات الدبلوماسية.

لكن النفط ليس العامل الوحيد الذي يدفع واشنطن للاستهداف. إذ أن فنزولا تمثل موقعًا استراتيجيًا في أمريكا اللاتينية، المنطقة التي كانت دائمًا تحت التأثير الأمريكي، والتي لا يمكن للولايات المتحدة السماح لأي دولة بأن تتطور أو تقاوم هيمنتها.

التدخل في فنزولا هو استمرارية لمخطط طويل المدى لحرمان أمريكا اللاتينية من الحرية السياسية والاقتصادية.

الأهداف الاقتصادية والجيواستراتيجية: من أفغانستان إلى ليبيا

إن فشل الولايات المتحدة في تحقيق استراتيجياتها في فنزولا يتكرر في العديد من البلدان التي تمتلك موارد ضخمة، حيث أن كل تدخل أمريكي في هذه الدول، من العراق إلى أفغانستان وصولاً إلى ليبيا، كان دافعًا رئيسيًا لاستحواذ واشنطن على تلك الثروات.

في أفغانستان، على سبيل المثال، ثروات طبيعية هائلة لم تُستغل قبل التدخل الأمريكي، من النحاس إلى الليثيوم، والمعادن النادرة التي تلعب دورًا حيويًا في الصناعة التكنولوجية الحديثة.

فالتقديرات تشير إلى أن أفغانستان تحتوي على ستين مليون طن من النحاس، واثنين فاصلة اثنين مليار طن من خام الحديد، إلى جانب ثروات من المعادن النادرة التي لا مثيل لها في العالم.

ليبيا أيضًا لم تكن هدفًا للعدوان الأمريكي بسبب اختلافات سياسية أو أيديولوجية، بل بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية المدهشة، من احتياطي النفط الصخري الذي يضعها في المرتبة الخامسة عالميًا، إلى احتياطيات الغاز الطبيعي وخام الحديد، إضافة إلى معادن نادرة تُستخدم في الصناعات التكنولوجية المتطورة.

اليمن.. الدرس الذي يُعلّم العالم

لكن القضية التي تجعل اليمن تتفرد عن باقي الدول هي أنها لم تذعن لهيمنة واشنطن، بل استطاعت فرض معادلة جديدة أثبتت من خلالها أن الشعب اليمني قد أصبح نموذجًا للقوة في مواجهة الغزو.

فعلى الرغم من كل محاولات التدخل الأمريكي المباشر، من خلال الحصار و العدوان العسكري، إلا أن اليمن أثبت أنه لا يمكن انتزاع الثروات الوطنية بالقوة.

اليمن، الذي يمتلك موقعًا استراتيجيًا على باب المندب و البحر الأحمر، يمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز، وهو ما جعلها في مرمى الأطماع الأمريكية والغربية.

لكن صمود الشعب اليمني ورفضه للعدوان أظهر أن الحرب العسكرية ضد الدول الغنية بالموارد قد لا تؤدي دائمًا إلى النتيجة المتوقعة، بل قد تعيد التفكير في استراتيجيات الهيمنة.

دروس مستفادة.. نحو استراتيجية مقاومة عالمية

إن استهداف فنزولا اليوم هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من التدخلات، والتي تهدف إلى السيطرة على الثروات و إحكام القبضة على الدول الغنية بالموارد.

لكن الدروس المستفادة من هذا التاريخ الحافل بالتدخلات الأمريكية تشير إلى أن القوة العسكرية لا تضمن الهيمنة دائمًا، وأن المقاومة الشعبية و التمسك بالاستقلال قد يكونا السبيل الوحيد لصد هذه الأطماع.

اليوم، قد يكون اليمن هو المثل الحي على قدرة الشعوب على تحدي القوى الكبرى. واليوم، على العالم أن يتعلم من هذا الدرس، بأن الاستعمار الحديث قد يغير استراتيجياته، لكن النتيجة تظل واحدة: النهب والسيطرة.

فهل يتعلم العالم من تجربة اليمن؟ وهل سيتحرك للتحرر من الهيمنة الاقتصادية الغربية؟

 

You might also like