من “الفناء” إلى “الفوز العظيم”.. قراءة في كتاب “ثقافة الشهادة في المفهوم القرآني”
يمانيون| محسن علي
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الفتن وتتعدد فيه رايات الصراع، يأتي كتاب “ثقافة الشهادة في المفهوم القرآني” كمنارة فكرية تسعى لإنارة الدرب وتأصيل واحد من أكثر المفاهيم حساسية وعمقاً في الوجدان الإسلامي، كما يغوص في أعماق النص القرآني ليقدم رؤية متكاملة تجعل من “الشهادة في سبيل الله”وفق الطريقة التي رسمها الله مشروع حياة وعزة للأمة ونهضتها واستعادة دورها الريادي الذي اراد الله لها أن تكون “خير امة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر”.
ثقافة الشهادة.. رؤية جديدة للصمود والبناء
كتاب “ثقافة الشهادة في المفهوم القرآني” الذي صدر عن دائرة الثقافة القرآنية من إعداد الباحث يحيى قاسم أبو عواضة في 67 صفحة تناولت 26 فصلا، يأتي في توقيت دقيق، حيث تسعى الأمة لفهم جذورها ومواجهة تحدياتها، مقدماً طرحاً فكرياً وعقدياً عميقاً لمفهوم الشهادة، متجاوزاً النظرة السطحية التي قد تحصره في الموت أو الخسارة، ومن خلال صفحاته، يأخذنا المُعِدّ يحيى قاسم أبو عواضة في رحلة لاستكشاف كيف يمكن لهذه الثقافة أن تكون درعاً للأمة ومحركاً لبنائها في مواجهة التحديات المعاصرة.
جوهر الكتاب.. الشهادة حياة لا فناء
يرتكز الكتاب على فكرة محورية مفادها أن “الشهادة في سبيل الله” ليست خسارة، بل هي “فوز عظيم” وأسمى درجات العطاء الإنساني، ويستند الكاتب إلى نصوص قرآنية، أبرزها الآية 111 من سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ…﴾، ليؤكد أن الشهادة هي “تضحية بتوفيق من الله في موقف الحق وفي إطار قضية عادلة”.
في سبيل الله بالمفهوم القرآني
هذا الفصل هو حجر الزاوية في الكتاب، حيث يؤسس للمعنى الحقيقي للشهادة التي لا تعد موت، بل حياة ابدية، واختيار واصطفاء إلهي يمنحها الله لجنده ضمن “موقف حق وقضية عادلة” وما يمنحها قيمتها هو كونها “في سبيل الله” كعنوان يضبط بوصلة التضحية، ويحولها من فعل دنيوي إلى عطاء مقدس ينسجم مع القيمة العليا للإنسان في المفهوم القرآني.
قيمة الإنسان مقابل الجنة
يستشهد الفصل بقول الإمام علي (ع): “إعلموا أنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها”، والآية القرآنية ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ليؤكد أن قيمة الإنسان أسمى من كل موجودات الدنيا، وأن الجنة هي الثمن الوحيد الذي يليق بهذه النفس، في حين يوضح شهيد القرآن أنها عطاء قابلها الله بعطاء، ومن أراد أراد أن يحيا فليستشهد.
من المظلومية إلى القوة
بهذا العنوان ربط المؤلف قدوم الذكرى السنوية لشهيد القرآن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي” رضوان الله عليه” بالمتغيرات والأحداث الواقعية، ليقدم دليلاً على “قيمة الشهادة وأثرها”، موضحا أن ذكرى الشهيد تأتي كل عام في ظل تطورات متصاعدة لصالح “المستضعفين والمظلومين”، سواء في اليمن أو في مناطق أخرى مثل فلسطين ولبنان والعراق، هذه التطورات تقدم “شاهداً واضحاً” على أثر الشهادة وعطاء الشهداء، وكيف أن تضحياتهم لا تذهب سدى، بل يكتب الله بها نصراً وتقدماً لعباده المؤمنين، كما يستذكر الكاتب البدايات الصعبة، حيث كانت الفعاليات الأولى تُقام في ظل الحصار والمظلومية، مقارنة بالوضع الحالي الذي يعكس مساراً من النمو والقوة بفضل هذه التضحيات.
أبرز المضامين والأفكار
الصراع حقيقة حتمية
يؤصل الكتاب لفكرة أن الحياة ميدان صراع واختبار، وهي حقيقة قرآنية لا يمكن التهرب منها، فمنذ بدء الخليقة والصراع بين الحق والباطل قائم، وبالتالي فإن التحديات والمواجهات هي جزء لا يتجزأ من مسيرة المؤمن، وهنا يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً: “أين يكون موقعنا؟” في خضم هذا الصراع الحتمي.
الشهادة وأثرها في بناء الأمم
يرى الكتاب أن ثقافة الشهادة ليست مجرد فعل فردي، بل هي ثقافة تبني الأمم وتحررها من “أغلال الخوف وقيود المذلة والتبعية والعبودية لغير الله” فالشهداء، هم “أساتذة مدرسة الشهادة المعطاءة”، الذين يتركون بتضحياتهم أثراً معنوياً ووجدانياً يحرر النفوس ويشعل فيها العزة والشجاعة لمواجهة قوى “الشر والاستكبار والطغيان العالمي”.
التمييز بين الخبيث والطيب
يستشهد الكتاب بالآية 179 من سورة آل عمران: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، ليؤكد أن الأحداث الكبرى وميادين الصراع مع فريق الشر من أهل الكتاب هي المحك الحقيقي الذي يكشف صدق الانتماء ويميز بين الصادق والكاذب، والوفي والخائن.
مواجهة المشروع المعادي
يخصص الكتاب جزءاً كبيراً لتحليل أسباب “الهجمة الأمريكية والإسرائيلية” على الأمة العربية والإسلامية، ويرى أن التصدي لهذا المشروع الخطير والمدمر لهو من “أهم وأقدس وأعظم مصاديق الجهاد في سبيل الله في هذا الزمن”، لأنه يمثل دفاعاً عن الهوية والكرامة والاستقلال.
نقد الخيارات البديلة (الخيانة والحياد)
ينتقد الكتاب بشدة خيارين آخرين في مواجهة الصراع: الخيانة (الانضمام لصف العدو) والحياد (الذي يعد استسلاماً وتنصلاً من المسؤولية)، حيث يشير إلى أن الحياد في معركة الحق مع الباطل موقف خاطئ يخدم العدو بشكل غير مباشر ويتنافى مع التوجيهات القرآنية التي تحث على النهوض بالمسؤولية.
الأسلوب واللغة
يعتمد الكتاب على جمع وتصنيف مقتطفات من خطابات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي”يحفظه الله”، مما يمنحه لغة خطابية مباشرة وتعبوية، بأسلوب يميل إلى التأصيل الديني والقرآني المكثف، مع ربط المفاهيم بالواقع السياسي والاجتماعي المعاصر، خاصة في السياق اليمني.
أبناء شعبنا والخيار الصحيح
الوعي بمعاني الشهادة وفق المفاهيم القرآنية، وطبيعة الصراع مع الأعداء، هي التي جعلت شعبنا اليمني يواجه تحالف العدوان الامريكي السعودي الاماراتي، وصولا لنزال رأس الشر العالمي امريكا والكيان الصهيوني وقدم شعبنا الالاف من القرابين في هذه المعركة المقدسة، لتتحول الشهادة إلى وسام شرف لكافة الأسر اليمنية، وبالتالي فإن التطورات الميدانية والسياسية التي تحدث عاماً بعد عام هي برهان عملي على أن دماء الشهداء تثمر عزة ونصراً وكرامة وحرية واستقلال.
أعظم مصاديق الجهاد والشهادة
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب أن آيات الجهاد والشهادة لم تأتِ لتبقى الأمة “مستكينة”، بل لتبني “أمة ذات منعة” قادرة على مواجهة أعدائها وتحدياتها، ويرى أن “من أهم وأقدس وأعظم مصاديق الجهاد في سبيل الله في هذا الزمن” هو التصدي للـ “الهجمة الاستكبارية الأمريكية والإسرائيلية الشاملة على أمتنا” التي هي “ذات طابع إجرامي”، وتهدف إلى “مصادرة الكرامة والاستقلال”. وبالتالي، فإن الشهادة في طريق التصدي للهجمة الغربية انطلاقاً من “المبادئ والقيم والتوجيهات والطرق الإلهية” التي رسمها الله، يجسدها أحرار الأمة بأعظم صورها في عصرنا الحديث, ومن خلال الكتاب دعوة لأبناء الامة قاطبة لإعادة فهم التضحية وفق المفهوم القرآني كخيار واعٍ ومنهج حياة للأفراد والأمم التي تسعى للعزة والحرية في مواجهة الظلم والاستكبار.
لتحميل الكتاب يرجى الضغط على الملف ادناه.