السعودية تدفن السلام تحت أنقاض عدوانها المستمر
منذ أن شنت السعودية عدوانها العسكري المباشر على اليمن في مارس 2015، لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية وإغراق البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين قضت على مسار سياسي كان قابلاً للتسوية، وحوّلت السلام من استحقاق طبيعي إلى ملف مؤجل عمدًا، وعلى مدى سنوات العدوان، رفعت الرياض خطاب دعم السلام في المحافل الدولية، بينما مارست على الأرض سياسة نقيضة تقوم على تعطيل التفاوض، وفرض الشروط، وإدامة الصراع بدل إنهائه، وبشهادة المبعوث الأممي الأسبق جمال بن عمر، وبالوقائع المتراكمة، وبالتحذيرات الصريحة الصادرة من قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، يتضح أن السعودية لم تكن مستعدةً للحل، وعملت على عرقلة أي مسار لا يضمن لها الوصاية والنفوذ، هذا التقرير يتناول بالتحليل مسار العدوان السعودي على اليمن، وكيف جرى الانتقال المتعمد من التسوية السياسية إلى الخيار العسكري، ثم إلى سياسة المماطلة والتهرب من استحقاقات السلام، وصولًا إلى التحذيرات الواضحة للسيد القائد ، من أن هذا النهج لن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من رحم العدوان أو تحت سقف الوصاية.
يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي
من أفق التسوية إلى قرار العدوان
قبيل التدخل بالعدوان العسكري السعودي في مارس 2015، لم يكن اليمن في حالة انسداد سياسي كامل، بل كانت المفاوضات التي جرت برعاية الأمم المتحدة قد حققت تقدمًا ملحوظًا، وكانت الخلافات، على عمقها، لا تزال تُدار ضمن إطار سياسي قابل للاحتواء، وكان الحل السياسي ممكنًا وواقعيًا، غير أن قرار الرياض بالانتقال إلى عدوانها العسكري مثّل قطيعة حادة مع المسار السياسي، فبدل استكمال التفاوض، فُرض منطق القوة، وبدل البحث عن تسوية داخلية، جرى تفجير المشهد برمته، لم يُجهض هذا القرار جولة مفاوضات فحسب، بل دمّر الإطار السياسي الذي كان يُفترض أن يستوعب الصراع، ودفع اليمن إلى حرب مفتوحة بلا أفق واضح.
شهادة جمال بن عمر .. إدانة من داخل الوساطة الأممية
تكتسب شهادة المبعوث الأممي الأسبق جمال بن عمر أهميتها من كونها صادرة عن مسؤول أممي كان يدير المفاوضات بنفسه، لا عن طرف سياسي منحاز، بن عمر أكد أن التدخل العسكري السعودي جاء في لحظة كانت فيها البلاد أقرب إلى التسوية من الانفجار، وأن هذا التدخل قطع الطريق على اتفاق سياسي كان قيد التشكل، الأخطر في شهادته كشفه لطبيعة قرار مجلس الأمن 2216، الذي صيغ تحت ضغط سياسي واضح، وحوّل الأمم المتحدة من وسيط يسعى إلى حلول وسط إلى إطار مقيّد بشروط تعجيزية، فاشتراط انسحاب وتسليم سلاح طرف يمني رئيسي قبل بدء أي عملية تفاوض لم يكن مدخلًا للسلام، بل آلية مضمونة لإفشاله، بهذا المعنى، لم يكن القرار رافعة للحل، بل غطاءً قانونيًا لإدامة العدوان.
السلام كشعار .. والحرب كسياسة
منذ 2015، رفعت السعودية خطاب دعم السلام في المحافل الدولية، لكنها على الأرض مارست سياسة مغايرة، فكل تهدئة قُدِّمت بوصفها محطة مؤقتة، لا خطوة نحو إنهاء عدوانها، وكل خارطة طريق طُرحت تُركت معلّقة أو جرى تفريغها من مضمونها عند أول اختبار جدي، بهذا السلوك، تحوّل السلام إلى أداة مناورة سياسية، والتوجه نحو الجنوب وإشعال فتيل الصراع والحرب بين أدواتها، بما يضمن استمرار نفوذها وقدرتها على التحكم بمسار الأزمة، حتى وإن كان الثمن إطالة معاناة اليمنيين.
إجهاض الحوار الوطني وتفكيك السياسة اليمنية
لم يكن مصير مؤتمر الحوار الوطني سوى انعكاس مباشر لهذا النهج، ذلك المؤتمر، الذي كان يمكن أن يشكل قاعدة لتسوية تاريخية، جرى تعطيله عمليًا بعد اندلاع العدوان، لم تُستكمل مخرجاته، ولم يُسمح بتحويله إلى مسار تنفيذي، بل استُبدل بحوارات تُدار خارج اليمن، بتمثيل انتقائي وأجندات لا تعكس الواقع اليمني بقدر ما تعكس مصالحها، بهذا الشكل، لم تكتفِ السعودية بتعطيل السلام، بل قوّضت السياسة نفسها، وحوّلت الخلاف اليمني من مسألة قابلة للحل إلى صراع مفتوح تُدار تفاصيله من خارج الحدود.
تحذيرات صريحة .. السلام المؤجل لن يبقى بلا نهاية
في مقابل هذا التعطيل المستمر، وجه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، أوضح وأشد المواقف تحذيرًا للسعودية من مغبة الاستمرار في المماطلة، مشدداً على أنه لن يتم التعامل مع التهدئة كحالة دائمة، بل كفرصة مشروطة بوجود إرادة حقيقية للانتقال إلى سلام شامل، وفي أكثر من مناسبة، وجّه السيد القائد ، رسائل مباشرة إلى السعودية، محذرًا من أن سياسة التهرب من استحقاقات السلام، وفي مقدمتها رفع الحصار ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، تمثل لعبًا خطيرًا على عامل الوقت، وأكد أن حالة “اللا حرب واللا سلام” ليست وضعًا مستدامًا، بل مرحلة مؤقتة محكومة بمدى التزامها بالوفاء بهذه الاستحقاقات، لغة هذه التحذيرات كانت صريحة وغير ملتبسة، فقد شدد على أن السلام لا يمكن أن يقوم على الوصاية أو الإملاءات، وأن الرهان على إنهاك اليمنيين أو تطويعهم تحت ضغط الزمن رهان خاسر، وأن إدارة الحرب تحت غطاء السلام بلغت حدودها القصوى، واستمرار هذا النهج قد يقود إلى انهيار تفاهمات المراوغة السعودية التي بالتأكيد ستدفع ثمنها باهضاً .
ختاما
ما تقوم به السعودية في اليمن أصبح نهجًا متعمدًا لدفن السلام تحت ركام عدوان مستمر، سنوات العدوان راكمت فشلًا سياسيًا وأخلاقيًا بات واضحًا للعالم، والرهان السعودي على عامل الوقت، وعلى إنهاك اليمنيين، وعلى إبقاء البلاد في حالة “لا حرب ولا سلام”، هو رهان قصير النظر وخطير العواقب، فالتاريخ أثبت أن الشعب اليمني لا يكسر بالحصار، ولا تخضعه المماطلة، وأن السلام حين يُغتال عمدًا لا يختفي، بل سيفرض في لحظة سيكون على السعودية أن تخسر كثيراً ، واليوم، تقف السعودية أمام لحظة فاصلة ، إما سلام حقيقي ينهي العدوان ويرفع الوصاية، وإما الاستمرار في سياسة دفن السلام، وستكون وحدها من يدفع ثمنها، الرسالة باتت واضحة، والوقت لم يعد مفتوحًا.