أسماء عربية وهُوية أمريكية .. قراءة في الدور العسكري للقواعد الأمريكية في الخليج

يمانيون |
لم تعد الخارطة الخليجية اليوم مجرد مساحة جغرافية للدول القائمة عليها، بل تحولت بفعل التراكم العسكري عبر العقود إلى ما يشبه “الحاملة الثابتة” للمصالح الإستراتيجية الأمريكية.

تحت عناوين “الحماية” و”الشراكة”، استوطنت الآلة العسكرية الغربية في مفاصل حيوية من الموانئ والرمال العربية، لتمنح هذه القواعد أسماءً محلية تخفي خلفها هُوية عملياتية لا تخدم سوى الأجندة التوسعية لواشنطن.

إن التناقض الصارخ يتجلى في أن هذه الدول التي ترفع عقيرتها بالإدانات تجاه أي رد فعل إيراني على اعتداءات تطالها، هي ذاتها التي تفتح سماءها ومياهها للطائرات والسفن الأمريكية والإسرائيلية، متجاهلةً أن هذه القواعد باتت مصدر التهديد الأول للاستقرار الإقليمي، ومنطلقاً لعمليات “إعادة تشكيل المنطقة” التي بشر بها قادة البنتاغون، والتي لا تهدف في جوهرها إلا لتأمين الكيان الصهيوني على حساب أمن المنطقة.

جغرافيا الاستلاب.. حين تصبح الأرض “منصة” والسيادة “شعارات”

إن المتأمل في توزع القواعد الأمريكية في المنطقة يدرك أنها تجاوزت مفهوم “الدعم الفني” لتصبح مراكز قرار موازية للأنظمة الحاكمة.

فالبحرين، التي لا يمكنها إنكار أن جزءاً كبيراً من موانئها السيادية بات خاضعاً بالكامل لسلطة الأسطول الخامس الأمريكي، تمثل نموذجاً صارخاً لهذا الارتهان.

وكذلك الحال في قطر والسعودية والإمارات، حيث تحتضن هذه الدول أكبر التمركزات العسكرية في المنطقة، لدرجة أن ما تبقى لهذه القواعد من “عروبة” هو مجرد اللافتات المرفوعة على أبوابها، بينما الأوامر العملياتية، والتحليق، والتمركز، والاستهداف، كلها تدار بهُوية أمريكية خالصة.

هذا التواجد العسكري المكثف يسلب هذه الدول حقها في اتخاذ مواقف حيادية؛ فهي مجبرة بحكم “الأمر الواقع العسكري” على أن تكون جزءاً من أي مغامرة أمريكية.

وعندما يصف وزير الدفاع الأمريكي ورئيس هيئة الأركان المشتركة دور هذه الدول بأنه “عظيم”، فهم لا يقصدون عظمة دبلوماسيتها، بل عظمة التسهيلات التي تمنحها للآلة الحربية الأمريكية لتنفيذ عمليات اعتراض وهجمات ضد أهداف إقليمية، في شراكة تكرس مفهوم التبعية تحت مسمى “إعادة التشكيل”.

ازدواجية “الضحية” وتسهيلات “المعتدي”

تعيش العواصم الخليجية اليوم دور “الضحية” بامتياز؛ فهي تدين أي استهداف يطال أراضيها، لكنها في المقابل تلتزم صمتاً مطبقاً تجاه الإقرارات الأمريكية الصريحة باستخدام هذه الأراضي كمنصات انطلاق للعدوان على إيران.

إن التضليل الإعلامي الذي تمارسه هذه الدول يحاول تصوير الصراع كأنه “حرب بين أطراف أخرى” هي ليست طرفاً فيها، بينما الواقع العملياتي يؤكد أنها “شريك كامل” في منح حق الوصول والتمركز والتحليق للقوات التي تهاجم الجمهورية الإسلامية.

هذا الانحياز لصالح تأمين القواعد الأمريكية وحق التحليق لم يمنع المسؤولين الأمريكيين من مهاجمة هذه الدول وابتزازها.

ولعل تصريحات السيناتور “ليندسي جراهام” تمثل ذروة هذا الابتزاز، حيث لم يكتفِ بمطالبة هذه الدول بالصمت، بل هددها بعواقب وخيمة إذا لم تنخرط “بشكل مباشر” ومكشوف في أي مواجهة عسكرية قادمة ضد طهران.

إنها معادلة مهينة: تقدم الأرض والسماء والمال، وتتلقى في المقابل التهديد والوعيد الأمريكي.

 الموقف الإيراني.. الدفاع عن المنطقة في وجه “خديعة الموساد”

في مقابل هذا الارتهان الخليجي، تبرز طهران كقوة إقليمية تصر على مبدأ “أمن المنطقة لأبنائها”.

تؤكد إيران مراراً أنها لا تستهدف جيرانها، بل تستهدف “المنصات” التي تنطلق منها الاعتداءات.

إن الرسائل الإيرانية الواضحة تشير إلى وعي عميق بمحاولات “خلط الأوراق”، خاصة مع رصد تحركات لعناصر من الموساد الإسرائيلي في دول مثل السعودية وقطر، تهدف لتنفيذ عمليات “مشبوهة” تُلصق بإيران لجر المنطقة إلى أتون مواجهة شاملة.

إن الهدف الإسرائيلي-الأمريكي المشترك هو تخفيف الضغط عن المركز (تل أبيب وواشنطن) عبر تحويل الخليج إلى ساحة معركة بديلة.

وهنا تبرز الحكمة الإيرانية في التمييز بين الشعوب والجغرافيا وبين القواعد العسكرية المارقة، محذرة من أن الاحتماء بالولايات المتحدة هو احتماء بـ “سراب”، خاصة وأن الداخل الأمريكي (لا سيما الديمقراطيين) بدأ يتنصل من هذه الحروب، واصفاً إياها بأنها “حرب نتنياهو” وليست حرب أمريكا، مما يترك دول الخليج وحيدة في مواجهة تبعات مقامرة لم تكن هي الرابح فيها يوماً.

وهم الحماية ومخاطر “الانكفاء” الأمريكي المفاجئ

تتفاخر بعض الدول الخليجية باحتضانها للقواعد الأمريكية منذ حرب الخليج، ظناً منها أن هذه القواعد صمام أمان لبقائها.

لكن القراءة التاريخية والواقعية تؤكد أن أمريكا تسعى لتحويل المنطقة إلى “مخزن بارود” مؤقت.

إن الحديث المتزايد في الإعلام الأمريكي عن ضرورة “الانكفاء إلى الوراء” بعد إشعال المنطقة يضع دول الخليج أمام حقيقة مرعبة: أمريكا قد تشعل النيران ثم تنسحب وتترك المنطقة رماداً، كما فعلت في تجارب سابقة.

إن جر دول المنطقة لمواجهة مع إيران يهدف بالدرجة الأولى لتأمين انسحاب أمريكي “آمن” أو تخفيف الضربات عن القوات الأمريكية عبر توزيعها على “الشركاء العرب”.

هؤلاء الشركاء الذين قرروا الانتقال إلى وضعية “الهجوم” عبر منح التسهيلات، يتناسون أن القواعد التي يحتمون بها باتت هي ذاتها الهدف، وأن شرعيتها تسقط أخلاقياً وسياسياً عندما تصبح خنجراً في خاصرة الجار المسلم لصالح المخطط الصهيوني.

الخاتمة .. نحو استعادة “البوصلة” المفقودة

إن الارتهان للقرار العسكري الأمريكي وتحويل الأراضي العربية إلى ثكنات بهُوية أجنبية هو انتحار استراتيجي بكل المقاييس.

لا يمكن لدول الخليج أن تستمر في سياسة “التضليل” وادعاء الحياد بينما طائرات المعتدي تقلع من مدرجاتها.

إن السبيل الوحيد لضمان أمن حقيقي ليس عبر زيادة عدد القواعد أو استجداء الحماية من واشنطن، بل عبر العودة إلى حضن المنطقة، وتفويت الفرصة على مخططات الموساد والبنتاغون التي تسعى لاستنزاف الجميع.

إن “الأسماء العربية” للقواعد لن تحمي أحداً إذا ما اشتعلت النيران، فالهُوية الأمريكية لهذه القواعد ستجعلها أول الهاربين، تاركةً المنطقة لمصير مجهول كان يمكن تلافيه بالسيادة الحقيقية وحسن الجوار.

You might also like