السعودية تعيد هندسة العدوان وتفرض الوصاية الكاملة على جنوب اليمن

بعد سنوات من العدوان تحت لافتة ’’إعادة الشرعية’’ ، تسقط السعودية اليوم آخر أقنعة التحالف في اليمن، كاشفة أن الحرب لم تكن يومًا سوى مشروع هيمنة متكامل، تتبدل فيه الأدوات وتُعاد فيه هندسة الأدوار، بينما يبقى الهدف واحدًا، إخضاع اليمن وتجريده من سيادته وتحويله إلى ساحة مفتوحة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، فما يجري في جنوب اليمن من إزاحة ممنهجة للإمارات لا يعكس صراعًا بين الحلفاء، بل تبادل أدوار محسوب داخل منظومة عدوان واحدة، انتقلت فيها الرياض من موقع الشريك إلى موقع الوصي والممسك بكل الخيوط، وفي الوقت الذي تعيد فيه السعودية توجيه مسار الأحداث جنوبًا بما يخدم المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” في الممرات البحرية والجغرافيا الاستراتيجية، فإنها توجّه في الوقت نفسه رسالة قاسية إلى الداخل الخليجي مفادها أن اليمن ملف سعودي خالص، وأن أي نفوذ خارج إرادتها هو نفوذ مؤقت قابل للإلغاء، بين إدارة الفوضى، وإعادة تدوير المليشيات، واحتكار القرار، تتكشف حقيقة العدوان بوصفه حربًا مركّبة على اليمن أرضًا وإنسانًا، وعلى المنطقة سيادةً ومستقبلًا، حيث تتبدل الواجهات، لكن المشروع واحد، والعدوان مستمر

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

سقوط وهم الصراع ووحدة المشروع

منذ اللحظة الأولى للعدوان على اليمن، لم تكن السعودية والإمارات سوى وجهين لعملة واحدة، اختلفت الأساليب وتعددت الأدوات، لكن الهدف ظل ثابتًا، إخضاع اليمن، تفكيك دولته، وتحويله إلى كيان هش فاقد للسيادة، وعندما استُهلك الدور الإماراتي ميدانيًا، وانكشف على نحو فاضح حجم الجرائم والانتهاكات المرتبطة به، جاء وقت تبديل الواجهة، لا تبديل المشروع، إزاحة الإمارات من واجهة المشهد اليوم ليست إقصاءً حقيقيًا، بل إعادة تموضع وظيفي، تنتقل فيه السعودية إلى صدارة المشهد بوصفها المهندس والمديرالسياسي الأول  للعدوان، بعد أن أدت أبوظبي دور “المقاول الأمني” في مرحلة التفكيك الأولى.

 

السعودية .. من شريك إلى وصي مباشر

تتحرك الرياض في جنوب اليمن بعقلية الوصي ، محاولة احتكار القرار وإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني بما يضمن استمرار الهيمنة بأدوات أقل كلفة وأكثر قدرة على المناورة الدولية، فهي لا تفكك المليشيات التي أنشأتها الإمارات، بل تعيد تدويرها، ولا تعالج الانقسامات، بل تعمّقها تحت مسميات جديدة، هذا السلوك يفضح جوهر الدور السعودي، إدارة فوضى ممنهجة وليس دعم شرعية، وإعادة تصنيع أدوات جديدة، وتحويل الجنوب إلى قاعدة وظيفية في مشروع معادٍ للأمة.

 

جنوب اليمن .. قاعدة متقدمة للمشروع الصهيوأمريكي

يتحوّل جنوب اليمن، بإشراف سعودي مباشر، إلى مساحة خاضعة للابتزاز السياسي والعسكري، تخدم أهدافًا تتجاوز الجغرافيا اليمنية، فالموانئ والجزر والممرات البحرية، وفي مقدمتها باب المندب، ليست تفاصيل محلية، بل مفاتيح استراتيجية في معادلة الهيمنة الدولية، حيث يتقاطع الطموح الأمريكي مع متطلبات الأمن الصهيوني، وفي هذا السياق، تؤدي السعودية دور الحارس الإقليمي للمصالح الغربية، مانعة أي استقرار حقيقي، لأن الاستقرار يعني سيادة، والسيادة تتناقض جذريًا مع منطق الهيمنة ومشروع الاستباحة .

 

رسالة إلى الداخل الخليجي .. اليمن خط أحمر سعودي

وبرغم كل ما سبق من أبعاد دولية وإقليمية، فإن للمتغيرات التي تقودها السعودية اليوم هدفًا إضافيًا بالغ الأهمية، يتمثل في توجيه رسالة صارمة إلى الداخل الخليجي، وفي مقدمته الإمارات، مفادها أن الملف اليمني شأن سعودي خالص، وأن الرياض وحدها من يملك حق التحكم بكل الخيوط وتحديد مسارات الأحداث، لم يعد مقبولًا، من وجهة النظر السعودية، أن يتحول اليمن إلى ساحة نفوذ مفتوحة لقوى خليجية أخرى، أو أن تُدار موانئه وجزره الحيوية خارج إرادتها،  ومن هنا، فإن إزاحة الإمارات من واجهة المشهد لا تُقرأ فقط ضمن تبادل أدوار يخدم المشروع الأكبر، بل أيضًا كـاستعراض قوة ورسالة ردع سياسية موجهة لكل من يفكر بتجاوزالحدود المرسومة له.

 

احتكار الوصاية وإعادة ترسيم النفوذ الخليجي

تسعى السعودية، عبر تشديد قبضتها على جنوب اليمن، إلى إعادة ترسيم معادلة النفوذ داخل الفضاء الخليجي نفسه، مؤكدة أنها، اللاعب الإقليمي الأول في الملفات الأمنية الكبرى، وصاحبة الكلمة الفصل في الجغرافيا اليمنية، والجهة التي تحدد من يتقدم ومن يتراجع داخل معسكر الحلفاء، بهذا المعنى، يتحول اليمن إلى نموذج تطبيقي لسياسة الهيمنة السعودية داخل البيت الخليجي، بأدوار وظيفية تُمنح وتُسحب وفقًا لمقتضيات المصلحة السعودية أولًا، وبما لا يتعارض مع السقف الأمريكي والصهيوني.

 

إعادة تدوير الأكاذيب بعد سقوط الذرائع

بعد أن سقطت ذريعة إعادة الشرعية، وبعد أن تكشفت حقيقة العدوان بوصفه حرب احتلال وتفكيك، تحاول السعودية اليوم إعادة تسويق المشروع نفسه بواجهات جديدة وخطاب أقل فجاجة، غير أن الجوهر لم يتغير، اليمن مستهدف، ووحدته خطر، واستقلال قراره مرفوض.

 

 الأقنعة تتبدل والعدوان واحد

إن ما يجري في جنوب اليمن لا يمثّل نهاية مرحلة، بل انتقالًا داخل المشروع نفسه، تتبدل الوجوه، وتتغير الأدوات، لكن بوصلة العدوان ثابتة، إخضاع اليمن، وتحويله إلى ساحة مفتوحة لخدمة المشروع الصهيوأمريكي، عبر وكلاء إقليميين يتنافسون على الأدوار، والسعودية بإزاحتها الشكلية للإمارات، لا تنفصل عن مشروع الهيمنة، بل تعمّق انخراطها فيه، مؤكدة أن العدوان على اليمن كان خيارًا استراتيجيًا وجريمة مستمرة، مهما تغيّرت عناوينها.

You might also like