تفريخ المليشيات وإحياء خرائط الاستعمار.. كيف تدير الرياض الفوضى في جنوب اليمن لخدمة أجنداتها؟
يمانيون | تقرير
مرّ شهر كامل على بلوغ الصراع السعودي–الإماراتي ذروته في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة من اليمن، لكن ما تكشّف خلال هذا الشهر لم يكن مجرد تهدئة تكتيكية أو إعادة توزيع أدوار داخل معسكر العدوان، بل انتقال واضح للسعودية إلى مرحلة إدارة الفوضى بشكل مباشر، بعد أن فقدت الثقة حتى بحلفائها وأدواتها.
المشهد الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن عشر سنوات من العدوان، ولا عن الفشل البنيوي للمشروع السعودي الذي قام منذ لحظته الأولى على هدم الدولة اليمنية بدل بنائها، وعلى تفكيك المجتمع بدل احتوائه.
اليوم، تبدو الرياض وكأنها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع متآكل، عبر فرض الوصاية الكاملة على الجنوب، لكن هذه المحاولات المتأخرة لا تعكس قوة، بقدر ما تعكس حالة ارتباك وخوف من انهيار شامل قد يطيح بكل ما استثمرت فيه سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
الرياض تمسك بالخيوط بعد تصدّع التحالف
إعادة تموضع قيادات المجلس الانتقالي في الرياض لم تكن خطوة بروتوكولية، بل إجراءً قسريًا فرضته السعودية لضمان الطاعة السياسية ومنع أي انزلاق خارج السيطرة.
بالتزامن، ظهر الضابط السعودي في عدن كمرجعية أمنية وعسكرية عليا، يتدخل في أدق التفاصيل، من إعادة تشكيل الوحدات إلى توزيع الأدوار، في مشهد يختصر معنى الاحتلال المباشر وإن جرى تغليفه بواجهات محلية.
هذا التحول يعكس إدراك الرياض أن ترك هامش استقلال لحلفائها، كما حدث مع الإمارات سابقًا، أفضى إلى صراعات نفوذ أربكت المشهد وهددت المصالح السعودية نفسها.
لذلك، انتقلت إلى سياسة “الاحتواء الكامل”، متعهدة بتمويل التشكيلات كافة، ومطمئنة إياها بعدم المساس بمكاسبها، في محاولة لشراء الولاءات وإعادة ضبط إيقاع الفوضى.
انهيار سردية “الشرعية” وتعرّي الهدف الحقيقي
السعودية التي أعلنت عدوانها على اليمن بذريعة “إعادة الشرعية” وجدت نفسها بعد عقد كامل أمام واقع يناقض خطابها بالكامل.
فلم تعد هناك شرعية فعلية، ولا مؤسسات، ولا جيش موحد، بل فسيفساء من المليشيات والتشكيلات المسلحة، لكل منها راعٍ وممول وأجندة.
عبدربه منصور هادي لم يكن سوى أول الواجهات التي سقطت، لكن الأخطر أن ما كان يُسمّى بالجيش الوطني تشظّى إلى كيانات متناحرة، ما يؤكد أن المشروع لم يكن يومًا مشروع دولة، بل مشروع إدارة صراع دائم، يتيح للسعودية التحكم بالجغرافيا دون تحمل مسؤولية الحكم المباشر.
الشارع الجنوبي بين الاستغلال والاحتواء
وفي مرحلة سابقة، شكّل الشارع الجنوبي ورقة ضغط أساسية بيد المجلس الانتقالي، واستُخدم خطاب المظلومية والانفصال كوسيلة تعبئة فعالة.
غير أن السعودية سرعان ما تحركت لاحتواء هذا المسار، لا رفضًا له من حيث المبدأ، بل خوفًا من خروجه عن السيطرة.
حتى رفع الأعلام الجنوبية، وعزف أناشيد التشطير، جرى التعامل معها كأدوات مؤقتة قابلة للتوظيف، في إطار سياسة تقوم على تفكيك المكونات من الداخل، لا تمكينها.
وتستفيد الرياض في هذا السياق من خبرات بريطانية تاريخية، تعيد إنتاج نموذج “فرّق تسد” في الجنوب، مستحضرة تناقضات الماضي الاستعماري ومخلفاته الاجتماعية والسياسية.
الجنوب كساحة لخدمة الأجندات الأمريكية والصهيونية
ولا يمكن فصل الدور السعودي في الجنوب عن السياق الإقليمي الأشمل، حيث تتحول الجغرافيا اليمنية إلى منصة لخدمة الأجندات الأمريكية والصهيونية، سواء عبر السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، أو عبر منع أي نموذج سيادي مستقل قد يشكل تهديدًا لمعادلات الهيمنة في المنطقة.
في هذا الإطار، يجري توظيف حالة الارتزاق داخل التشكيلات المسلحة، وتحويلها إلى أدوات تنفيذ بلا أفق سياسي ولا مشروع وطني.
لكن المفارقة أن قادة هذه التشكيلات، المقيمين في فنادق الرياض، يفضحون زيف خطاب “القوى المحلية”، ويكشفون أن القرار الحقيقي يُتخذ خارج اليمن، وبما يخدم مصالح الاحتلال لا مصالح المجتمع.
تفريخ الكيانات والعودة إلى خرائط الاستعمار
ومع تعقّد المشهد، لجأت السعودية إلى سياسة تفريخ السلطات الشكلية، على أسس مناطقية وقبلية، حتى وإن استدعى الأمر إحياء كيانات اندثرت منذ عقود.
رفع أعلام سلطنات صنعها الاحتلال البريطاني سابقًا، لم يكن تعبيرًا عن هوية، بل أداة سياسية لتكريس التشظي ومنع تشكل أي كيان جامع.
كما أن إعادة استخدام ورقة الجماعات التكفيرية في المحافظات الجنوبية والشرقية يعكس إفلاس الخيارات، خصوصًا في بيئة عانت طويلًا من هذه الجماعات، ودفعت ثمنها دمًا ودمارًا.
هذا التناقض يؤكد أن السعودية لا تبحث عن استقرار، بل عن أدوات ضغط مؤقتة، حتى لو كانت كلفتها عالية على المدى المتوسط.
خاتمة
في نهاية المطاف، يبدو النظام السعودي أسير مشروعه نفسه، غارقًا في مستنقع التفكيك الذي صنعه، وغير قادر على الخروج منه دون خسائر استراتيجية.
فإدارة الجنوب عبر الوصاية، وشراء الولاءات، وتدوير الفوضى، قد تمنح الرياض هامش حركة مؤقت، لكنها في الوقت ذاته تؤسس لانفجارات قادمة.
النار التي تُشعل اليوم تحت عناوين السيطرة والنفوذ، مرشحة لأن ترتد حريقًا واسعًا على من أشعلها، خصوصًا في ظل وعي شعبي متزايد بحقيقة الأدوار، وتآكل سرديات “التحالف” و”الشرعية”.
ومع استمرار هذا النهج، لن يكون فشل السنوات العشر الماضية سوى فصل أول في مسار انهيار مشروع لم يفهم اليمن، ولم يحسب حساب نتائجه.