في درسه الثالث من دروس رمضان المبارك، قدّم السيد القائد حفظه الله، قراءة تربوية عميقة لقصة موسى وفرعون، باعتبارها أنموذجًا قرآنيًا حيًّا يهدف إلى صناعة الوعي وبناء المواقف، وأكد أن ما ينبغي استيعابه اليوم هو الهداية العملية التي تمنحها هذه القصة للأمة في مواجهة واقع الاستضعاف، وأن القرآن حين يعرض نبأ موسى وفرعون إنما يقدّمه “حقًّا لقوم يؤمنون” ليستفيد منه المؤمنون في كل زمان،
الدرس في مضمونه يعيد توجيه البوصلة نحو سنن الله الثابتة، ويؤكد أن حجم الطغيان مهما تعاظم، فإن قانون الله في نصرة المستضعفين لا يتبدل ولا يتغير.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
موسى عليه السلام .. نموذج الرحمة الإلهية والمسؤولية الرسالية
في العرض القرآني، يتجلى موسى عليه السلام بوصفه رحمة إلهية للمستضعفين، أرسله الله ليخرجهم من حالة الاستعباد إلى أفق الكرامة، وقد ركّز السيد القائد على أن هذا النموذج النبوي يمثل منهجًا في تحمّل المسؤولية الإيمانية، فموسى عليه السلام، تحرك استجابة لأمر الله، لا بدافع شخصي، وواجه الطغيان بثبات ويقين،
وحمل مشروع تحرير أمة بأكملها من واقع الإذلال، وهنا تتجسد دلالة مهمة، أن الخلاص من الاستضعاف يبدأ بقيادة مؤمنة واعية، تؤمن برسالتها، وتستمد قوتها من الارتباط بالله، لا من موازين القوة المادية.
فرعون .. نموذج الطغيان الموظِّف للإمكانات في الإذلال
في المقابل، يقدم القرآن نموذجًا آخر يتمثل في فرعون، الذي جسّد أقصى درجات الطغيان والاستكبار، فقد امتلك إمكانات هائلة وقدرات كبيرة، لكنه سخّرها لاستضعاف شعبه وإذلالهم في صورة بشعة، حتى وصل به الأمر إلى ذبح الأبناء واستحياء النساء، وأشار الدرس إلى خطورة هذه المرحلة التي بلغ فيها الاستضعاف حدًّا جعل الناس يشهدون قتل أبنائهم دون حركة مقاومة، وهنا تتبدى معادلة مهمة، وهي أن الطغيان حين يُترك دون مواجهة، يتمدد حتى يستبيح كل شيء، وإن توظيف القوة في قهر الشعوب، وإغراقهم في الخوف والعجز، هو منهج ثابت عند كل الطغاة عبر التاريخ.
استراتيجية الطغاة .. عزل المستضعفين عن عناصر النهوض
من أبرز النقاط التي ركز عليها السيد القائد في الدرس، التأكيد على أن الطغاة لا يكتفون بالقهر المادي، بل يركزون على إبعاد المستضعفين عن كل ما يمكن أن يوقظهم أو يحركهم، فهم يعملون على إبعادهم عن الوعي، وقطع صلتهم بالمشروع الإلهي، وقتل روح المقاومة في نفوسهم، وترسيخ ثقافة الاستسلام والاعتياد على الذل،
وهنا تتجلى خطورة المعركة الفكرية والثقافية؛ إذ إن الطغيان يسعى قبل كل شيء إلى تعطيل إرادة التحرر.
تصنيف القرآن للمستضعفين .. قراءة في الموقف والمسؤولية
أوضح السيد القائد أن القرآن الكريم لا يتعامل مع المستضعفين باعتبارهم كتلة واحدة، بل يصنفهم إلى ثلاثة أصناف، لكل منها موقفه ومسؤوليته:
1. المستضعفون الواعون المتجهون إلى الله
وهم الذين يدركون واقع الظلم، ويرفضونه في قلوبهم، ويتوجهون إلى الله طلبًا للتغيير، ويتوقون للتحرر، هذا الصنف هو الجدير بالتمكين الإلهي، وهو المعني بسنة الله في قوله تعالى: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”.
2. المستضعفون المستسلمون وهم الذين يقبلون واقع الذل، ولا يسعون للتغيير ، ويرضون بحالة العجز والانكسار، وهؤلاء كما يؤكد السيد القائد ليسوا جديرين برحمة الله، لأنهم اختاروا موقف الاستسلام بدل السعي للخلاص.
3. المستضعفون المتبعون للطغاة وهم الأخطر، لأنهم ينخرطون في خدمة الطغيان، ويقفون في صف الطاغوت، ويبررون جرائمه،
وهؤلاء استحقوا الوعيد لأنهم لم يكتفوا بالسكوت، بل أصبحوا أدوات في يد الظالم،
هذا التصنيف يعيد تعريف مفهوم “الاستضعاف”، ويحوّله من مجرد حالة ضحية إلى امتحان في الموقف والوعي.
سنن الله التي لا تتبدل .. من الاستضعاف إلى القيادة
أكد السيد القائد في الدرس أن ما ورد في القرآن عن موسى وفرعون ليس حكاية عابرة ، بل بيان لسنن إلهية ثابتة ، بأن الطغيان إلى زوال، والاستضعاف مرحلة وليست قدرًا محتومًا،
وان التمكين مرتبط بالإيمان والوعي والتحرك،
وسنة الله في نقل المستضعفين من حال الذل إلى القيادة تمثل وعدًا مشروطًا بالتحرك في إطار الهداية، فالله أراد أن يمنّ على المستضعفين، لكن هذا المنّ مرتبط بموقفهم واختيارهم، وهنا تتجلى الرسالة الأهم ، أن الأمة حين تعي موقعها، وتعرف سنن الله، لا ينبغي أن تهن أو تتراجع مهما تعاظمت قوى الطغيان.
الدلالات الواقعية في المرحلة الراهنة
الاستفادة الراهنة من هذا الطرح تتجسد في عدة أبعاد البعد التربوي والمتمثل في بناء وعي مقاوم يرفض الذل، والبعد الإيماني بتعزيز الثقة بوعد الله وسننه، والبعد الحركي من الانتقال من حالة الشكوى إلى حالة الفعل ، والحذر من الوقوع في صنف المتبعين للطغاة، فالدرس القرآني ليس استذكارًا عابرا ، بل توجيهًا مباشرًا للحاضر.
بين موسى وفرعون .. خيار الموقف يصنع المصير
إن القراءة التي قدّمها السيد القائد لقصة موسى وفرعون تعيد رسم معادلة الصراع في ضوء القرآن ، إما أن يكون الإنسان في موقع الوعي والتحرك ضمن سنة الله، فيرتقي من الاستضعاف إلى القيادة ، وإما أن يبقى أسير الاستسلام أو التبعية للطغيان، فيخسر دنياه وآخرته، وبين نموذج موسى ونموذج فرعون، لا يقف الناس على الحياد، بل يصنفهم موقفهم، ويحدد مصيرهم اختيارهم، وهكذا يتضح أن الله سبحانه في القرآن حين قصّ علينا نبأ موسى وفرعون، إنما أراد أن يمنح الأمة بوصلة الهداية، لتدرك أن طريق الحق وإن كان شاقًا، فهو الطريق الذي تصنع فيه الشعوب المستضعفة مستقبلها، وتتحقق فيه سنته التي لا تتبدل،
نصرة المؤمنين، وهزيمة الطغيان، وتمكين المستضعفين الذين وعوا مسؤوليتهم وتحركوا في سبيلها.