وهم القوة وسقوط الجبابرة.. حين تحطِّم السنن الإلهية عروش الاستكبار
في زمن تتكاثر فيه مظاهر الاستكبار العالمي، وتتضخم فيه أدوات البطش والقهر، يأتي الدرس الرمضاني الرابع للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، ليعيد رسم خارطة الوعي القرآني في معركة الحق والباطل، مستلهمًا من قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون أعمق الدلالات وأخطر المعاني، لم يكن استحضار القصة في سياق وعظي تقليدي، بل في إطار قراءة سننية واعية، تؤكد أن الله سبحانه وتعالى لم يترك عباده هملاً، وأن الطغيان مهما بلغ مداه ليس قدرًا أبديًا، وأن اليأس الذي يتسلل إلى نفوس المستضعفين أخطر عليهم من بطش الطغاة أنفسهم، من هنا، تتجلى أهمية هذا الدرس بوصفه مشروعًا لإعادة بناء اليقين، وترسيخ الثقة بالله، وفهم آلية التدخل الإلهي في مسار التاريخ.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
بين وهم الطغاة وحقيقة السنة الإلهية
انطلق السيد القائد من قاعدة قرآنية كبرى ، هي أن الطغاة يعيشون في وهم الاستقرار الدائم، ويتوهمون أن ما لديهم من قوة عسكرية، وسلطة سياسية، وأدوات قمع، كفيل بتأبيد سيطرتهم، وفرعون، في القصة القرآنية، يمثل النموذج الأعلى لهذا الوهم؛ بلغ حد التأله، وسيطر على مفاصل الحياة، وبطش بالمستضعفين حتى ظن أن لا قوة قادرة على مواجهته،
لكن ما يغفله الطغاة أن سنة الله في الكون لا تخضع لحساباتهم، وأن القوة الحقيقية ليست فيما يُرى من سلاح وعدّة، بل فيما لا يُرى من تدبير إلهي نافذ، وهنا تتجلى المفارقة، كلما تعاظم طغيانهم، اقتربت لحظة سقوطهم.
أزمة المستضعفين .. حين يتحول الخوف إلى يأس
لم يقتصر طرح السيد القائد على توصيف حالة الطغيان و الطغاة، بل تناول الحالة النفسية والاجتماعية للمستضعفين، فكما أن الطغاة يقعون في وهم القوة، قد يقع المستضعفون في وهم العجز المطلق، عندما يرون ضخامة إمكانات الطغاة، وتفوقهم العسكري والإعلامي والاقتصادي، قد يصل بعضهم إلى مرحلة سيئة من الإحباط، فيضعف يقينه بالله، ويتراجع اعتماده عليه، وهنا يؤكد السيد القائد حقيقة مركزية ، أن اليأس من روح الله انحراف خطير، لأنه يعكس ضعف الثقة بوعده، ويعطل حركة الإنسان في إطار مسؤوليته، إن استعادة الثقة بالله، واليقين بسنته في نصره لعباده المستضعفين، تمثل الخطوة الأولى في مشروع التحرر.
بداية التنفيذ الإلهي .. الاصطفاء كمنعطف تاريخي
في مسار القصة، لم يبدأ التغيير بإسقاط مباشر لفرعون، بل بمرحلة إعداد طويل ودقيق، اصطفى الله موسى عليه السلام، وهيأه لمهمة رسالية عظيمة، وأعدّه لمقارعة طغيان متجذر.
1. الولادة في قلب الخطر
وُلد موسى في أشد مراحل البطش الفرعوني، في وقت كان قتل الأبناء سياسة منهجية، ومع ذلك، كانت عناية الله تحيط به منذ اللحظة الأولى، هذا يعكس دلالة بالغة العمق، حين تبلغ المخاطر ذروتها، تبدأ ملامح الفرج في التكوّن.
2. التهيئة الإلهية للقادة الربانيين
أكد السيد القائد أن تهيئة موسى تمثل نموذجًا لسنة إلهية مستمرة؛ فالله يهيئ لعباده المستضعفين من أوليائه من يرشدهم وينقذهم، وينقلهم من حالة الاستضعاف إلى موقع القوة، بقدرات تتجاوز حدود الحسابات البشرية، لكن هذا الاصطفاء لا يُختزل في البعد الغيبي، بل يتكامل مع التحرك العملي، والأخذ بالأسباب، والإعداد، والمواجهة المباشرة للظلم، ومن هنا، تبرز ضرورة الوعي بالقادة الربانيين الذين يعملون في إطار هذه السنة، لأن سنن الله تقضي بأن يكون خلاص المستضعفين على أيديهم.
دور المرأة في مشروع الخلاص .. أم موسى أنموذجًا
من المحاور اللافتة في الدرس، التركيز على الدور المحوري لأم موسى عليها السلام، فقد تلقّت وحيًا إلهيًا، وأقدمت على خطوة تتجاوز كل الحسابات البشرية: أن تلقي رضيعها في اليم، ثقةً بوعد الله، هذا الموقف لم يكن هامشيًا في مسار القصة، بل كان جزءًا من مشروع الإنقاذ الإلهي، وفي هذا السياق، شدد السيد القائد على أهمية دور المرأة في الإسلام، ودورها في صناعة الأجيال، وترسيخ الإيمان، وحماية الهوية، كما حذر من مخططات قوى الطغيان الصهيوأمريكي التي تستهدف المرأة بكل الوسائل، لصرفها عن دورها الرسالي، سواء عبر التشويه الثقافي أو الاستغلال أو تفكيك الأسرة، إن الحفاظ على وعي المرأة بدورها، يمثل ركيزة أساسية في أي مشروع مقاوم للطغيان.
نفاذ أمر الله .. المفارقة التي تصنع التحول
من أعظم الدروس التي أوردها السيد القائد، أن أمر الله نافذ مهما تكاثرت المخاطر، وُضع موسى في اليم، ثم دخل إلى بيت عدوه، بل تربّى في قصر فرعون نفسه، وهنا تتجلى المفارقة الإلهية المدهشة، الطاغية يسهم من حيث لا يدري في صناعة أسباب سقوطه، هذه الحقيقة تُعيد صياغة الوعي، فليس كل ما يبدو تهديدًا هو هزيمة، وليس كل تأخير هو خذلان، فالتدبير الإلهي يعمل بصمت ودقة، حتى تحين لحظة المواجهة الكبرى.
ختاما ..
الدرس الرمضاني الرابع يمثل دعوة عملية لإعادة بناء الثقة بالله، وترسيخ الوعي بالسنن الإلهية في حركة التاريخ، والرسالة التي تتبلور من مجمل المحاور واضحة وحاسمة، لا قيمة لقوة الطغاة أمام سنة الله، ولا مبرر لليأس في ظل وعد إلهي بالنصرة، ولا خلاص للمستضعفين إلا باليقين، والالتجاء إلى الله، والتحرك الواعي في إطار الهدي الإلهي، إن سنة الله في نصرة عباده المستضعفين سنة حتمية لا تتغير، لكن تحققها يرتبط بمدى وعي الأمة، وثباتها، واستعدادها لتحمل المسؤولية, وهكذا، تبقى قصة موسى عليه السلام مع فرعون درسًا مفتوحًا لكل زمان، حين تتضخم قوة الباطل في أعين الناس، يكون ميزان السماء قد بدأ يميل لصالح المستضعفين، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتحول الوعد إلى واقع.