بين عبقرية الإدارة وسقوط التقدير الإسرائيلي: 1400 عملية لحزب الله وضعت حداً لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر
يمانيون |
لم يكن الحادي عشر من مارس الماضي مجرد تاريخ عابر في سجلات الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان إيذاناً بانطلاق ملحمة كبرى أطلق عليها حزب الله “عملية العصف المأكول”.دخلت المقاومة هذه المعركة وهي تدرك تماماً حجم التحديات، لكنها استندت إلى مخزون استراتيجي وعقيدة قتالية صلبة.
اليوم، ومع تجاوز العمليات حاجز الـ 1400 عملية نوعية، يقف الكيان الصهيوني مذهولاً أمام حقيقة مُرة: أن كل تقديراته الاستخباراتية حول قدرات المقاومة كانت سراباً.
لقد سقطت “أسطورة الجيش الذي لا يُقهر” تحت أقدام المجاهدين، وتحولت التكنولوجيا الصهيونية المتطورة إلى حطام في وديان الجنوب وجباله.
هذا التقرير يسلط الضوء على عبقرية الإدارة العسكرية لحزب الله، وكيف استطاع تحويل الميدان إلى مقبرة لطموحات الاحتلال.
صدمة التقدير وفشل الاستخبارات الصهيونية
استند الكيان الصهيوني في حربه الحالية إلى فرضية مفادها أن الضربات التمهيدية والاغتيالات قد تضعف بنية حزب الله القيادية أو تستنزف ترسانته الصاروخية.
لكن الميدان أثبت العكس تماماً؛ فقد ظهر الحزب في “العصف المأكول” أقوى بكثير مما كان عليه في معركة “أول البأس”.
لم يستفق العدو من صدمته حتى الآن، إذ إن وتيرة العمليات التي بلغت ما لا يقل عن 40 عملية يومياً تعكس جهوزية تامة واستمرارية في القيادة والسيطرة.
هذا الإخفاق الإسرائيلي في تقدير القوة لم يكن تقنياً فحسب، بل كان إخفاقاً في فهم “عقيدة الصمود” لدى المقاوم اللبناني.
إن استمرار الرشقات الصاروخية بنفس الكثافة والدقة بعد أشهر من الحرب يؤكد أن المخزون الاستراتيجي للمقاومة مُدار بعبقرية تتيح له الاستمرار لسنوات، لا لشهور فقط، مما يجعل كل وعود قادة الاحتلال لمستوطنيهم بالعودة إلى الشمال مجرد أكاذيب تذروها الرياح.
الجغرافيا المحاربة وتفكيك “فرقة الغزو”
وفي تفاصيل المعركة البرية، أظهر حزب الله براعة منقطعة النظير في إدارة “الانتشار والنار”.
توزعت العمليات على أربعة محاور أساسية، تحول كل منها إلى ثقب أسود يبتلع نُخبة الألوية الصهيونية:
- المحور الشرقي الأقصى (الطيبة، القنطرة، البياضة): هذا المحور شهد كثافة نيران غير مسبوقة، حيث تمكن المقاومون من تدمير ما لا يقل عن 20 دبابة ميركافا في يوم واحد، في مشهد أعاد للأذهان “وادي الحجير” ولكن بصورة أكثر رعباً للعدو.
- محور الوسط (مارون الرأس، عيترون، يارون): هنا تجلت مهارة “القنص الدرعي” والكمامات المحكمة، حيث سقط ضباط وجنود العدو في فخاخ الموت التي نصبتها وحدات النخبة في حزب الله. محور الخيام وكفركلا والعديسة: رغم القصف العنيف، بقيت الأرض تحت سيطرة نيران المقاومة، مما منع العدو من تثبيت أي نقطة ارتكاز داخل هذه القرى الاستراتيجية.
- المحور الغربي (الناقورة واللبونة): اعتمد فيه الحزب تكتيك “الاستنزاف النشط” عبر ضرب الأهداف ثم ضرب قوات الإخلاء والتعزيز، مما شل حركة العدو وجعل ثمن التقدم بضعة أمتار يكلف ألوية كاملة خسائر بشرية ومادية فادحة.
”الميركافا” تحت الأقدام.. تهاوي سلاح الدرع والجو
ولطالما تفاخر الكيان الصهيوني بدبابة “الميركافا” كحصن حصين لجنوده، لكن مجاهدي حزب الله حولوا هذا الفخر إلى أضحية في محراب المعركة.
تدمير وإعطاب ما لا يقل عن 170 دبابة وآلية عسكرية ليس مجرد رقم، بل هو إعلان رسمي عن نهاية عصر “التفوق الدرعي” في الحروب النظامية وغير النظامية.
ولم يتوقف الأمر عند البر، بل امتد لكسر هيبة الجو. إسقاط ما لا يقل عن 10 طائرات مسيرة من طرازات متطورة (هيرمز 450 و900) ومروحيات، واستهداف بارجة في عرض البحر، عكس امتلاك المقاومة لمنظومات دفاع جوي وبحري قلبت موازين القوى.
هذا التطور النوعي جعل سماء الجنوب اللبناني ومياهه محرمة على العدو، وأجبره على إعادة حساباته في كل طلعة جوية أو تحرك بحري.
استراتيجية “التهجير مقابل التهجير” وضربات العمق
ومارس حزب الله دوراً ريادياً في حماية المدنيين من خلال معادلة الردع الصاروخي.
فبعد استهداف العدو للأعيان المدنية في لبنان، جاء الرد حازماً عبر دعوة المستوطنين لإخلاء مستوطنات الشمال والوسط.
لم تكن هذه الدعوات مجرد حرب نفسية، بل تبعتها رشقات صاروخية مشتركة ومنسقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران والقوات المسلحة اليمنية.
هذا التنسيق “المحوري” أدى إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي الصهيوني (القبة الحديدية، مقلاع داوود، وآرو)، حيث تشتت النيران وسقطت الصواريخ والمسيّرات بدقة في القواعد العسكرية والمراكز الحيوية بقلب تل أبيب وحيفا.
إن استهداف القواعد العسكرية في العمق بـ 40 عملية يومية هو رسالة واضحة بأن أمن “المغتصبات” مرتبط بأمن القرى اللبنانية، وأن المقاومة تملك زمام المبادرة في تحديد توقيت وحجم الضربات.
عبقرية الإدارة والروح العقائدية
إن ما يميز أداء حزب الله في هذه المعركة هو “العبقرية في إدارة المنظومة العسكرية”.
نحن نتحدث عن جيش غير نظامي يواجه تكنولوجيا الغرب مجتمعة، ومع ذلك يتفوق في “إدارة الانتشار” وتطوير التكتيكات لحظياً.
عملية التقييم المستمرة لمعركة “أول البأس” وتطبيق دروسها في “العصف المأكول” جعلت المقاومة تسبق العدو بخطوات.
أضف إلى ذلك، “إيمان المجاهدين” بصوابية الموقف.
هؤلاء الرجال الذين لم ترهبهم آلة القتل الصهيونية طيلة 15 شهراً، بل زادتهم إصراراً.
هذا البعد الروحي هو ما يفسر بقاء المقاوم داخل نفق أو خلف صخرة لأيام منتظراً لحظة الانقضاض على دبابة العدو، وهو بُعد لا تستطيع مراكز الدراسات الصهيونية فهمه أو إدراجه في خوارزمياتها الحربية.
الخاتمة: نحو الانتصار الحاسم واستعادة السيادة
في الختام، يظهر المشهد العام للجبهة اللبنانية فاعلية استثنائية لم تسبقها إليها أي قوة في تاريخ الصراع مع هذا الكيان.
إن الـ 1400 عملية ليست مجرد إحصاء، بل هي 1400 مسمار في نعش المشروع الصهيوني التوسعي.
لقد أثبت حزب الله أن دماء الشهداء وتضحيات المدنيين المهجرين لم تذهب سدى، بل أسست لواقع جديد لا مكان فيه للاتفاقيات المذلة أو الاعتداءات المتكررة.
العدو الذي لم يحترم العهود جاءه الرد في التوقيت الذي خلط أوراقه، ووضعه أمام خيارين أحلاهما مُر: إما الاعتراف بالهزيمة والانسحاب، أو الغرق في مستنقع الاستنزاف الذي لن يخرج منه إلا محطماً.
إن جولة “العصف المأكول” هي الجسر نحو انتصار حاسم، يعيد للبنان أرضه المحتلة، ويحمي استقلاله، ويثبت للعالم أجمع أن “أسطورة الجيش الذي لا يُقهر” قد انتهت إلى غير رجعة تحت أقدام رجال الله.