Herelllllan
herelllllan2

المؤرخ والباحث الدكتور حمود الأهنومي: اليمن البلد الوحيد في العالم الذي لم يتأثر بظروف الحرب العالمية الثانية في أموره المعيشية

يمانيون – متابعات
أوضح المؤرخ والباحث الدكتور. حمود عبدالله الأهنومي، أن التحرك في مجال التنمية بشكل عام، أمر يهم كل اليمنيين، وكل حريص ومهتم بهذا البلد، بل ندرك أن نهضته لن تتحقق، ما لم يتحرك الجميع على صعيد واحد في مسارات الجهاد البنائي بروح واحدة، وهو المجال الذي يجب أن لا يهمل تحت أي مبرر، وأيا كانت الظروف.

وأكد في محاضرة ألقاها أثناء الزيارة التي طاف خلالها على مقر مؤسسة بنيان التنموية، واطلع على نشاطاتها، والتقى خلالها بعدد من قيادات وفاعلين في العمل التوعوي التنموي الجهادي القائم على هدى الله والمشاركة المجتمعية الواسعة، أن الجهاد التنموي واجبٌ مقدّس محثوث عليه، ويدخل ضمن الإعداد الذي يلزم جميع المسلمين أن يقوموا به، وتزداد قدسية الجهاد التنموي في ظروف الحرب والمواجهة العسكرية؛ إذ يجب ألا تتوقف الاستعدادات للبناء الاقتصادي الشامل في هذه الظروف.

وفي مستهل المحاضرة، استعرض الأهنومي بعضا من محطات حياة الأسوة الحسنة المصطفى صلوات الله عليه وآله، مؤكدا أن من يقرأ سيرته صلوات الله عليه وآله، من بعثته، ثم هجرته إلى المدينة، وكيف كان حال وصوله إليها، صلى الله عليه وآله، مرورا بخوض معارك بدر وأحد والأحزاب وصولا إلى الحديبية وفتح مكة فحنين و. إلخ آخر غزواته، والذي نجده صلوات الله عليه وآله يحقق الانتصارات في كل مرحلة وعلى كل الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية بصورة متزامنة؛ ذلك أن بناء الدولة الإسلامية ظل همًّا يشغل جل اهتماماته.

وأضاف “بإمعان النظر في دراسة وتأمل كيف تعامل صلوات الله عليه وآله مع أراضي المدينة، سنجد أن الزراعة كانت قد مثلت عمق الجانب الاقتصادي في اهتمامه، إذ لم يكتف صلوات الله عليه وآله، وبالتزامن مع حماية حمى المدينة عسكريا، بمنع اقتلاع الأشجار، وإنما أصدر قانونا يشجِّع على الزراعة شرع فيه “أنّ منْ أحيى أرضا ميتا، فهي له”، بالإضافة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الاقتصادية التي ساعدت على خلق قوة اقتصادية ضخمة للمسلمين؛ الأمر الذي شجع بقية العرب والمسلمين على الانخراط في المشروع القرآني المحمدي الشامل، الذي استوعب الجميع وفي كل المجالات”.

ولفت الدكتور الأهنومي، إلى أن الإسلام في صورته الحقيقية وجوهره الروحاني والتشريعي، ليس مجرد مسار حرب وجهاد في ميادين مقاومة أنظمة الظلم والفساد فحسب، وإنما منظومة متكاملة من التشريعات الاجتماعية والاقتصادية والبناء المؤسسي والسياسي والفكري التي تحث في مجملها على أهمية دفع المنتسبين إليه على العمل والإنتاج وتشجيع الإبداع العلمي في المجال التكنولوجي والصناعي وكل مجال يتصل بالحياة من شأنه أن يحقق الاستقرار والعيش الكريم للأمة.
مضيفا “وفي الامتداد الطبيعي لمشروع الولاية الربانية، يدرك الجميع ما يوليه قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله-، من اهتمام بالتنمية على كافة الأصعدة السياسية والإدارية فالاجتماعية والخدمية والزراعية والسمكية والمعدنية والصناعية والتجارية… إلخ، وبما من شأنه أن يخلق منظومة بناء حضاري قوية تدفع بهذا البلد إلى مناص الدول المنتجة، وتعزز من أمنه واستقراره، وتحقق استقلال قراره، وتفرض سيادته على كامل أراضيه برا وجوا وبحرا وعلى كافة الأصعدة”.
وقال: “لا شك، أن الكل، في هذه المؤسسة المباركة، يدرك هذه الخلاصة إلى درجة أشعر معها وكأني- كما يقال- أجلب التمر إلى نجران، لكنني، مع ذلك، آثرت أن أدلي بدلوي في هذا المقام، لا سيما وأني كنت قبل أيام أحضِّر مقرّرا لموضوعات حول دروس قائد الثورة -رضوان الله عليه-، عن عهد الإمام علي -عليه السلام- لمالك الأشتر في جامعة القرآن الكريم”.

مشيرا إلى أن سماحة السيد قائد الثورة رسم خلال دروسه عن عهد الإمام علي -عليه السلام- مسارات عملية للنهوض بالجانب الزراعي، وتنمية الموارد الطبيعية والبشرية للبلاد، منوّها بأن تلك المسارات هي أشبه ما تكون بخطة عملية، احتوت على ملامح عامة وإجراءات تحفيزية أوضحت كيف يجب أن يتحرك الناس في مسارات تحقيق النهوض بالجانب الاقتصادي للبلد، وفي كافة المجالات الزراعية والصناعية والتجارية.

ويواصل: “قائد الثورة يتكلم بشكل مستمر عن الحضارة الإيمانية المبنية على أساسٍ من هدى الله”، مؤكدا أن النهوض بالجانب الاقتصادي جزء لا يتجزأ من جهاد الأمة، وأن استشعار أهمية هذا الجانب، لا بد أن ينطلق على أساسٍ من هدى الله والمشاركة المجتمعية الواسعة في كل مسارات البناء، من خلال الاستغلال الأمثل لموارد البلاد الطبيعية، والطاقات البشرية النشطة والمتعطشة للعمل في كافة التخصصات.

وحث على ضرورة استكمال مشوار تشكيل وبناء الجمعيات التعاونية القوية القادرة على تحريك عجلة التنمية بمهنية عالية في تفعيل المشاركة المجتمعية الواسعة، وإدارة الاحتياجات الأولية للزراعة من بذور وأسمدة ومبيدات ومعدات حراثة ومنظومات ري حديثة مقتصدة وغير مسرفة، وآلات حصاد وفرز وتعبئة وتغليف، والحفظ الطازج، ثم وسائل النقل المناسبة لكل منتج على حده، وصولا إلى بناء الأسواق المركزية وفق توزيع جغرافي وسكاني مناسب، ثم تجهيزها بأحدث نظم وآليات التسويق، والتخزين الجيد، وإدارة السوق بحكمة من شأنها تسويق المنتجات الخام، وتوفير فرص الاستثمار في الصناعات التحويلية، وتشجيع الصناعات التي تعتمد على المنتج المحلي، وتوفير التعليم النافع، وشق الطرق والخدمات الصحية.

وتناول الباحث والمؤرخ الأهنومي قول الإمام علي -عليه السلام- في وصيته لمالك الأشتر من خلال شرح السيد القائد عبدالملك الحوثي -يحفظه الله-: “وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فان في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في جلب الخراج”، مشيرا إلى أن “أراضي مصر، حينها، كانت أراضي خراجية؛ أي: ملك للدولة، ومن يرغب في زراعة جزء من تلك الأراضي، عليه أن يأتي إلى الدولة ويستأجر منها قطعة أرض، ويسمّى ما يدفعه للدولة من إيجار بـ “الخراج”.

وأوضح “طبعا، هذا بخلاف ما عليه شأن الأرض في اليمن، فالأرض في اليمن أرض عشرية؛ يعني: أملاك خاصة في معظمها، المواطن في اليمن يملك الأرض له ولأسرته أو يرثها عن أبيه، أي أنها ليست ملكا للدولة إلا ما كانت أراضي بور فللدولة أن تتصرف فيها بحسب المصلحة العامة من تمليك أو إيجار أو غير ذلك.
مضيفا “عموما، لا نركز، في مقامنا، على مفهوم الخراج، وإنما نسترشد من قول الإمام علي -عليه السلام- إلى ضرورة تركيز الاهتمام والعناية بالجانب الزراعي بشكل كبير جدا، وبالتالي يمكننا التعبير عن مسألة الخراج بالإيرادات المالية التي يحققها الإنتاج الزراعي لكافة حلقات سلاسل القيمة الزراعية كما يعبَّر به في فقه الشريعة الإسلامية عن الأراضي التي سيطر عليها المسلمون، ثم أبقوها مع أهلها مقابل نسبة معينة من محاصيلها تكون لبيت مال المسلمين، بما ذكره الإمام -رضوان الله عليه- “وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله… إلخ”.

ويواصل: (وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحًا لِمَنْ سِوَاهُمْ)؛ يقول السيد القائد، رضوان الله عليه: “اعتادت كثير من الأنظمة والحكومات في كثير من بلدان العالم، وفي واقع المسلمين على مدى قرون، أن يكون التركيز على وفرة التحصيل المالي، وتجاهل واقع المزارعين، مثلا: لا يفرّقون بين ظروف الجدب وظروف الغيث والأمطار، وهمهم الوحيد هو الجباية المالية، وهذه نظرة تكتيكية خاطئة، وخالية من البعد الاستراتيجي في ابتكار طرق وأساليب تحفيز المنتجين على مزاولة مهنة الزراعة، وتوفير الظروف الملائمة لذلك”.

ويعود ليؤكد أنَّ الإمام عليا -عليه السلام-، في جزئية: “بما يصلح أهله” يقدِّم سياسة رشيدة وعادلة تحفظ المصلحة الحقيقة لأصحاب الخراج، وهم الزراع. مضيفا: أن السيد القائد -رضوان الله عليه- يقول: “هذه رؤية ثاقبة تحقق الهدف في تنمية الموارد، وتحقق هدفا له أهمية كبيرة، وهو إصلاح القطاع الزراعي بما يساعد على استمراريته ونموه وتطوره”.

ويسترسل في شرحه: “فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم”؛ الدولة في ذلك الحين كانت تعتمد في كل مواردها المالية على خراج الزراعة، ومنه كان ديوان العطاء يدفع للجنود والعاملين العطاء؛ وهو ما يسمى اليوم بالمرتبات.

وبالمناسبة، فقد استحضر الدكتور الأهنومي، قول السيد القائد -رضوان الله عليه-: “للأسف، تراجع اهتمام المسلمين، حكومات وشعوبا بالإنتاج الزراعي بعكس الكثير من حكومات شعوب العالم الأخرى”، قائلا: “نعرف جميعا أن ما نستورده من الخارج أشياء كثيرة جدا، كما لا يخفى عن علم أحد منا أن الدول المصدرة لتلك الأشياء لا سيما المعادية منها تهتم بهذا الجانب إلى درجة الحرص الشديد على أن تبقى بلداننا أسواقا استهلاكية لمنتجاتهم”.

متسائلا “لماذا تراجع اهتمام المسلمين عن العناية بالزراعة؟ ألم يكن ذلك بسبب السياسات المعادية للإسلام والمسلمين، والتي نفذت وتنفَّذ من خلال أنظمة عميلة تعمل وفق ما يمليه عليها أعداء الأمة؟ ألم يكن ذلك بسبب ما ساد واقع المسلمين من الغفلة والتخلف على مدى قرون من الزمن؟

وأشار الدكتور الأهنومي إلى أن اليمن مر بتاريخ جيد وحضاري في هذا الجانب؛ إذ ظلت اليمن إلى زمن قريب مكتفية ذاتيا، وظل اليمني يأكل مما يزرع، بل ولم يفكر أنه- في يوم من الأيام- سيستورد غذاءه أبدا، ويضيف “اندلعت الحرب العالمية الثانية ودخل الناس في العالم في ضيقة إلا اليمنيين فقد كانوا مكتفين ذاتيا، ولم ينقصهم سوى القليل من مادة قاز للضوء. كل شيء موجود عندهم السمن واللبن والحبوب والذرة والعسل وووو، لم يكونوا يحتاجون شيئا”.

وتأسف: “ما هي إلا فترة، حتى أمسى اليمني يجري وراء العسكرة والوظيفة والغربة وترك الأرض والزراعة، فجرفت السيول الوديان، وصلبت السهول وتخربت المدرجات، وانتهت الزراعة، وصار الناس جالسين بين منتظر لراتب الدولة أو حوالة من قريبه المغترب”.

واصفا واقع الحال بتولد إشكالية غفلة وتخلف! مستشهدا “لو نظر للتاريخ، لوجدنا أن الزراعة والتجارة قد مثلت أهم مقومات بناء الحضارات اليمنية القديمة؛ معين وسبأ وحمير وحضرموت وقتبان وأوسان، وأن أوائل الأجيال اليمنية وإلى زمن آبائنا تمتعوا بوعي كاف عن أهمية أن يأكل الإنسان مما يزرع”.

مرجعا ذلك التقهقر في الواقع العربي إلى حقيقة “أننا لمّا تركنا هذا الوعي، وغفلنا عنه، بتنا نستورد حتى البقوليات من الخارج وبالعملة الصعبة، بل إن قرابة 5 مليارات دولار في السنة نستغرقها في استيراد الحبوب فقط، بل ووصل بنا الحال إلى أننا إلى ما قبل عام تقريبا كنا نستورد (الثوم) بما قيمته 11 مليون دولار”.
متسائلا “لماذا يهتم كثير من الدول والشعوب الأخرى في نظرتهم إلى الزراعة؟، ويجيب مستشهدا بكلام السيد القائد: “لأنهم يعتبرونها تحقِّقُ لهم الأمن القومي، ويعتبرونها أيضا من الضروريات الأساسية؛ لكي يكوِّنوا دولا وشعوبا قوية، وحرة، ومستقلة، ولأنهم- أيضا- يدركون أنها تمثل ثروة ضخمة، وينتج على أساسها نشاطٌ اقتصادي واسع”.

وللاستشهاد على واقع الدول الأخرى التي تهتم بالزراعة يستشهد الدكتور الأهنومي بتقرير متلفز عن التجربة الهولندية في الزرعة، والذي تضمن أن: (هولندا الدولة الصغيرة، التي تبلغ كثافتها السكانية 496 شخصا لكل كيلومتر مربع، والتي إلى زمن غير بعيد، لم تكن تملك الكثير من الموارد الزراعية، لكنها الآن تحتل المرتبة الثانية عالميا في قائمة أكبر مورد للأغذية، لا تبدو هولندا كدولة ذات إنتاج زراعي ضخم لكن توجد بها العديد من الحقول المزروعة بكثافة، والتي تم إنشاؤها حسب أحدث المعايير.

مضيفا: في المناطق الزراعية للبلاد من الصعب العثور على حقول جيدة. لكن بدلا من ذلك تم توفير جميع الموارد من أجل إنجاح عملية الزراعة. وبذلك تحوّل أكثر من نصف البلاد إلى أرض زراعية، تم ذلك من خلال البيوت البلاستيكية الحديثة المنتشرة في كل مكان، ذلك يوفر الدفء الكافي لنمو مختلف المنتجات الزراعية، وتصل مساحة بعض البيوت البلاستيكية المخصصة للزراعة إلى 70 هكتارا.

تلك البيوت الزراعية غير العادية جعلت الدولة التي تقع على بعد 1600 كلم من الدائرة القطبية الشمالية رائدة في مجال تصدير الخضار والفواكه التي تنمو في الجو الدافئ، ومن بينها الطماطم، وتحتل هولندا اليوم المركز الأول عالميا في تصدير البطاطس والبصل، والمركز الثاني في توليد الخضروات بشكل عام، كما أنها الرائدة عالميا في استغلال التكنولوجيا الحديثة لتطوير الزراعة وتغذية الحيوانات، ذلك جعل أكثر من ألفي مزارع هولندي يتخلون عن المبيدات والمواد الكيميائية.

وأضاف : منذ عام 2009م بدأت الحكومة الهولندية مشروعا للتقليل من تغذية الدواجن بالمواد الكيميائية بنسبة 60 %. المثير للاهتمام هو أن هولندا تحتل المرتبة الثانية عالميا في تصدير المواد الغذائية بعد الولايات المتحدة الأمريكية مع أن مساحة أمريكا أكبر من مساحة هولندا270 مرة.

وتابع: أنظمة التدفئة الخاصة بتلك البيوت البلاستيكية، تتيح إنتاج مختلف المنتجات الزراعية على مدار السنة، وتحتل البيوت البلاستيكية 80 % من إجمالي الأراضي الزراعية في هولندا، أما بالنسبة لتربية الدواجن فمع تزايد الطلب عليها طوَّر المهندسون الهولنديون طرقا جديدة تسمح بتوفير المناخ الملائم، وكنتيجة لذلك يمكن لهولندا إنتاج الكمية اللازمة من اللحوم البيضاء، أما تقنية غرس البطاطس، فتسمح للمزارعين بالحصول على منتوج مضاعف.

في هولندا يوجد متحف خاص بالتربة الزراعية، هناك يوجد 1200 نوع من أنواع التربة، وهي مرجع للعديد من الأبحاث العالمية، السياسة الزراعية للبلاد ساهمت في تحسين الأوضاع. تم اعتماد سياسة زراعية جديدة في هولندا منذ عقد من الزمن واليوم تضاعف الإنتاج عدة مرات. كل ذلك بفضل مجهودات جامعة (Wageningen) التي تعتبر أفضل جامعة في مجال البحوث الزراعية والصناعية في العالم، كانت تلك الجامعة عنصرا رئيسيا في تطوير السياسة الزراعية في السنوات الماضية من خلال الأبحاث والتجارب المثمرة. اليوم يتم بناء مستقبل مزدهر للزراعة في هولندا بفضل المزارع الحديثة التي تستعمل مختلف التقنيات للحصول على محاصيل ذات جودة عالية، وبكميات كبيرة، تضم هولندا أفضل مزارع الطماطم في العالم. وهناك يتم استعمال مياه الامطار فقط في عملية الري. لري حقل واحد من الطماطم في بلد آخر يتم استعمال 60 لترا من المياه، لكن المزارعين الهولنديين يفعلون ذلك بـ (15) لترا فقط في كل عملية ري، في كل عام يتم التخلص من شجيرات الطماطم القديمة، وتتم زراعة بذور جديدة من أجل مكافحة الحشرات يتم الاعتماد على طرق طبيعية. الطريقة الأمثل هي نشر جيش كبير من الحشرات، إنها حشرات لا تتناول الطماطم أو الأوراق بل إنها تتغذى على الحشرات الضارة التي تلتهم الطماطم.

في عام 2016م، حققت هولندا مدخولا قيمته مليارا و700 مليون دولار أمريكي من صادرات الطماطم فقط.
ولا تعتمد هولندا على البذور المعدّلة وراثيا، كل شيء هناك طبيعي، حيث يركِّز المزارعون على تقديم منتج طبيعي للمستهلكين. مجموعة من بذور الطماطم التي تكلّف 50 سنتاـ يمكنها أن تعطي ما مقداره 68 كيلو جراما من الطماطم.

كما يعمل الباحثون الهولنديون اليوم على توفير المنتجات الزراعية للعالم بأسره. هذه الدولة الصغيرة قامت العام الماضي بتصدير المنتجات الزراعية بقيمة 90 مليار دولار،لكن بالنسبة للهولنديين، فإن الجودة تهم أكثر من الكمية؛ وذلك سبب نجاح القطاع الزراعي للبلاد. يعتمد القطاع الزراعي هناك على التكنولوجيا الحديثة. تكاليف البحث العلمي والتطوير في مجموعة من الشركات الزراعية الصغيرة التي يعمل حوالي عشرة موظفين في كل واحدة منها نمت بنسبة 19 % عام 2018م لتصل إلى 864 مليون دولار.

كما أن متوسط نمو الاستثمار الزراعي نمى بنسبة 11 % متجاوزا الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. كما أن هولندا في عام 2017م تقدّمت على العديد من الدول؛ لتحتل المركز الثاني بعد سويسرا في مؤشر الابتكار العالمي.

إذا كانت هناك دولة قادرة على تطوير الزراعة أكثر في المستقبل، فإنها هولندا بكل تأكيد، في عام 1999م استعملت هولندا الأسمدة الصناعية أكثر من أي دولة أخرى، حيث بلغ مقدار ذلك 500 كيلو جرام لكل هكتار. لكن في عام 2014م، انخفض ذلك الرقم إلى النصف، واليوم لا تعتمد البيوت البلاستيكية في هولندا على أي نوع من الأسمدة الصناعية، بل على الأسمدة الطبيعية).

واكتفى المؤرخ الأهنومي بوصف التقرير بـ “المهم جدا”، كونه يتكلم عن أهم النقاط التي يمكن الاستفادة منها في مسار النهوض بالجانب الزراعي من التجربة الهولندية.

ليعود بالحديث إلى التأكيد على أن الإمام عليا عليه السلام لفت إلى أهمية الانتاج الزراعي بقوله للأشتر: “فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحًا لِمَنْ سِوَاهُمْ”؛ موضحا بذلك حقيقة أن صلاح الجانب الزراعي، يُبْنى عليه صلاح الجانب التجاري والصناعي وغيرهما؛ يعني: نهضة البلد بشكل عام.. “وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الخَرَاجِ وَأَهْلِه”؛ دورة اقتصادية متكاملة، وهنا تأتي الأهمية القصوى في هذا الجانب.

ثم قال:” وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الخَرَاجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البِلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلا”. وفي ذلك تنويه إلى من يهتمون بالمال من أين يجلبونه؟ ولا يركزون إلا على أخذ الأموال؛ فإذا كانت الدولة لا تهتم إلا بما تأخذه من المزارع؛ أي: تبحث بعد الجباية، ما الذي سيحصل؟ يقول الإمام -عليه السلام-: “تخرب البلاد ويهلك العباد ولا يستقيم الأمر إلا قليلا”. أي سينحل هذا النظام ويضعف، إذا لم يهتم بالجانب الزراعي.

وأشار الدكتور الأهنومي إلى أن قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي -سلام الله عليه، وضع- هنا- أسس ومقومات النهوض بالجانب الزراعي، وجعل العودة إلى الله بشكل عملي، والسعي لإصلاح أمرنا وديننا وأنفسنا، وترسيخ تقوى الله في السلوكيات والأعمال، هو الأساس الأول، ثم يأتي إخراج الزكاة كأساس ثان، فالسعي للاهتمام بالجانب الزراعي ضمن هذا الرجوع العملي كأساس ثالث؛ لكي نحظى برعاية الله، وننال البركات.

مؤكدا أن السيد، فيما سبق، شدّد على أن العودة إلى الله لا تكون بالخطب على منابر المساجد أو على منصات المحاضرات والدروس والوعظ في الورش والدورات، وإنما بشكل عملي ومن خلال السعي في إصلاح أمر الدين، وترسيخ قيم تقوى الله في السلوكيات والأعمال، وأن نستشعر جميعا وبصورة عملية أن النهضة بالجانب الزراعي واجب ديني وشرعي ووطني، وأن ذلك مما يريده الله منا.

واختتم الأهنومي محاضرته بعرضٍ لما جاء عن قائد الثورة في مقومات تحقيق النهوض بالجانب الزراعي والحيواني، والتي لخصها، -رضوان الله عليه- في ما يلي:
1 – وجود المياه: وفيه يجب أن نتضرع إلى الله بأن يجود علينا بالغيث، ثم يجب استغلال مياه الأمطار بإنشاء الخزانات والبرك والسدود والحواجز والقنوات. ويقول السيد القائد: “أنا أستغرب كيف لا يهتم الناس بهذا، وهم يرون ويشاهدون ويعيشون معاناة كبيرة نتيجة للتقصير في هذا الجانب، هذا الجانب يحتاج إلى تعاون واهتمام كبير رسمي وشعبي)، ويتساءل الأهنومي: كم نسبة الماء الذي يذهب إلى الصحراء والبحر؟ ربما تصل إلى أكثر من 90 %، ولا يستفيد المزارعون وغيرهم سوى أقل من 10 % تقريبا.
2 – العناية بالري الحديث: لأن السقي بالطريقة القديمة (الغمر) فيه هدر كبير للماء.
3 – الاستفادة من الطاقة الشمسية: لا سيما مع غلاء المشتقات النفطية، والحصار، وسيطرة الأجانب على المناطق المنتجة للنفط، والأزمات الدولية.
4 – إنتاج الأسمدة المحلية، والطبيعية وكذلك المكافحات غير الضارة: وترك استخدام الضارة منها والقاتلة.
5 – مراعاة أن تكون أسعار آلات الزراعة، كالحراثات، والحصادات، ووسائل الري، غير مجحفة، وتصنيع ما يمكن منها في البلد.
6 – العناية بجودة المحصول الزراعي وسلامته: أثناء العمل، والجني، والحصاد، والتخزين، والتسويق.
7 – ضبط الكلفة وترشيدها: ولا بأس بالاستفادة من تجارب الآخرين، ونطور الموضوع عندنا.
8 – العناية بالتسويق الزراعي: بدءا في البلد، ولا بد في هذا من اهتمام رسمي وشعبي. ثم خارج البلد حين يصبح فائضا عن احتياج الناس في البلد، وعلى الجانب الرسمي توفير المعلومات وإرشاد المزارع وتوفير أسواق زراعية.
9 – ضبط الاستيراد الخارجي: حتى لا يُضْرَبَ المنتج المحلي، وبعض التجار يشتغلون بطريقة تضرب الإنتاج المحلي. وتحتاج المسألة إلى:
أ- وعي من التجار واستشعار المسؤولية.
ب- اهتمام من الجانب الرسمي.
ج- وعي المواطنين في أهمية دعم الإنتاج المحلي.
د- حث التجار على الاستثمار في التسويق الزراعي المحلي.
10 – العناية بالتعليم والإرشاد الزراعي.
11 – إنتاج البذور وزراعة المشاتل محليا.
12 – تعليب وتحويل وتجفيف المحاصيل: هذا شيء مهم؛ لأن البلد يستورد من المعلبات والعصائر بمليارات الدولارات سنويا، والكثير منها ضار، وجودته متدنية.
13 – إنشاء الجمعيات التعاونية والاستثمارية مع الحذر من النصب والاحتيال.
14 – تقترن مقومات النهوض بالثروة الحيوانية بوجوب الاهتمام بإنتاج الأعلاف، وفي جودة ومهنية جانب الطب البيطري، وما يلي ذلك من العناية بالصناعة والإنتاج فيما يتعلق بهذه الثروة، من إنتاج الحليب، ومشتقاته، والعسل بأمانة، وغير ذلك.
هذا ما أمكن تلخيصه من تلك المحاضرة المهمة بأهمية كلام الإمام علي -عليه السلام- في عهده إلى مالك الأشتر، وبأهمية شرح السيد القائد عبدالملك الحوثي -يحفظه الله..

-الثورة – يحيى الربيعي

قد يعجبك ايضا
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com