من الفشل في اليمن إلى الانتحار في إيران.. لماذا يصر ترامب على إعادة إنتاج الفشل العسكري لخدمة الصهيونية؟
يمانيون |
لم تكن جولة الـ 53 يوماً من العدوان الأمريكي على اليمن (من منتصف مارس حتى 6 مايو 2025) مجرد محطة عسكرية عابرة، بل كانت “المختبر” الذي سقطت فيه أساطير الهيمنة الأمريكية في عهد ترامب الثاني.اليوم، وفي مارس 2026، يطل “المقامر” من البيت الأبيض ليوجه بوصلة حماقته نحو الجمهورية الإسلامية في إيران، في مشهد ينم عن انفصال تام عن الواقع العسكري والميداني.
إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه كل مراقب استراتيجي اليوم: لماذا يصر ترامب على إعادة إنتاج ذات “الفشل العسكري” الذي تجرع مرارته في سواحل اليمن وجبالها؟ ولماذا يجر الولايات المتحدة إلى “انتحار استراتيجي” في إيران لخدمة كيان صهيوني بات عبئاً أمنياً وتاريخياً حتى على حلفائه؟
دروس الـ 53 يوماً.. حينما تحطم “السيجنال” في سماء اليمن
قبل عام واحد، دخل ترامب البيت الأبيض مزهواً بسخرية من سلفه بايدن، واعداً “بإسكات المسيرات اليمنية في أيام”.
أطلق جولته الثانية من العدوان بإمكانيات عسكرية غير مسبوقة، لكنه اصطدم بحائط الصد اليماني الصلب.
خلال 53 يوماً، نفذت الولايات المتحدة أكثر من 1700 غارة، لكن النتيجة كانت عكسية تماماً.
لقد أثبت اليمن تفوقاً دفاعياً أذهل البنتاجون؛ فسقطت طائرات “الشبح” لأول مرة في تاريخ المواجهة، وتحولت “إم كيو 9” إلى حطام دوري مألوف في الوديان اليمنية.
لم يكن الفشل تقنياً فحسب، بل كان فشلاً في “الردع”.
لقد خاضت القوات المسلحة اليمنية 33 اشتباكاً مباشراً مع حاملة الطائرات “ترومان”، وهو ما لم تجرؤ عليه جيوش نظامية كبرى منذ الحرب العالمية الثانية.
وحينما أدرك ترامب أن صواريخه لا توقف الصواريخ اليمانية المتجهة نحو “يافا” و”أم الرشراش”، اخترع مبرر “تسريبات السيجنال” داخل البنتاجون.
لم تكن تلك التسريبات إلا “خديعة سياسية” ليهرب بها من ميدان المواجهة في 6 مايو 2025، مدعياً إعادة التقييم، بينما الحقيقة كانت “النجاة من هزيمة مدوية”.
لماذا إيران الآن؟ هوس التاجر وأوهام الصهيونية
وبالانتقال إلى مارس 2026، نجد أن ترامب يعيد الكرة باتجاه طهران.
إن الإصرار على استهداف “رأس المحور” نابع من قناعة صهيونية تامة بأن “يد الإسناد” اليمنية واللبنانية لا يمكن بترها طالما بقي “العمق الاستراتيجي” قوياً.
ترامب، الذي يتصرف بعقلية “التاجر المقامر”، يظن واهماً أن الضغط على طهران سيفك الارتباط المصيري بين جبهات المقاومة.
لكنه يغفل عن حقيقة أن من عجز عن وقف 253 صاروخاً ومسيرة يمنية في جولة واحدة، سيعجز حتماً عن مواجهة ترسانة إيرانية فرط صوتية هائلة قادرة على إحالة القواعد الأمريكية في المنطقة إلى رماد في دقائق.
إن خدمة الصهيونية هنا ليست مجرد تحالف سياسي، بل هي “عقيدة انتحارية” يتبناها ترامب، محاولاً تأجيل حتف الكيان العبري عبر إشعال حرب إقليمية شاملة. إنه يريد أن يقدم لإسرائيل “نصراً متخيلاً” بعد أن فشل في منحها “أمناً واقعياً” في مياه البحر الأحمر.
اليمن في 2026.. جاهزية “الجولة الثالثة” ووحدة الساحات
الخطأ الأكبر في حسابات ترامب هو ظنه أن عدوانه الحالي على إيران سيعزل اليمن.
والحال أن القوات المسلحة اليمنية، التي نفذت 131 عملية إسناد تحت وطأة الـ 1700 غارة في العام الماضي، هي اليوم أكثر قوة وتطوراً.
إن الموقف الشعبي الاستثنائي في “ساحات الخروج المليوني” لم يتراجع قيد أنملة، بل تحول إلى وقود معنوي للمجاهدين.
اليمن أعلن بوضوح: ” يدنا على الزناد”، واذا استدعت الأحداث والمواجهات العسكرية التدخل والمساندة، فنحن جاهزون.
إن التهديد اليمني باستهداف البارجات والحاملات (ترومان وكارفينسون وأخواتها) ليس مجرد حرب نفسية، بل هو واقع اختبره الأمريكي في 2025 وعجز عن مواجهته.
قرار “الحظر الملاحي” سيظل سيفاً مسلطاً على رقبة الاقتصاد الصهيوني والأمريكي طالما استمر في عربتده في المنطقة.
المتوالية الصفرية.. بين “التهريج” والانهيار الاستراتيجي
يتميز سلوك ترامب بما يمكن تسميته “التهريج الاستراتيجي”.
أعلن العدوان في مارس 2025 وأوقفه في مايو 2025، مدعياً أنه حقق أهدافه، بينما كانت الصواريخ اليمنية لا تزال تصل إلى أهدافها.
واليوم يعيد نفس السيناريو مع إيران.
هذه “المتوالية الصفرية” تؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية تعيش حالة من التخبط. إنهم يسعون للتأثير على الملاحة البحرية ثم يتهمون الآخرين بذلك، يحولون البحار إلى ساحات حرب ثم يتباكون على سلاسل التوريد.
إنها سياسة “إعادة إنتاج الفشل” بعينها؛ حيث الرهان على السلاح وحده أثبت عقمه أمام إرادة الشعوب.
الختام: هل يترك ترامب الصهيونية لملاقاة حتفها أم يلاقيه معها؟
في نهاية المطاف إن جولة الـ 53 يوماً في اليمن كانت “البروفة” الأولية لسقوط الهيبة الأمريكية.
واليوم، بمقامرته ضد إيران، يضع ترامب الولايات المتحدة أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاعتراف بالهزيمة والانسحاب كما حدث في مايو الماضي، أو المضي قدماً في “انتحار عسكري” ينهي وجود النفوذ الأمريكي في المنطقة.
إن الصهيونية التي يسعى ترامب لخدمتها هي كيان يصارع الاحتضار، ومحاولات إنعاشه عبر الحروب الإقليمية لن تزيد الأمر إلا سوءاً.
اليمن كان “البداية” التي كسرت الغطرسة، وإيران ستكون “النهاية” التي تواري أوهام ترامب الثرى بإذن الله.