المقاومة اللبنانية تُحكم قبضتها الميدانية وتفرض معادلة الردع الاستراتيجي من الحدود إلى العمق

يمانيون |
في مرحلة مفصلية، ومع دخول المواجهة على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة سياقاً عسكرياً غير مسبوق، أثبتت المعطيات الميدانية والعملياتية خلال الساعات الـ 48 الماضية أن المقاومة الإسلامية في لبنان لم تكتفِ باستيعاب صدمة العدوان البري، بل انتقلت إلى مرحلة “الإطباق العملياتي” الشامل.

هذا التحول الدراماتيكي يأتي ليفند كافة التقديرات الاستخباراتية الصهيونية التي راهنت على تلاشي قدرات حزب الله، حيث كشفت لغة الميدان عن جهوزية دفاعية وهجومية عالية، حولت القرى الحدودية إلى “ثقوب سوداء” تبتلع نُخبة جيش الاحتلال، بينما وصلت صواريخ المقاومة ومسيّراتها إلى عمق استراتيجي هز أركان الكيان وأعاد صياغة موازين القوى من جديد.

جحيم الحدود.. القرى اللبنانية تتحول إلى مقابر للميركافا
تمثل القرى الحدودية، وتحديداً مدينة الخيام وبلدة الطيبة، قلب المواجهة البرية الراهنة.

وبحسب المعطيات الميدانية، فقد تحولت هذه المناطق إلى ساحات استنزاف كبرى للعدو.

في بلدة “الطيبة”، وتحديداً في “مشروع الطيبة”، نفذت المقاومة عمليات نوعية استهدفت دبابات “الميركافا” وجرافات “D9” بصواريخ موجهة، مما أدى إلى احتراقها وشل حركة التقدم في هذا المحور الحيوي.

ولم يكن المشهد في “الخيام” أقل وطأة؛ حيث تشرف هذه المدينة الاستراتيجية على سهل مرجعيون وإصبع الجليل، وقد حاول العدو الإطباق عليها من محاورها الجنوبية والشرقية، إلا أن مقاتلي المقاومة واجهوهم من المسافة صفر.

وفي “خلة المحافر” و”خلة العقصى” بخراج بلدة العديسة، توالت الصليات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية لتستهدف تجمعات الجنود بدقة متناهية، مؤكدة أن أي موطئ قدم للعدو داخل الأراضي اللبنانية هو هدف مشروع ودائم لنيران المقاومة التي تدير المعركة بنفَسٍ طويل وعزيمة لا تلين.

سماء لبنان المحرمة.. دلالات إسقاط “هيرمز 450”

وفي تطور عسكري بارز يكسر التفوق الجوي الذي طالما تفاخر به الكيان الصهيوني، أعلنت المقاومة إسقاط طائرة مسيّرة إسرائيلية من نوع “هيرمز 450” في أجواء مدينة بنت جبيل.

هذه الطائرة، التي تُعد درة التاج في سلاح الجو المسير للاحتلال من حيث الرصد والقدرة الهجومية، سقطت بالأسلحة المناسبة، ما دفع طيران العدو لشن غارات على حطامها في محاولة لإخفاء آثار الفشل التقني والاستخباراتي.

إن إسقاط “هيرمز 450” ليس مجرد حدث تقني، بل هو رسالة قوة تؤكد أن سماء لبنان لم تعد مستباحة، وأن الدفاعات الجوية للمقاومة باتت قادرة على تحييد أدوات الرصد والقتل الإسرائيلية الأكثر تطوراً.

 ضرب العمق الاستراتيجي.. من “ميرون” إلى “بلماخيم”

ولم تقتصر ضربات المقاومة على الخطوط الأمامية، بل امتدت لتطال مفاصل الدولة العبرية ومنشآتها العسكرية الحيوية.

لقد أثبت استهداف قاعدة “ميرون” للمراقبة وإدارة العمليات الجوية بسرب من المسيّرات الانقضاضية والصواريخ النوعية قدرة المقاومة على تعطيل “عين العدو” في الشمال.

وتوجت هذه العمليات بضرب قاعدة “بلماخيم” الجوية جنوب “تل أبيب” (يافا المحتلة)، وهي قاعدة تبعد 140 كيلومتراً عن الحدود، وتُعد من أهم القواعد الاستراتيجية للعدو.

هذا الزخم العملياتي شمل أيضاً مجمع الصناعات العسكرية لشركة “رفائيل” وقواعد لوجستية في الجولان المحتل مثل ثكنة “كيلع” وقاعدتي “تسنوبار” و”كتسافيا”.

هذه الهجمات المركزة تؤكد أن المقاومة تلاحق القواعد والنقاط الاستراتيجية للعدو أينما وجدت، فارضةً معادلة “العمق بالعمق” ومحولةً مراكز القرار الصهيوني إلى أهداف تحت رحمة النيران.

 الصدمة العبرية.. انهيار الجبهة الداخلية وفشل الردع

وعلى الجانب الآخر، كشف الإعلام العبري، وتحديداً القناة 12، عن حالة من الذهول والصدمة تسود أوساط المستوطنين في الشمال.

فبعد 15 شهراً من المواجهة، يجد المستوطنون أنفسهم أمام “قدرات متقدمة” لحزب الله لم تكن في حسبانهم.

إن استهداف مستوطنات “نهاريا” و”كريات شمونة” و”أفيفيم” بصليات صاروخية ومسيّرات انقضاضية حول هذه المناطق إلى “مدن أشباح”، وفاقم من مشكلة الهجرة العكسية.

الاعترافات الصهيونية بأن “قدرة الرد محدودة” وأن حزب الله أصبح قوة ردع قادرة على قلب المعادلات، تعكس هشاشة الخطط الدفاعية للكيان.

لقد فشل الاحتلال في تأمين الحماية لسكان الشمال، وأصبح أي تصريح بخلاف ذلك يُعد تضليلاً للرأي العام الإسرائيلي، ما يضع القيادة السياسية والعسكرية للعدو في مأزق أمام جمهورها الذي فقد الثقة في وعود “النصر السريع”.

السياق الدولي والإقليمي.. عزلة واشنطن وتماسك المحور

ولا ينفصل الميدان في لبنان عن التحولات السياسية الدولية.

فرفض الدول الأوروبية الانخراط في السياسات الأمريكية العدوانية تجاه إيران يشكل صدمة سياسية لواشنطن ويكشف تصدع التحالفات الغربية التقليدية.

هذا الموقف الأوروبي يبعث برسالة واضحة مفادها أن العالم لم يعد يحتمل التبعات العسكرية لقرارات واشنطن المنفردة.

في هذا السياق، تظهر إيران والدول الداعمة لمحور المقاومة كقوة قادرة على حماية أمنها واستعادة التوازن الإقليمي.

إن التكامل بين قوة المقاومة في الميدان اللبناني وتحولات السياسة الدولية يفرض على العدو الإسرائيلي والأمريكي مراجعة حساباتهما، حيث أثبتت التجربة أن منطق القوة والهيمنة العسكرية لم يعد كافياً لفرض الشروط السياسية في ظل وجود محور مقاوم يمتلك الإرادة والقدرة.

الميدان كلمة الفصل.. استراتيجية “النفس الطويل”

وتؤكد المعطيات أن المقاومة تدير المعركة باستراتيجية “الدفاع الهجومي المركب”.

فبينما يتم التصدي للتوغلات البرية بالعبوات وصواريخ الكورنيت والاشتباكات المباشرة، يتم استنزاف العمق الصهيوني بالصواريخ النوعية والمسيّرات.

إن تنفيذ أكثر من 47 عملية نوعية في يوم واحد هو دليل قاطع على وحدة القيادة والسيطرة، وعلى أن المقاومة استعادت عافيتها العسكرية بالكامل رغم فقدان بعض القادة.

إن تعثر الاحتلال في السيطرة على بلدات النسق الثاني مثل “الطيبة” رغم الإسناد الجوي الكثيف يثبت أن إرادة القتال لدى المجاهدين هي الضمانة الوحيدة لحماية سيادة لبنان.

خاتمة: نحو واقع ميداني وسياسي جديد

ويمكن القول إن التطورات الأخيرة على الجبهة اللبنانية قد رسمت واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه.

المقاومة الإسلامية، من خلال إحكام قبضتها الميدانية وفرض معادلات الردع من الحدود إلى العمق، قد استعادت زمام المبادرة وأجبرت العدو على العودة إلى مربع العجز.

إن الميدان اليوم هو الذي يملي شروطه، ودماء المجاهدين التي تُبذل في تلال الجنوب هي التي ستحدد مسار أي مفاوضات قادمة.

لقد أثبت حزب الله أنه رقم صعب في المعادلة الإقليمية، وأن استمرار الاعتداءات الصهيونية لن يقابل إلا بمزيد من التصعيد النوعي الذي سيجعل من تكلفة الاحتلال باهظة على كافة المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

You might also like