سلام بالقوة.. كيف يتحول مجلس ترامب للسلام إلى مظلة للعدوان على غزة؟

يمانيون | تحليل
ما يُسمّى بـ«مجلس سلام ترامب» لا يعدو كونه مسرحية سياسية سخيفة، مغطاة بستار من الأكاذيب حول السلام، بينما هو في الحقيقة امتداد مباشر للهيمنة الأمريكية على العالم.

منذ أن تم الإعلان عن تأسيسه، تَكشف بسرعة أن هذا المجلس ليس إلا أداة جديدة في يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز نفوذه على الدول المستضعفة، وإجبارها على الخضوع لرؤيته الاستعمارية.

وبينما يتسارع عدد المنضمين للمجلس، تحت تهديدات وابتزاز لا يخفى على أحد، لا يزال العالم يشاهد بصمت كيف يتم تدمير أي آمال حقيقية في حل الصراعات، لا سيما القضية الفلسطينية.

انفراج الانضمامات… لعبة الضغط والإكراه

إن ما نشهده من تسارع في انضمام بعض الدول إلى مجلس ترامب هو نتيجة مباشرة لأساليب الضغط والإكراه التي يعتمدها الرئيس الأمريكي.

ترامب، الذي يشتهر بتهديداته التجارية والعقوبات الاقتصادية، لا يكتفي بدعوة الدول للانضمام إلى ما يسميه «مجلس السلام»، بل يمارس بحقها أفظع أشكال الابتزاز السياسي.

لا داعي للحديث عن مصالح الدول أو رغبتها في تحقيق السلام، فنظام ترامب لا يعرف سوى لغة الاستسلام.

وفي المقابل، فإن انتقال شخصيات مثل بنيامين نتنياهو إلى هذا المجلس يعكس بلا شك التواطؤ الكامل مع سياسة العدوان، ويؤكد أن «السلام» الذي يروج له ترامب ليس سوى كذبة كبيرة.

لا يمكن تصديق أن ما يحدث في قطاع غزة أو في المنطقة هو جزء من خطة لتحقيق السلام، طالما أن الشخصيات المتورطة في ارتكاب جرائم الحرب تُمنح منابر للحديث عن الحلول.

ترامب ونظامه الاستبدادي… السلام يتم شراؤه بالابتزاز

ترامب يثبت مرة تلو الأخرى أنه لا يفقه شيئًا عن الدبلوماسية أو السياسة الدولية، ويستمر في إدارة شؤون العالم عبر أسلوب السلطوية المطلقة.

هو لا يتحدث عن الحلول أو التفاهمات بين الأطراف المتنازعة؛ بل يتعامل مع الدول وكأنها مجرد قطع على رقعة شطرنج يحركها كما يشاء، مهددًا باستخدام عقوبات، وحرب تجارية، وابتزاز سياسي.

أمريكا تحت قيادته لم تعد «دولة كبرى»، بل مجرد «دولة فوق كل الدول»، ترسم خطوطًا حمراء لدول العالم، وتهدد بعزل أي دولة تجرؤ على التفكير في معارضة أجندتها.

الدول التي تساوم على عضويتها في مجلس ترامب هي تلك التي اختارت الانصياع، رغمًا عن كرامتها، للابتزاز الأمريكي الممنهج.

هذه هي سياسة ترامب التي تتجاوز أي معايير للعدالة، وتغرق العالم في مزيد من التبعية السياسية.

 أوروبا والعالم… تردد وشكوك متزايدة حول مشروع ترامب

أوروبا، التي كانت دائمًا مركزًا للقيم الدولية، تُظهر ترددًا متزايدًا إزاء مجلس ترامب، ورفضًا صريحًا لممارسات الإكراه التي يعتمدها الرئيس الأمريكي.

يتزايد الوعي الأوروبي بأن ترامب يفرض «نظامه الجديد» على العالم وفق مصالحه الشخصية دون أدنى اعتبار لمبدأ السيادة أو العدالة الدولية.

إن هذه العجلة التي يهرول فيها للسيطرة على المؤسسات الدولية ليست إلا نتاجًا لحاجة ماسة في السيطرة على العواقب التي تتركها سياساته الاستعمارية في الشرق الأوسط.

الدول الكبرى بدأت تدرك أن مجلس ترامب ليس سوى فخ عالمي، الهدف منه إعادة هندسة النظام الدولي لصالح القلة المتنفذة في واشنطن، وهو ما يدفع الكثير من الدول إلى التريث ورفض الانضمام لهذا المجلس المشبوه.

 مجلس ترامب… بلاط إمبراطوري بغطاء دولي

أياً كان ما قد يطلقه ترامب من وعود زائفة بالسلام في غزة أو في مناطق أخرى من العالم، يبقى «مجلس ترامب» في جوهره أداة سلطوية فاشية تهدف إلى تحويل العالم إلى ساحة مفتوحة للاستغلال والنفوذ الإمبريالي.

هذا المجلس ليس مبادرة للسلام، بل مجرد أداة لترسيخ الهيمنة الأمريكية على العالم.

بدلاً من أن يكون إطارًا لتسوية النزاعات، فإنه يُستخدم لإعادة إنتاج الهيمنة، وإطلاق يد الصهاينة في المنطقة دون أي مساءلة أو عقاب.

هذا المجلس، الذي يراه البعض امتدادًا لمشروع الهيمنة الأمريكي، في الواقع يحوّل التفاعلات الدولية إلى صفقات تتضمن دفع الثمن للوصول إلى طاولة مفاوضات فارغة لا تعنيها إلا مصالح واشنطن.

 ترامب في دافوس… أسلوب التهديد بلا خجل

في منتدى دافوس الأخير، ظهر ترامب بحالة من الغطرسة المطلقة، متحدثًا وكأن العالم ملك له.

يفاخر بقدراته على فرض سياساته، مُعلنًا عن استعداده للتمرد على كل القيم التي تأسس عليها النظام الدولي.

في كلمته في دافوس، بدا ترامب وكأنه يسير على رأس العالم بلا محاسبة، بينما يمضي في توسيع سلطته ليصبح الحاكم المطلق للمشهد الدولي.

الحديث عن «السلام» الذي يروج له في غزة ليس سوى فقاعة، لأنه يحكم على المنطقة بمزيد من التفكك والتدمير.

ترامب استخدم المنتدى ليس للتحدث عن السلام، بل للتهديد والابتزاز.

تزداد سلطته العالمية بفعل النظام الفاسد الذي أقامه، والذي يمنحه حق تعيين وإقالة الأعضاء، والتحكم في القرارات الدولية، وصولًا إلى احتكار الحق في الفيتو.

غزة خارج حسابات ترامب… «السلام» مغطى بدماء الأبرياء

وفي الوقت الذي يروج فيه ترامب لمفهوم «السلام» في غزة، فإن الواقع يعكس تمامًا عكس ذلك.

لا يشير ميثاق مجلسه إلى القضية الفلسطينية سوى بصورة سطحية، كما أن مسودة نظامه تخلو من أي التزام حقيقي بمعالجة المشكلة الأساسية.

بدلاً من طرح حلول جذرية تؤدي إلى نهاية الاحتلال، يواصل ترامب إعادة إنتاج العنف والدمار تحت غطاء «السلام»، في حين أن العدو الصهيوني، الذي يعيث في الأرض فسادًا، يبقى المستفيد الوحيد من هذا المجلس المشبوه.

ليس هناك أي تطلع لتحقيق العدالة أو إنهاء الظلم.

ترامب، كما هو معروف، لا يهتم سوى بتحقيق مصالحه الشخصية، حتى وإن كانت على حساب القيم الإنسانية.

ما يُسمى بمجلس السلام ليس سوى تغطية رخيصة لمشروع الاحتلال المستمر.

 ترامب وحلم الهيمنة الأبدي

في الختام، إن «مجلس سلام ترامب» ليس إلا محاولة جديدة لتكريس الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على حساب الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال والفقر والصراعات التي لا تنتهي.

هو مشروع صُمّم ليتناسب مع شخصيته الاستبدادية، ويمنحه السلطة المطلقة لتوجيه مصير دول العالم وفق رغباته الشخصية.

وإذا كان هناك شيء يجب على العالم أن يتعلمه من ترامب، فهو أن السلام في نظره ليس إلا وسيلة لفرض الاستسلام والهيمنة.

وعليه، فإن سعيه لبناء إمبراطورية من خلال «السلام» ليس إلا قناعًا مفضوحًا للعدوان المستمر.

وفي النهاية، يجب على المجتمع الدولي أن يقرر ما إذا كان سيقف صامدًا ضد هذا التوسع الفاشي، أم سيظل صامتًا في مواجهة هذا التغول الأمريكي.

You might also like