الرسالة الإلهية تصنع القادة وتكتب نهاية الطغيان

في محاضرته الرمضانية الحادية والعشرون، قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي  حفظه الله قراءة قرآنية عميقة لمسار نبي الله موسى عليه السلام، كاشفاً عن الأبعاد الإيمانية والتربوية العظيمة في لحظة تلقي الرسالة الإلهية، وما تحمله من دلالات كبرى في فهم طبيعة الوحي، وأهمية الرسالة الإلهية، وكيفية إعداد الله سبحانه وتعالى لأنبيائه وقادة الهداية لمواجهة الطغيان ونصرة المستضعفين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

مسار تصاعدي نحو الكمال الرسالي

أوضح السيد القائد أن مشوار نبي الله موسى عليه السلام لم يكن مساراً عادياً، بل كان مساراً تصاعدياً نحو الكمال الإيماني والرسالي، أعدّه الله سبحانه وتعالى فيه إعداداً متدرجاً حتى يكون مؤهلاً لحمل أعظم مهمة: رسالة الله وإنقاذ أمة مستضعفة من طغيان فرعون،  وأشار إلى أن القرآن الكريم عرض تفاصيل تلقي موسى عليه السلام للرسالة في إطار واضح يبرز عظمة الوحي الإلهي، وما يحمله من تكريم عظيم للإنسان، حيث إن الله سبحانه وتعالى يتدخل في شؤون عباده بالهداية والتوجيه لما فيه صلاح حياتهم في الدنيا والآخرة،  وبيّن أن الرسالة الإلهية ليست حدثاً عادياً في حياة الإنسان، بل هي تدبير إلهي عظيم يعكس رحمة الله بعباده وحرصه على هدايتهم وإقامة العدل بينهم.

لحظة الوحي ..  أجواء القدسية

توقف السيد القائد عند الأجواء التي وقعت فيها أول لحظة تكليف لنبي الله موسى عليه السلام، حيث كانت في ليلة مظلمة وباردة، وفي بيئة خالية من الناس، حين رأى موسى النار فتوجه إليها طلباً للدفء أو الهداية في الطريق،  لكن تلك اللحظة تحولت إلى أعظم لحظة في حياته، عندما سمع النداء الإلهي العظيم من الله سبحانه وتعالى،  وأشار السيد القائد إلى أن القرآن الكريم قدّم هذا الحدث بأجواء مفعمة بالقدسية والبركة، حيث ابتدأ النداء ببيان قدسية المكان وبركته، ما يعكس عظمة الحدث ومكانته،  كما أن سماع الصوت الإلهي من الشجرة في تلك الظروف الاستثنائية كان له أثر نفسي عظيم على موسى عليه السلام، إذ كانت تلك اللحظة بداية تحوله إلى قائد رسالي يحمل مسؤولية كبرى في مواجهة أكبر طاغية في زمانه.

تصحيح المفاهيم حول الوحي الإلهي

وفي سياق حديثه، انتقد السيد القائد بعض الروايات التي تناولت كيفية تلقي النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله للوحي، والتي تصور الأمر بصورة مشوهة أو مليئة بالمغالطات،  وأكد أن بعض هذه الروايات تتحدث عن أن النبي صلى الله عليه وآله تلقى الوحي بطريقة الخنق أو أنه كان شاكاً في نبوته حتى أخبره ورقة بن نوفل، واعتبر هذه الطروحات طرحاً عقيماً وخطيراً يتنافى مع ما يقدمه القرآن الكريم من صورة واضحة ومشرقة للوحي الإلهي،  وأوضح أن القرآن يبين أن الوحي الإلهي يتم في أجواء من القدسية والطمأنينة والوضوح، وأن الله سبحانه وتعالى يهيئ لأنبيائه المناخ النفسي والمعنوي الذي يمنحهم الثقة والاطمئنان الكامل لأداء رسالتهم.

مهمة عظيمة ومواجهة طاغية

وأشار السيد القائد إلى أن المكانة العالية التي حظي بها نبي الله موسى عليه السلام، ومنها تكليمه مباشرة من الله، تعود إلى طبيعة المهمة الكبيرة التي كلف بها، فموسى عليه السلام كان على موعد مع مواجهة أعظم طاغية على وجه الأرض آنذاك، وهو فرعون، في وقت لم يكن لديه جيش ولا دولة ولا مجتمع قوي يسانده, ولذلك كان لا بد أن يهيئه الله سبحانه وتعالى إعداداً خاصاً يمنحه الاطمئنان المعنوي والقوة النفسية التي تمكنه من خوض تلك المواجهة العظيمة.

قدسية الأماكن المرتبطة بالرسالة

ومن الدلالات المهمة التي ركز عليها السيد القائد، مسألة قدسية الأماكن المرتبطة بالوحي والرسالة، حيث أشار إلى أن القرآن الكريم وصف بعض هذه الأماكن بالمباركة والمقدسة،  وأوضح أن هذه القدسية ليست أمراً عارضاً، بل هي جزء من تعظيم شعائر الله، مؤكداً أن مكة المكرمة تمثل أعلى مكان مقدس في الإسلام، وأن الأماكن التي ارتبطت بالوحي أو بالرسالة اكتسبت قدسيتها من قدسية الدين نفسه،  وبيّن أن تعظيم هذه المعالم والشعائر هو جزء من الإيمان، لأن الله سبحانه وتعالى جعلها شعائر لعبادته ومظاهر لتعظيم دينه.

مخطط استهداف المعالم الإسلامية

وتطرق السيد القائد إلى ما تروجه بعض الجماعات التكفيرية من أفكار تشكك في قدسية المعالم والشعائر الإسلامية، وتصف تعظيمها بالشرك أو البدعة، وأوضح أن هذه الدعايات ليست سوى تلبيس باطل تقف خلفه دوائر استخباراتية معادية للإسلام، تسعى إلى طمس الهوية الإسلامية وتشويه المفاهيم الدينية لدى المسلمين، وأكد أن استهداف المعالم الإسلامية وتدميرها هو مشروع يخدم الأعداء، وفي مقدمتهم اليهود، مشيراً إلى أن بعض التيارات الوهابية أسهمت في هدم الكثير من المعالم التاريخية المقدسة، الأمر الذي يخدم في النهاية المخطط الهادف إلى طمس هوية الأمة, وأشار إلى أن من أخطر ما يسعى إليه العدو هو التمهيد لهدم المسجد الأقصى عبر إضعاف ارتباط المسلمين بمقدساتهم.

الاختيار الإلهي ..  مسؤولية عظيمة

وفي سياق حديثه عن اختيار الله للأنبياء، أوضح السيد القائد أن هذا الاختيار ليس أمراً عشوائياً، بل يأتي بعد إعداد إلهي خاص يهيئ النبي أو الرسول لتحمل المسؤولية الرسالية الكبرى،  فحمل رسالة الله يعني تحمل مسؤولية مقدسة تتطلب الالتزام التام بتعليمات الله وتوجيهاته،  ولهذا جاء الأمر الإلهي لموسى عليه السلام، فاستمع لما يوحى،  وهو توجيه يعكس أهمية الاستماع الواعي والمركز لتعليمات الله، وبيّن السيد القائد أن هذا المبدأ يمثل درساً تربوياً عظيماً للإنسان، حيث يجب أن يتعلم الإنصات للهداية الإلهية والاستجابة لها بوعي واهتمام.

دروس معاصرة من قصة موسى

واختتم السيد القائد حديثه بالإشارة إلى أن قصة موسى عليه السلام ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي مدرسة إيمانية متكاملة تقدم دروساً عظيمة للأمة في كل زمان،  فهي تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يعدّ القادة الربانيين إعداداً خاصاً ليواجهوا الطغيان وينصروا المستضعفين، وأن الرسالة الإلهية هي أساس العدل والقسط في حياة البشرية،  كما تؤكد أن الارتباط بالقرآن الكريم هو الطريق الصحيح لفهم الحقائق الإيمانية بعيداً عن الروايات المغلوطة أو الطروحات المنحرفة،  وبذلك تظل قصة موسى عليه السلام نموذجاً خالداً في الصبر والثبات والاعتماد على الله في مواجهة الطغيان، ودليلاً على أن الهداية الإلهية هي القوة الحقيقية التي تصنع التحولات الكبرى في حياة الأمم.

You might also like