العلق البيضاء الساكنة.. عندما يضاعف العرف القبلي العقوبة حمايةً للقيم

يمانيون|محسن علي
في أعماق التراث التشريعي للمجتمعات القبلية، تبرز مفاهيم قانونية فريدة شكلت على مدى قرون دستوراً اجتماعياً صارماً لحفظ الحقوق وحماية الروابط وردع المعتدين, ومن بين هذه المفاهيم، تظهر “العلق البيضاء الساكنة” كواحدة من أشد القواعد العرفية قوةً وحزماً؛ فهي جرائم محددة لا تقبل أحكامها التخفيض أو المساومة، ويُحكم فيها بـ”المحشم”، وهو حكم مضاعف للعقوبة الأصلية، لتبقى شاهداً على قدسية بعض الروابط والأعراف التي لا يمكن المساس بها, وهو ما سنستعرضه سويا في هذا الجزء التاسع عشر من قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن.

 

تُمثل “العلق البيضاء الساكنة” فئة خاصة من الاعتداءات والجرائم في منظومة العرف القبلي، والتي تشمل انتهاك العرض، أو الدم، أو المال , وااكتسبت هذه الجرائم مسماها الفريد كون أحكامها “ساكنة”، أي ثابتة لا تتغير؛ فلا تؤثر فيها أي محاولات للتخفيف أو الوساطة. فبينما قد تقبل جرائم أخرى ما يُعرف بـ”دروع العيب الأسود” لتخفيض الحكم، فإن “العلقة البيضاء” ترفضها تماماً، ويُنفذ حكمها “المحشم” كاملاً وشاملاً، والذي يعني الحكم الأصلي ومثله.

وعلى الرغم من أن لها “غالياً” واحداً (قيمة مالية) يعادل قيمة الحد الأصلي، إلا أنها لا تُصنف كـ”عيب”، بل تظل “علقة بيضاء ساكنة”، في إشارة إلى خطورتها الاستثنائية.

وقد حدد العرف القبلي اثنتي عشرة حالة تعتبر من العلق البيضاء، وهي بمثابة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها إلا بعقوبة مضاعفة ورادعة.

 

أبرز صفات العلق البيضاء:

 علقة العاقل ومعقله: يتمتع “العاقل” (ممثل الأسرة أو القبيلة) بحصانة عرفية تجرّم أي اعتداء عليه من أفراد جماعته، وفي المقابل، تجرّم أي اعتداء منه عليهم. أي انتهاك لهذه العلاقة من الطرفين يُعد علقة بيضاء.

علقة الملزم وملزمه: حمايةً لروابط المصاهرة والنسب، فإن أي اعتداء بين الأصهار يُعتبر خرقاً خطيراً يستوجب الحكم بالمحشم.

 علقة بدء الفرط بقتيل: تماشياً مع تحريم الدين لقتل النفس، يجرّم العرف القبلي البدء بالقتل في أي فتنة أو حرب. ويُحكم بالمحشم على قاتل أول ضحية تسقط، في قاعدة عرفية تقول: “يُحشم أولهم”.

علقة عصبية الفتنة: إذا اجتمع أكثر من شخص للاعتداء على شخص واحد، فإن هذا الفعل يُصنف كعلقة بيضاء، نظراً لغياب التكافؤ واللجوء إلى الغلبة بالكثرة.

 علقة فعل العوج بطرة: من يتجاوز الإجراءات العرفية المتبعة لاسترداد حقه ويلجأ إلى الاعتداء المباشر، يُعاقب بالمحشم لخرقه أصول التقاضي المتعارف عليها.

 علقة خيانة الأمانة: التفريط فيما اؤتمن عليه الإنسان يُعد من أشد الجرائم الأخلاقية، ولذلك فإن أي ضرر ينشأ عن خيانة الأمانة يُقابل بحكم مضاعف.

علقة العارة: الاستهانة بالأشياء المُستعارة أو التفريط فيها يضع المعتدي تحت طائلة هذه العلقة، تأكيداً على أهمية حفظ حقوق الآخرين مهما بدت بسيطة.

 علقات الضمين والكفيل: من يخذل ضامنه أو كفيله ويتسبب له في خسارة أو إحراج، يلزمه العرف بتعويضه بالمحشم، تقديراً لمن وضع وجهه وسمعته ضماناً له.

علقات أخرى: تشمل القائمة أيضاً “مساق الغرام عن غرامه” (التهرب من دفع الالتزامات المالية للقبيلة)، و”الوداعة” (التفريط في شيء أودع لإيصاله)، و”الإضرار بملك الغير” عمداً.

 

ورغم صرامة هذه الأحكام، فإنها تشترك مع “العيوب” في إمكانية بطلانها إذا توفرت صور معينة من “مبطلات العيب”، وفي هذه الحالة، يُحكم بالحد الأصلي فقط دون تضعيف. وبهذا، توازن القواعد العرفية بين الردع الشديد والعدالة، لتحافظ على تماسك المجتمع وتحمي قيمه الأساسية.

المرجع : كتاب قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن.

You might also like