من محراب الشهادة إلى ميادين المواجهة .. الإمام علي يصنع للأمة بوصلة العزة
في محاضرته الرمضانية العشرين من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله قراءة إيمانية عميقة تجمع بين فضائل العشر الأواخر من شهر رمضان، وذكرى استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، مستخلصاً دروساً إيمانية وتربوية وسياسية تمس واقع الأمة الإسلامية اليوم، مؤكدا على العلاقة الوثيقة بين الارتقاء الإيماني في شهر رمضان وبين استلهام الدروس من الإمام علي عليه السلام، الذي مثّل نموذجاً متكاملاً للإنسان القرآني المجاهد الذي عاش لله واستشهد في سبيله.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
العشر الأواخر .. موسم الارتقاء الإيماني
استهل السيد القائد حديثه بالتأكيد على أن شهر رمضان بأكمله يمثل موسماً عظيماً للخير والبركة، إذ يفتح الله تعالى فيه لعباده أبواب الرحمة والعبادة، ويهيئ لهم فرصاً واسعة للارتقاء الإيماني والتزكية الروحية، غير أن العشر الأواخر من الشهر الكريم تحظى بخصوصية استثنائية، ففيها ليلة القدر التي وصفها الله سبحانه وتعالى في القرآن بأنها خير من ألف شهر، وهي ليلة عظيمة تتنزل فيها البركات ويُدبَّر فيها كثير من شؤون العباد، ويضاعف الله فيها الأجر والثواب، وأشار السيد القائد إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعطي هذه الليالي اهتماماً مضاعفاً، حيث كان يكثّف فيها عبادته وذكره لله، في رسالة واضحة للمؤمنين بأن هذه الأيام تمثل فرصة ذهبية لا ينبغي التفريط بها، خاصة وأن الإنسان في أمسّ الحاجة إلى رحمة الله وتوفيقه وثباته على طريق الحق والهداية.
ليلة الحادي والعشرين .. ذكرى جريمة غيّرت مسار الأمة
ومن بين ليالي العشر الأواخر، تقف ليلة الحادي والعشرين من رمضان كذكرى أليمة في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث استشهد فيها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام متأثراً بجراحه بعد أن ضربه أشقى أهل الأرض عبد الرحمن بن ملجم المرادي في محراب مسجد الكوفة، وأوضح السيد القائد أن هذه الجريمة لم تكن حادثة معزولة، بل جاءت نتيجة تخطيط وتحريض من قوى النفاق التي تسللت إلى داخل الأمة، والتي لعبت دوراً خطيراً في الانحراف بالمسار الإسلامي بعد رحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبيّن أن اغتيال الإمام علي عليه السلام كان من أخطر الأحداث التي تعرض لها الإسلام، لما يمثله الإمام من مكانة عظيمة في الدين، ومن دور محوري في الحفاظ على صفاء الإسلام ونقائه ومواجهة قوى الكفر والنفاق.
الإمام علي الامتداد الأصيل للنهج القرآني
وفي استعراضه لشخصية الإمام علي عليه السلام، أكد السيد القائد أن الإمام يمثل مدرسة إسلامية متكاملة، فهو أعظم تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وآله، والأذن الواعية التي حفظت علمه وتوجيهاته، كما شدد على أن منزلة الإمام علي في الإسلام ليست منزلة عادية، بل هي منزلة عظيمة أكدتها نصوص القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث اقترن بالحق وكان دائماً في مقدمة المدافعين عن رسالة الإسلام، وقد جسّد الإمام علي عليه السلام، الامتداد الأصيل للإسلام القرآني، فكان يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل النبي على تنزيله، وهو ما يعكس عمق دوره في حماية الرسالة الإسلامية من الانحراف والتحريف.
فزت ورب الكعبة .. فلسفة الشهادة في الإسلام
ومن أبرز المواقف التي توقف عندها السيد القائد، كلمة الإمام علي الشهيرة حين أصيب بضربة الغدر، فزت ورب الكعبة، هذه العبارة تكشف عن الرؤية الإيمانية العميقة للشهادة في الإسلام، حيث كان الإمام يرى الشهادة فوزاً عظيماً ولقاءً كريماً مع الله سبحانه وتعالى، فالإمام علي عاش حياته كلها لله، متقرباً إليه في ميادين العبادة والجهاد وخدمة الأمة، ولذلك كان ينظر إلى الشهادة باعتبارها ذروة العطاء الإيماني وأسمى مراتب القرب من الله.
الجهاد .. درع الأمة وسبيل عزتها
وتطرق السيد القائد إلى مفهوم الجهاد في فكر الإمام علي عليه السلام، حيث كان يرى فيه باباً عظيماً من أبواب الجنة وركناً أساسياً لحماية الأمة وصيانة كرامتها، موضحا أن الإمام علي وصف الجهاد بأنه لباس التقوى ودرع الله الحصينة التي تتحصن بها الأمة، وتحقق من خلالها المنعة والقوة والعزة، كما حذر من خطورة التخلي عن الجهاد، مستشهداً بكلام الإمام علي عليه السلام الذي بيّن أن من يترك الجهاد يلبسه الله ثوب الذل ويحيط به البلاء، ويصبح فاقداً للدور والوعي والتأثير.
أعداء الأمة.. الخطر الدائم
وفي قراءة للواقع المعاصر، أشار السيد القائد إلى أن أخطر أعداء الأمة كما جاء في القرآن الكريم هم اليهود، يليهم بقية الكافرين الذين يعملون باستمرار على إضعاف الأمة والسيطرة عليها, ومن هنا، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب وعياً عميقاً وبصيرة إيمانية، إضافة إلى التمسك بخيار الجهاد المشروع الذي يحفظ للأمة استقلالها وكرامتها.
وصايا الإمام علي .. مشروع إصلاح للأمة
واختتم السيد القائد حديثه بالتوقف عند وصايا الإمام علي عليه السلام لابنيه الحسن والحسين عليهما السلام، والتي تمثل في جوهرها برنامجاً إصلاحياً متكاملاً للأمة الإسلامية، ومن أبرز تلك الوصايا تقوى الله و قول الحق وأن يكون المؤمن خصماً للظالم وعوناً للمظلوم، وإصلاح ذات البين وتعزيز الأخوة الإيمانية، والتمسك بالقرآن والعمل به، والمحافظة على الصلاة والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، وغيرها من الوصايا العظيمة التي أكد السيد القائد أنها تمثل اليوم حاجة ملحة للأمة الإسلامية التي تعاني من التفرق والضعف، مشيراً إلى أن العودة الصادقة إلى تعاليم الإسلام الأصيلة هي الطريق الوحيد لاستعادة العزة والكرامة.
دلالات الحاضر واستلهام التاريخ
تؤكد مضامين هذا الدرس أن استحضار سيرة الإمام علي عليه السلام ليس مجرد استذكار تاريخي، بل هو استلهام لقيم ومبادئ قادرة على إعادة بناء وعي الأمة وتوجيه مسارها، ففي زمن تتكاثر فيه التحديات والضغوط على الأمة الإسلامية، تبقى سيرة الإمام علي مدرسة مفتوحة في الإيمان والجهاد والعدل والوعي، تقدم نموذجاً للإنسان القرآني الذي يعيش لله ويجاهد في سبيله ويجعل من حياته كلها مشروعاً لنصرة الحق ومواجهة الباطل.