ليلة السادس والعشرين من يناير.. «مارلين لواندا» تحترق في خليج عدن وتسقط أسطورة الحماية البريطانية

يمانيون | تحليل
في السادس والعشرين من يناير 2024، وبينما كان العدوان الصهيوني على قطاع غزة في ذروته، مترافقًا مع عدوان أمريكي-بريطاني مباشر على اليمن في محاولة فاشلة لإيقاف الإسناد اليمني لغزة، بدا المشهد البحري للوهلة الأولى هادئًا، لا يوحي بعاصفة وشيكة.

البحر العربي قبل الغروب كان ساكنًا، لكن خلف هذا السكون كانت أعين مجاهدي القوات البحرية اليمنية مفتوحة، تراقب وتتابع وتعدّ.

في ذلك اليوم لم يكن البحر مجرد مساحة مائية، بل ساحة مواجهة سيادية، تُدار فيها معركة إرادات بين مشروع الهيمنة الغربية وموقف يمني معلن لا يقبل المساومة على نصرة فلسطين.

وفي تلك اللحظة، تحولت سفينة نفط بريطانية عابرة إلى عنوان سياسي وعسكري كثيف الدلالة، وإلى واقعة ستُدرّس بوصفها نقطة فارقة في معادلة الصراع البحري.

السياق العام… من غزة إلى البحر العربي

لم يأتِ استهداف السفينة البريطانية «مارلين لواندا» في فراغ، بل كان نتاج سياق مركّب، يبدأ من غزة ولا ينتهي عند خليج عدن.

فمع انطلاق العدوان الصهيوني الهمجي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أعلنت اليمن موقفها الواضح والصريح: غزة ليست وحدها.

هذا الموقف تُرجم عمليًا عبر فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني، أو تلك التي تعمل لصالحه أو تتجه إلى موانئ فلسطين المحتلة، باعتبار أن الاقتصاد وسلاسل الإمداد باتت جزءًا لا يتجزأ من آلة الحرب.

ردّ التحالف الأمريكي-البريطاني لم يتأخر، فجاء عدوانه على اليمن في محاولة لكسر هذا الحصار وإعادة فتح الممرات البحرية بالقوة.

إلا أن هذا العدوان لم ينجح في تقليص القدرات اليمنية، بل على العكس، وسّع من نطاق الاشتباك.

تحوّل مسرح العمليات من البحر الأحمر إلى باب المندب، ثم امتد إلى خليج عدن والبحر العربي وصولًا إلى المحيط الهندي، في إعلان عملي أن القرار اليمني لا تحدّه جغرافيا ضيقة، وأن أي مساحة بحرية تُستخدم لخدمة العدوان تصبح ضمن بنك الأهداف.

 «مارلين لواندا»… سفينة عادية بحمولة غير عادية

وفي هذا السياق، برزت «مارلين لواندا» كهدف ذي دلالة خاصة.

هي ناقلة نفط ترفع علم جزر مارشال، لكنها في الجوهر مملوكة لشركة بريطانية وتعمل ضمن شبكة تجارة تخدم المصالح الغربية.

لم تكن مجرد سفينة نفط عابرة كآلاف غيرها، بل كانت تحمل في جوفها مادة النفثا، وهي مادة هيدروكربونية سائلة شديدة الاشتعال، تُستخدم وقودًا للطائرات. هنا يتجاوز الأمر البعد التجاري، ليصل إلى جوهر المعركة: وقود الطائرات في زمن الإبادة يتحول إلى سلاح، ومن ينقله يصبح شريكًا في الجريمة.

العنصر الثاني الذي منح السفينة هذه الأهمية هو قرارها الواضح كسر الحصار البحري اليمني المفروض على السفن البريطانية والأمريكية والصهيونية.

لم يكن ذلك خطأ ملاحيًا، بل فعلًا محسوبًا يندرج ضمن محاولة اختبار الإرادة اليمنية وقدرتها على التنفيذ.

والعنصر الثالث أن السفينة كانت تتحرك في نطاق جغرافي تراقبه القوات البحرية اليمنية بدقة عالية، من لحظة انطلاقها، مرورًا بمسارها، وصولًا إلى موقع الاستهداف المختار بعناية.

قرار الضربة وتنفيذها… رسالة في التوقيت والمكان

وعلى الرغم من أن التوجيهات العملياتية كانت تتيح استهداف «مارلين لواندا» في أي نقطة ضمن مناطق الحصار المعلنة، فإن القرار اتخذ باستهدافها في خليج عدن تحديدًا.

لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا، بل خيارًا استراتيجيًا مقصودًا.

الرسالة كانت واضحة: اليمن قادر على الضرب حيث يشاء، وليس حيث يُفرض عليه.

خليج عدن هنا لم يكن مجرد مسرح جغرافي، بل منصة لإيصال رسالة سياسية وعسكرية للعدو مفادها أن اتساع البحار لا يعني اتساع هامش الأمان.

عند الساعة السابعة والنصف مساءً، انشق صمت الأفق، وخرج زئير الصواريخ البحرية اليمنية ليطوي المسافات بدقة.

لم تلتفت الصواريخ وراءها، ولم تخطئ وجهتها.

الإصابة كانت مباشرة في منتصف السفينة، لتشتعل النيران فورًا وتتحول الحمولة إلى كتلة لهب عائمة.

في لحظات، سقط الغرور البريطاني، وتحوّلت محاولة كسر الحصار إلى مأزق حقيقي.

الاستغاثات التي أطلقها طاقم السفينة بعد اشتعال النيران كانت تعبيرًا صريحًا عن حجم الصدمة، وعن أن الحسابات النظرية سقطت أمام واقع الميدان.

ما بعد الإصابة… الاعتراف والنتائج الاستراتيجية

بعد الضربة، شاركت سفن متعددة الجنسيات، أمريكية وفرنسية وهندية، في محاولات إطفاء الحريق وإنقاذ السفينة.

استمرت عمليات الإطفاء أكثر من 19 ساعة، في مشهد عكس حجم الضرر وقوة الاشتعال، وأكد أن الإصابة لم تكن رمزية أو تحذيرية، بل مؤلمة ومكلفة.

بقاء السفينة تحترق من الليل إلى الليل حمل دلالة رمزية عميقة: من يتجاهل التحذيرات اليمنية سيدفع الثمن مضاعفًا.

اللافت أن القيادة المركزية الأمريكية نفسها أقرت في بيان رسمي بتعرض السفينة لهجوم بصاروخ باليستي مضاد للسفن في خليج عدن، وبأنها كانت تنقل شحنة من مادة النفثا شديدة الاشتعال للاستخدام التجاري.

هذا الإقرار، وإن حاول تحييد البعد السياسي، شكّل اعترافًا ضمنيًا بفاعلية القدرات اليمنية وبواقع جديد في معادلة الأمن البحري.

العملية جاءت ضمن سياق أوسع أعلنت فيه القوات المسلحة اليمنية استهداف 228 سفينة خلال معركة «الفتح الموعود والجهاد المقدس»، في تأكيد أن ما جرى مع «مارلين لواندا» ليس استثناءً، بل جزء من مسار مستمر حتى وقف العدوان على غزة ورفع الحصار عنها وإدخال الغذاء والدواء للشعب الفلسطيني.

خاتمة

لم تكن ليلة السادس والعشرين من يناير مجرد حادثة بحرية عابرة، بل لحظة كاشفة لتحوّل نوعي في مسار الصراع.

احتراق «مارلين لواندا» في خليج عدن أكد أن الحصار لم يعد إعلانًا سياسيًا فحسب، بل واقعًا عملياتيًا تُفرض كلفته على كل من يحاول تجاوزه.

الرسالة التي خرجت من ألسنة اللهب كانت أوضح من أي بيان: البحر بات جزءًا من معادلة الرد، والقرار اليمني لم يعد يُختبر بل يُحسب له حساب.

وفي زمن تُستخدم فيه التجارة والوقود كأدوات حرب، أثبتت اليمن أن حماية المصالح المرتبطة بالعدوان ليست مضمونة، وأن الإسناد لغزة مستمر مهما تعددت الجبهات واتسعت المسافات.

You might also like