باب المندب اليمني وكسر معادلة الحصار أُحادي الجانب
يمانيون| بقلم: غيث العبيدي*
في لحظة مفصلية أعلنت صنعاءُ نسفَ قواعد اللعبة القديمة تمامًا، فحظرت الملاحة البحرية على السعودية في باب المندب.
فلم يكن بيانًا عسكريًّا وحسب، فقد كان إعلانًا لإفلاس عقيدة الردع السعودية، وولادةً لعصر جديد، عصر المقايضة بالخناق من النقطة الحساسة نفسها.
تسعة أعوام من الحصار أُحادي الاتجاه انتهت، ومن اليوم فصاعدًا، أصبح البحر الأحمر شريانًا للتجارة، ووريدًا مكشوفًا على طاولة التفاوض.
▪️باب المندب: انتقام الجغرافيا
ظنت الرياض أن الهروبَ إلى ينبُع نجاةً من فخ هرمز، لكنها وقعت في فخ أخطر، وهو فخُّ الجغرافيا التي لا تُشترى بثمن؛ فمن يملك الضفة الشرقية لباب المندب يملك مفتاح الاقتصاد العالمي.
اليمنيون لا يملكون الأساطيل البحرية والجوية، لكنهم يملكون الشجاعةَ والقدرة على إسقاط البورصة السعودية بمسيّرة واحدة.
ومن هنا تحول باب المندب من ممر مائي إلى عملة مقايضة إستراتيجية، تقايض بها صنعاء لرفع الحصار عنها، ومن ساحل إلى سيف مسلط على شرايين النفط، وضربة واحدة كافية لإشعال فتيل أزمة طاقة عالمية، وإدخال ميزانية السعودية في حالة نزيف دائم.
▪️انهيار عقيدة الردع بالتفوق: المعاملة بالمثل
البيان لم يكن انفعاليًّا، وكان واضحًا كالشمس، بصياغة هادئة ولغة حاسمة، بعيدة عن لغة ردود الأفعال، وقريبة جدًّا من لُغة دولة تفرض الثمن: “المطار بالميناء، والحصار بالحصار، والتصعيد الشامل بالتصعيد الشامل”.
لقد انتقلت المواجهةُ من منطق تكسير العظم في الداخل، إلى منطق استهداف الجيوب في الخارج، ومن قصف الجبال اليمنية إلى خنق الميزانية السعودية.
وهكذا تهاوت المقولةُ التي بنت عليها الرياض حربَها على اليمن: “نحن نضرب ولا نُضرَب”، واليوم أصبحت أعمق نقطة في الاقتصاد السعودي في مرمى النيران اليمنية.
▪️زلزال كسر الاحتكار: معادلة دفع الكلفة
على المستوى السعودي، الرسالة واضحة: كلفة الحرب لم تعد تُدفع من بطون اليمنيين فقط، فستُدفَع أيضًا من خزائن الرياض واحتياطاتها، وأي قصف جوي قادم، فثمنه الفوري جاهز: “شلل ملاحي وحصار بحري في باب المندب.”
وعلى المستوى الإقليمي، حدث تحوُّلٌ بنيوي كبير، واليمن قفزت من خانة القوة المعزولة إلى خانة الفاعل الإقليمي العابر للحدود.
فمن يمتلك القدرة على تعطيل 12 % من التجارة العالمية لا يمكن تجاوزه في أية تسوية في المستقبل.
وعلى المستوى الدولي، دخلت المنطقةُ عصرَ عسكرة الممرات المائية، وأصبح البحر الأحمر مؤشِّرَ توتر حيًّا، فأية شرارة في طهران أو غزة أو بيروت ستنعكس فورًا على سعر برميل النفط وبوليصة التأمين العالمية.
▪️سقوط أوهام الضمانات الأمنية
سقطت أوهام الأمن المضمون نهائيًّا، والضمانة الوحيدة الآن هي القوة الرادعة المحروسة بالساحل.
وعلى الرياض أن تدركَ جيدًا أنها تقف أمام مفترق طرق لا يحتمل المناورة، فإما فك الحصار، أو دفع فاتورته مضاعفة في كل حاوية وناقلة وسفينة.
الحصار لم يعد سلاحًا بيد طرف واحد، وأصبح سلاح الطرفين، فمن بدأه لن يكون بالضرورة من ينهيه.
*كاتب عراقي.