تبشير الملك سيف بن ذِيْ يَزَنٍ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ-.
القرن السادس الميلادي.. سنة 572م.
بمناسبة ذكرى المولد النَّبَوِيّ الشَّرِيْف 12 رَبِيْع الأَوَّل 1448هـ، عَلَى صاحبها وآله أفضل الصلاة وَالسَّلام؛ سأنشر لَكُمْ مقطعًا تاريخيًّا يوضح تبشير الملك الْيَمَنِيّ سيف بن ذِيْ يزن بِهَذَا النَّبِيّ الْعَظِيْم مُحَمَّد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ- عِنْدَمَا وفَدَ إِلَيْهِ عَبْدالْمُطَّلِبِ بن هَاشِم ليهنئه بِتَحْرِيْرِ الْيَمَن من الاحْتِلال الحبشي واعتلائه عَلَى الْعَرْش، وَكَانَ هَذَا سنة 572م؛ بعد مولد النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ- بسنة واحدة فَقَطْ؛ فإليكم الحوار الَّذِي دار بين الملك سيف بن ذِيْ يَزَن وعبدالمطلب بن هَاشِم جدُّ الرَّسُوْل -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ-.
يمانيون / صالح مقبل فارع.
– وفود التهنئة للملك سيف بن ذي يَزَنٍ:
بعد أن انتصر الملك الْيَمَنِيّ سيف بن ذِيْ يزن عَلَى الأحباش فِيْ مَعْرَكَة غيمان وحرَّر الْيَمَن من الاحْتِلال الحبشي؛ بمقتل آخر ملوك الأحباش فِيْ الْيَمَن مسروق بن أبرهة الحبشي؛ سنة 572م، واستقر الملك سيف على العرش وسمع العرب بانتصاره الساحق على الأحباش وطردهم من اليمن وتسلمه للعرش جاءت العرب وفودًا وفودًا من كافة أنحاء الجزيرة العربية من شرق وغربها ووسطها وشمالها تٌهَنِّئَهُ بمناسبة انتصاره عليهم.
– وفد مكة يهنئ الملك سيف:
وكان من ضمن الوفود التي جاءت وهنأته، وفد مكة؛ وفد قريش بقيادة عَبْدالْمُطَّلِبِ بن هاشم (جد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلًهُ وَسَلَّمَ-) وفيهم سادات قريش([1]).
- ومما قاله عَبْدالْمُطَّلِبِ في تهنئته مخاطبًا الملك سيف بن ذي يَزَنٍ: “وأنت ملكُ العرب، وربيعها، الذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الذي إليه تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، ونحن أيها الملك أهل حرم الله، وسدنة البيت الحرام، أشخصنا إليك -أيها الملك- للذي أبهجك وأبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا والغم الذي أقلقنا فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة“.
- فقال سيف: وأَيُّهُم أنت أيها المتكلم؟
- قال عَبْدالْمُطَّلِبِ: أنا عَبْدالْمُطَّلِبِ بن هاشم بن عَبْدِمَنَاف بن قُصَي.
- قال سيف: ابن أختنا، [إشارة إلى أن أم عَبْدالْمُطَّلِبِ سَلْمَى كانت يمنية من الخزرج].
- قال عَبْدالْمُطَّلِبِ: نعم.
- قال سيف: ادْنُ مني يا عَبْدالْمُطَّلِبِ وأمره بالجلوس بالقرب منه([2]).
– تبشير الملك سيف بالنبي محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلًهُ وَسَلَّمَ-:
وخلال مكوث عَبْدالْمُطَّلِبِ في صنعاء؛ قام الملك سيف بتبشيره بقدوم النَّبِيّ محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلًهُ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ -والكلام لسيف مخاطبًا عَبْدالْمُطَّلِبِ-: “وأن هذا حِيْنُه الذي يولد أو قد وُلِدَ، واسمه محمد، بين كتفيه شامة وعلامة، يموت أبوه وأمه، ويكفله عمه وجده، يعبد الرحمن ويزجر الشيطان، ويكسر الأوثان، ويخمد النيران، وبالحق يقول، وبالصدق ينطق“.
ثم بَشّر الملك سيف عَبْدَالْمُطَّلِبِ بأن النَّبِيّ هَذَا هو من صلب عَبْدالْمُطَّلِبِ وأن عَبْدالْمُطَّلِبِ هو جدُّ هَذَا النَّبِيّ، بِقَوْلِهِ: “ارفع رأسك يا عَبْدالْمُطَّلِبِ فقد ثلج صدرك وعلا كعبُك، فهو النَّبِيّ، وأنك جَدُّهُ يا عَبْدَالْمُطَّلِبِ“.
ثم أوصاه بأن يحتفظ بأمره ولا يُفشي سِرَّهُ لئلا تغدر به اليهود، بِقَوْلِهِ -والكلام للملك سيف مخاطبًا عَبْدالْمُطَّلِبِ-: “فَبِهِ احتفظْ، وَعَلَيْهِ احْذَرْ يهودَ؛ فإنهم له عدوٌّ؛ وَاطْوِ ما ذكرتُ لَكَ دون هَؤُلاءِ الرَّهْطِ الَّذِيْنَ معك“، أي لا يخبر بأمره أحدًا حتى أصحابه القرشيين “وفود التهنئة” الذين قَدِمُوا معه من مكة إلى صَنْعَاء. وقَالَ الْمَلِكُ سيف عنهم: “فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة؛ فكن مِنْهُمْ على حَذَرٍ“([3])، وقَالَ الْمَلِكُ سيف كلامًا كثيرًا عن النبي محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلًهُ وَسَلَّمَ- بأنه سيحكم العالم ويظهر أمره ويأتي بدين جديد، وغير ذلك مما يدل على مكانة سيف العلمية إذ لا ينطق بكلامٍ كهذا إلا إذا كان عالِمًا قد قرأ ذلك في كتب السابقين.
– المصادر والمراجع:
– تاريخ ابن خلدون: تَارِيْخُ ابن خَلْدُون الْمُسَمَّى “العِبَرُ وَدِيْوَانُ الْمُبْتَدَأِ وَالخَبَرِ فِيْ تَارِيْخِ العَرَبِ وَالبَرْبَرِ وَمَنْ عَاصَرَهُم مِنْ ذَوِي السُّلْطَانِ الأَكْبَرِ“، عَبْدالرَّحْمَنِ بن خَلْدُون، ضَبَطَ الْمَتْنَ ووضع الحواشي والفهارس، الأُسْتَاذ: خليل شحادة، مراجعة: الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، بَيْرُوْت، لبنان، الطبعة الأُوْلَى، 1401هـ – 1981م. وَهُنَاكَ كتاب آخر باسم “الْيَمَن في تاريخ ابن خَلْدُون“؛ تبيين وتعليق: مُحَمَّد حُسَيْن الفرح، وَزَارَة الثَّقَافَة والسياحة، صَنْعَاء، الجُمْهُوْرِيَّة الْيَمَنِيَّة، الطبعة الأُوْلَى، 1425هـ – 2004م.
– تَبَابِعَةُ الْيَمَنِ السَّبْعِيْنَ، عُظَمَاءُ الأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِيْ عُصُورِ سَبَأ وَحِمْيَرٍ، تأليف: محمد حسين الفَرِح، المكتبة التَّارِيْخية اليمنية، الناشر: دار الثقافة العربية للنشر والترجمة والتوزيع، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2002م.
– مروج الذهب: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تصنيف: الرحالة الْكَبِيْر والمؤرخ الجليل أَبِي الحسن عَلِي بن الْحُسَيْن بن عَلِي المسعودي، المتوفي سنة 346هـ، شرحه وقدم لَهُ: الدُّكْتُوْر مفيد مُحَمَّد قميحة، أُسْتَاذ الأدب الْعَرَبِيّ فِيْ الجامعة اللِّبْنَانِيَّة، منشورات مُحَمَّد عَلِي بيضون، دار الكتب العلمية، بَيْرُوْت، لِبْنَان، الطبعة الثَّانِيَة، 1425هـ – 2004م.
– مُلُوْك حِمْيَر وأقيال الْيَمَنِ، قصيدة نَشْوَان بن سعيد الْحِمْيَرِيّ، المتوفي سنة 573هـ، وشرحها المسمى: “خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك والتبابعة“، تحقيق: علي إسماعيل الْمُؤَيَّد، وَإِسْمَاعِيْل بن أَحْمَد الْجِرَافِيّ، مطبعة السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة الثَّانِيَة، 1395هـ.
– الهوامش:
([1]) تَارِيْخ ابن خلدون ج2، ص74.
([2]) مُلُوْك حِمْيَر وأقيال الْيَمَنِ صـ153، تَبَابِعَةُ الْيَمَنِ صــ781، مروج الذهب [2/89-90].
([3]) تَارِيْخ ابن خلدون ج2، ص64، تَبَابِعَةُ الْيَمَنِ صــ783 وما بعدها.
* * *