التصعيد بالتصعيد.. الأبعاد والدلالات الاستراتيجية لاستهداف منشآت أرامكو في جيزان وينبع

جاء بيان القوات المسلحة اليمنية ليعكس انتقالاً جديداً في مسار المواجهة مع العدو السعودي، من خلال إعلان تنفيذ عمليتين عسكريتين واسعتين استهدفتا أهدافاً حساسة تابعة لمنشآت أرامكو في جيزان وينبع باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، وذلك رداً على الغارات الجوية التي استهدفت مدينة وميناء الحديدة وجزيرة كمران، ولا يقتصر مضمون البيان على الإعلان عن عملية عسكرية فحسب، بل يقدم رؤية متكاملة لطبيعة المرحلة المقبلة، ويحدد القواعد التي ترى القوات المسلحة اليمنية أنها ستحكم مسار الصراع، ويؤكد أن أي تصعيد سعودي سيقابله تصعيد مماثل، وأن معادلة الردع لم تعد محصورة في الدفاع، بل انتقلت إلى استهداف العمق الاقتصادي والاستراتيجي بصورة أكثر اتساعاً،  ويكشف البيان عن رسائل سياسية وعسكرية واقتصادية متشابكة، تؤكد أن بنك الأهداف أصبح أكثر اتساعاً، وأن أدوات الرد أصبحت أكثر تنوعاً، وأن المواجهة تتجه نحو فرض معادلات جديدة ترتبط بمراكز الثقل الاقتصادية للطرف الآخر.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من الدفاع إلى الردع الاستراتيجي

يبرز البيان أن استهداف منشآت أرامكو جاء باعتباره رداً مباشراً على العدوان الذي طال الحديدة وكمران، وهو ما يعكس استمرار اعتماد مبدأ “الرد بالمثل” باعتباره الإطار الحاكم لعمليات القوات المسلحة اليمنية،  فالعملية لم تُقدَّم باعتبارها هجوماً منفصلاً، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة واضحة مفادها أن أي استهداف للأراضي اليمنية سيقابله استهداف مماثل لمصالح استراتيجية داخل السعودية،  وهذا التحول يحمل دلالة مهمة، إذ إن مركز الثقل في الرد لم يعد يقتصر على المواقع العسكرية، وإنما امتد ليشمل البنية الاقتصادية الحساسة، باعتبارها أحد أهم عناصر الضغط الاستراتيجي.

اختيار أرامكو .. استهداف مركز القوة الاقتصادية

يكشف اختيار منشآت أرامكو في جيزان وينبع عن دلالات استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، فأرامكو تمثل القلب الاقتصادي للمملكة، وأحد أهم مصادر القوة المالية والطاقة، وبالتالي فإن استهداف منشآتها يحمل رسالة بأن الاقتصاد بات جزءاً من معادلة الصراع، وأن استمرار العمليات العسكرية ضد اليمن ستكون له انعكاسات مباشرة على المصالح الاقتصادية السعودية، كما أن توزيع الضربات بين جيزان وينبع يشير إلى اتساع نطاق العمليات وعدم اقتصارها على منطقة حدودية واحدة، بما يعكس قدرة على الوصول إلى أهداف متعددة في مسافات واتجاهات مختلفة.

كثافة النيران تعكس تطوراً في القدرات

من أبرز ما يلفت الانتباه في البيان الحديث عن استخدام “عشرات الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة”،  ولا يحمل هذا الوصف بعداً إعلامياً فقط، بل يعكس مؤشرات عسكرية مهمة، أبرزها تنفيذ هجمات مركبة متعددة الوسائط، ودمج الصواريخ الباليستية مع الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة ضمن عملية واحدة،  وكذلك رفع مستوى التشبع الناري بما يزيد من تعقيد مهمة الدفاعات الجوية، وإظهار قدرة على إدارة عمليات واسعة ومتزامنة ضد أكثر من هدف،  ويشير ذلك إلى تطور في التخطيط العملياتي، وإلى امتلاك قدرة أكبر على تنسيق الضربات المركبة.

التأكيد على “الإصابات الدقيقة” رسالة ردع

حرص البيان على التأكيد بأن العمليات حققت “إصابات دقيقة ومباشرة”، وهو توصيف يحمل أكثر من رسالة، فالرسالة الأولى موجهة إلى الداخل اليمني لإظهار فاعلية العمليات، والرسالة الثانية موجهة إلى السعودية بأن الدفاعات الجوية لم تمنع وصول الضربات إلى أهدافها، أما الرسالة الثالثة فتتعلق بإظهار أن القدرات الهجومية لم تعد تعتمد على الكم فقط، بل أصبحت ترتكز أيضاً على مستوى أعلى من الدقة في إصابة الأهداف.

معادلة “التصعيد بالتصعيد” تدخل مرحلة جديدة

يُعد أبرز ما في البيان إعادة التأكيد على معادلة “التصعيد بالتصعيد”،  فالبيان لا يتحدث عن رد انتهى بتنفيذ العمليتين، وإنما يعلن بوضوح أن التصعيد سيظل مفتوحاً طالما استمر العدوان،
وهذا يعني أن العمليات الأخيرة ليست سقف الرد، بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة تتسم بتوسيع نطاق العمليات ورفع وتيرتها تبعاً لتطورات الميدان.

تثبيت معادلة “الحصار بالحصار”

جدد البيان التأكيد على استمرار فرض الحصار البحري على السعودية، باعتباره رداً على الحصار المفروض على اليمن منذ سنوات،  ويعكس ذلك أن الحصار لم يعد يُنظر إليه باعتباره إجراءً منفصلاً، وإنما أصبح جزءاً من استراتيجية الردع الشاملة التي تجمع بين العمليات العسكرية والإجراءات الاقتصادية والبحرية، كما يحمل التأكيد على استمرار هذه المعادلة رسالة بأن الضغوط الاقتصادية ستظل أحد أهم أدوات المواجهة خلال المرحلة المقبلة.

الدفاعات الجوية حاضرة في المشهد

قبل الإعلان عن العمليات الهجومية، حرص البيان على الإشارة إلى أن الدفاعات الجوية اليمنية اشتبكت مع الطائرات المهاجمة ومنعتها من تنفيذ مزيد من الغارات،  ويعكس هذا التسلسل محاولة تقديم صورة متكاملة للقدرات العسكرية، تقوم على الجمع بين الدفاع عن الأجواء والقدرة على تنفيذ عمليات هجومية واسعة، بما يعزز مفهوم التكامل بين منظومات الدفاع والهجوم.

رسائل إلى الداخل والخارج

يحمل البيان مجموعة من الرسائل المتوازية،
فعلى المستوى الداخلي، يسعى إلى تعزيز الثقة بقدرة القوات المسلحة على الرد وعدم ترك أي اعتداء دون مواجهة،  وعلى المستوى الإقليمي، يوجه رسالة بأن استهداف اليمن ستكون له تكلفة مباشرة على المصالح الحيوية السعودية،
أما على المستوى الدولي، فيؤكد أن استمرار العدوان والحصار سيقود إلى اتساع دائرة التأثير لتشمل ملفات الطاقة والاقتصاد والملاحة، وهو ما يرفع من كلفة استمرار التصعيد.

اتساع بنك الأهداف

اختيار منشآت أرامكو في منطقتين مختلفتين يعكس أن بنك الأهداف لم يعد محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، وإنما بات يشمل منشآت استراتيجية متعددة،  كما يوحي البيان بأن خيارات الرد المستقبلية قد تكون أكثر تنوعاً، سواء من حيث نوعية الأهداف أو طبيعة الوسائل المستخدمة.

قراءة في المرحلة المقبلة

يؤسس البيان لمرحلة تبدو فيها قواعد الاشتباك أكثر وضوحاً من أي وقت مضى،  فالرد لم يعد يقتصر على ردود فعل محدودة، وإنما أصبح قائماً على معادلات معلنة تربط بين كل عملية عسكرية وبين رد مقابل يمس مراكز الثقل لدى الطرف الآخر،  كما أن الحديث عن الاستعداد لتوسيع التحركات خلال الساعات والأيام المقبلة يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات تصعيد إضافية إذا استمرت العمليات العسكرية ضد اليمن.

ختاما ..

يعكس بيان القوات المسلحة اليمنية تحولاً لافتاً في مسار الخطاب العسكري، إذ لا يكتفي بالإعلان عن تنفيذ عمليتين استهدفتا منشآت أرامكو في جيزان وينبع، بل يقدم إطاراً متكاملاً لمرحلة جديدة من المواجهة تقوم على تثبيت معادلتي “الحصار بالحصار” و“التصعيد بالتصعيد”، وربط أي تصعيد عسكري باستهداف مباشر لمراكز الثقل الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي ضوء مضامين البيان، تبدو الرسالة الأساسية أن المواجهة، وفق الطرح الوارد فيه، لم تعد محكومة بردود فعل محدودة، وإنما دخلت مرحلة تسعى إلى فرض توازن ردع يعتمد على توسيع نطاق الأهداف، وتكامل أدوات الهجوم، ورفع كلفة استمرار العمليات العسكرية، بما يجعل الاقتصاد والبنية الاستراتيجية جزءاً أساسياً من معادلات الصراع خلال المرحلة المقبلة.

You might also like