حين تصبح السيرة النبوية مشروعًا للحياة.. قراءة في كتاب “مع الرسول والرسالة”

يعود كتاب «مع الرسول والرسالة: دروس وعبر» إلى السيرة النبوية لا باعتبارها صفحات من الماضي، بل باعتبارها تجربة إنسانية وحضارية ما تزال قادرة على مساءلة الحاضر، فمن خلال قراءة تمتد من نشأة الرسول وبداية الوحي إلى الهجرة وبناء الدولة والغزوات وحجة الوداع، مقدماً شخصية النبي محمد صلوات الله عليه وآله بوصفها نموذجًا متكاملًا للقيادة والتربية والعدل وتحمل المسؤولية، وفي هذا المسار، تتحول أحداث السيرة من وقائع تُروى إلى دروس تُستعاد، ومن ذاكرة دينية إلى رؤية تساعد القارئ على فهم أسئلة الإنسان والمجتمع وإمكانات التغيير.

يمانيون| محسن علي

منذ الصفحات الأولى، يحدد كتاب «مع الرسول والرسالة: دروس وعبر» من إعداد الأستاذ يحيى قاسم أبو عواضة موقعه بوضوح داخل حقل الكتابة في السيرة النبوية، فهو لا يقدّم نفسه بوصفه دراسة تاريخية محضة، ولا يكتفي بعرض مراحل حياة الرسول وأحداثها، بل ينطلق من سؤال أكثر اتصالًا بالحاضر: كيف يمكن أن تستعيد السيرة فاعليتها في وعي الأمة وسلوكها ومواقفها؟

هذا السؤال يمنح الكتاب طابعه الرئيس؛ إذ ينظر إلى شخصية الرسول باعتبارها نموذجًا متكاملًا للقيادة والتربية والإصلاح، ويرى أن الارتباط بالنبي لا يتحقق بمجرد المعرفة أو الاحتفاء، بل بالاقتداء العملي وتحويل القيم إلى مواقف، ومن ثمّ، تظهر السيرة في الكتاب بوصفها مصدرًا للمعنى ومنهجًا لفهم الإنسان والمجتمع والصراع والتغيير، كما يشير  أن مادته جُمعت من موضوعات تناولت شخصية الرسول ورسالته، ثم مزجت بالنص التاريخي، مع اعتمادها في نقل الجانب التاريخي على كتاب في السيرة للدكتور الشهيد المرتضى بن زيد المحطوري، وهذا التصريح يكشف طبيعة العمل ومنهجه؛ فهو نص تجميعي تفسيري، يجمع بين الرواية التاريخية والقراءة الوعظية والاستنباط الفكري.

 

القرآن مدخلًا إلى شخصية الرسول

يضع الكتاب القرآن الكريم في مركز عملية التعرف إلى شخصية الرسول، فالسيرة، وفق رؤيته، لا ينبغي أن تُقرأ كوقائع متفرقة عن الغزوات والهجرة والمواقف السياسية، لأن هذه الأحداث لا تكتمل دلالتها إلا في ضوء المبادئ القرآنية التي وجّهت الحركة النبوية، ومن هنا يربط الكتاب بين فهم القرآن وفهم الرسول؛ فالنبي، في تصوره، رجل قرآني يتحرك بالقرآن ويجسد مبادئه في الواقع. ولذلك فإن قراءة المواقف النبوية لا تتوقف عند سؤال ما جرى، وإنما تمتد إلى سؤال الغاية: لماذا اختار الرسول هذا الأسلوب؟ وما الدرس الذي أراد ترسيخه؟ وكيف تحولت الوقائع إلى وسيلة لتربية الأمة وبناء وعيها؟ هذه المقاربة تمنح الكتاب طابعًا تفسيريًا واضحًا، فالسيرة لا تظهر فيه كحكاية تاريخية منفصلة عن الحاضر، بل كحركة تربوية تتضمن مبادئ في القيادة، وإدارة الأزمات، وتكوين الجماعة، ومواجهة الانحراف والفساد، وبذلك تصبح شخصية الرسول إطارًا جامعًا بين العبادة والسلوك، وبين الإيمان والعمل العام.

 

الرسالة بين تحرير الإنسان وتحميله المسؤولية

يتوقف الكتاب عند الأهداف الكبرى للرسالات الإلهية، ويضع في مقدمتها تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتربيته على تحمل المسؤولية، وإصلاحه وتأهيله، وإقامة القسط في الحياة، فهو لا يعرض هذه الأهداف بوصفها مفاهيم دينية مجردة، بل يربطها بالواقع الاجتماعي والسياسي، فالتحرير، في منطقه، لا يعني البعد الروحي وحده، وإنما يتصل أيضًا برفض الخضوع للطغيان والظلم والاستبداد، أما الإيمان، فلا يقدَّم بوصفه موقفًا فرديًا منعزلًا، بل باعتباره مسؤولية تقتضي المبادرة والعمل والإسهام في إصلاح المجتمع، بينما تحتل فكرة المسؤولية مكانة محورية في هذا البناء؛ إذ يرى أن أمة الرسالة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإقامة القيم في الواقع، لا بالاكتفاء بالإيمان اللفظي،  وهنا يخرج الخطاب من نطاق الوعظ الفردي إلى خطاب يتناول دور الجماعة في التاريخ وقدرتها على مواجهة الفساد وحماية استقلالها.

 

المولد النبوي واستعادة الصلة بالرسول

يعالج المحتوى ذكرى المولد النبوي بوصفها مناسبة لتجديد الصلة بالرسول ورسالته، وليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة، كما يمنحها وظيفة تربوية تتمثل في استحضار شخصية النبي في الوعي العام، والتذكير بأخلاقه ومنهجه ومواقفه، وربط محبته بالاقتداء به، كما يرى الكتاب في هذه المناسبة مجالًا لتعزيز وحدة المسلمين حول الأصول الجامعة، واستعادة العلاقة بمصادر العزة والقوة، وبهذا يتحول المولد في رؤية المؤلف إلى مدخل لإحياء الوعي بالرسالة، وإلى فرصة لطرح سؤال عملي: ما الذي يعنيه الانتماء إلى الرسول في السلوك والقرار والموقف؟

 

من السيرة الفردية إلى مشروع بناء المجتمع

في السياق يستعرض مراحل حياة الرسول منذ المولد والنشأة والشباب، مرورًا بصفاته الأخلاقية ولقبه بالصادق الأمين، وصولًا إلى نزول الوحي وبداية الرسالة،  ولا يتعامل مع هذه المراحل باعتبارها مقدمات تاريخية فحسب، بل يقرأها في إطار التهيئة الأخلاقية والإنسانية لحمل رسالة عالمية، وفي المرحلة المكية، يتناول الدعوة في مكة، وموقف قريش منها، وتعذيب المستضعفين، والهجرة إلى الحبشة، وإسلام حمزة، والحصار، وعام الحزن، والإسراء، ثم اللقاء بالأوس والخزرج، وتظهر هذه الوقائع ضمن سياق صراع بين مشروع إصلاحي يريد تغيير الواقع، وبنية اجتماعية وسياسية تحاول الحفاظ على مصالحها ونفوذها، أما الهجرة، فتحتل مكانة مركزية بوصفها نقطة تحول في مسار الدعوة. فهي انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة تأسيس المجتمع، ومن مواجهة الواقع القائم إلى بناء واقع بديل، مستخلصا منها دروسًا في الصبر، وحسن التخطيط، والثقة بالله، والقدرة على تحويل المحنة إلى بداية تاريخية جديدة.

 

المدينة نموذجًا لبناء الجبهة الداخلية

في عرضه للمرحلة المدنية، يبرز عددًا من الأسس التي قام عليها المجتمع الجديد: بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وعقد المعاهدات مع سكان المدينة، ثم الانتقال إلى بناء الدولة، وتكشف هذه المعالجة عن رؤية تعتبر بناء المجتمع عملية متدرجة تبدأ بالمرجعية والقيم، ثم تنتقل إلى التضامن الاجتماعي وتنظيم العلاقات، وصولًا إلى إدارة الشأن العام، فالمؤاخاة ليست مجرد موقف أخلاقي، بل أداة لتقوية الجبهة الداخلية، والمعاهدات ليست ترتيبات سياسية عابرة، بل وسيلة لتنظيم التعايش وحماية المجتمع الناشئ، وبهذا يقدم المدينة المنورة باعتبارها نموذجًا لتأسيس مجتمع يمتلك مرجعيته، ويعالج تناقضاته الداخلية، ويبني مؤسساته، ويستعد لمواجهة التحديات الخارجية.

 

الغزوات بوصفها دروسًا في القيادة وإدارة الأزمات

يشغل القسم الخاص بالغزوات مساحة واسعة من الكتاب، ويشمل بدرًا وأحدًا والخندق وخيبر والحديبية وفتح مكة وحنين وتبوك، غير أن الهدف ليس استعادة التفاصيل العسكرية وحدها، بل تحويل كل محطة إلى درس في القيادة والانضباط والوعي وإدارة الصراع؛ ففي بدر، يركّز على الأخذ بالأسباب، والرصد، والثقة بالله، والاستعداد لمواجهة الفساد. ويبرز الرسول قائدًا يوازن بين الإيمان والتخطيط، وبين الاعتماد على الله والاستعداد العملي، وفي أحد، يتوقف عند آثار مخالفة التعليمات والتنازع الداخلي، ويجعل من المعركة درسًا في ضرورة الطاعة والانضباط ووحدة الصف،  كما يبرز فيها شخصية الرسول قائدًا عسكريًا، ويقرأ المحنة باعتبارها اختبارًا يكشف قوة النفوس وتماسك الجماعة.

أما في الخندق، فيرتبط بالثقة في مواجهة التآمر والشدائد، بينما تُستحضر خيبر في سياق الحديث عن القيادة القادرة على حسم الصراع،  وتتحول الحديبية إلى درس في إدارة المراحل وقراءة النتائج بعيدة المدى، في حين يبرز فتح مكة قيمة العفو عند المقدرة، إلى جانب حسن التنظيم والسرية وإدارة اللحظة التاريخية، وفي حنين، يحذر الكتاب من الاغترار بالقوة، ويؤكد ضرورة استمرار الارتباط بالله مهما بلغت إمكانات الجماعة، أما تبوك، فتُقرأ في ضوء مواجهة الإرجاف والدعاية، والتعبئة العامة، والمبادرة، وعدم الصمت أمام التحديات، وبهذه الطريقة، تصبح الغزوات في الكتاب سلسلة من الدروس المتصلة: بدر تعلم الاستعداد والثقة، وأحد تعلم الانضباط، والخندق تعلم الصبر، والحديبية تعلم تقدير النتائج، وفتح مكة يعلم العفو، وحنين يحذر من الغرور، وتبوك تؤكد المبادرة.

 

إسقاطات معاصرة تحدد موقع الكتاب الفكري

لا يكتفي المؤلف بعرض الماضي، بل يربطه مباشرة بواقع الأمة وأزماتها،  وفي مقاطع متعددة، تُستعاد أحداث السيرة بوصفها نماذج لفهم التحديات الراهنة، وتظهر إشارات إلى محاولات إبعاد الأمة عن مصادر قوتها، وإلى أهمية الاستقلال والاعتماد على الذات ومواجهة الهيمنة والفساد، ويصل هذا الربط إلى الحديث عن واقع اليمن، واستحضار أجواء غزوة الأحزاب في سياق معاصر،  وهذا الحضور الواضح للراهن يكشف أن الكتاب لا يتحرك داخل كتابة تاريخية محايدة، بل ينتمي إلى خطاب ديني وفكري ملتزم يرى في السيرة أداة لفهم الصراع الحالي وتوجيه الموقف منه؛ فالمؤلف لا يكتفي بوصف ما وقع، بل يحمّل الوقائع دلالات مباشرة تتصل بمشروعه الإصلاحي ورؤيته لقضايا الأمة.

 

خاتمة الرسالة واستمرار المسؤولية

في نهايته يصل الكتاب إلى حجة الوداع وغدير خم، ثم ينتقل إلى سؤال التغيير: كيف استطاع النبي، خلال فترة وجيزة، أن يغير واقع البشرية؟ وما الذي يمكن أن يحدث تغييرًا مشابهًا في واقع الناس اليوم؟ ويرى أن الرسول لم يبنِ حضوره على الهيمنة الشخصية، بل ربّى رجالًا قادرين على حمل المسؤولية ومواجهة المستكبرين، ومن ثم، فإن الارتباط بالنبي لا يكتمل بالمحبة أو التذكر، بل يتطلب بناء الإنسان القادر على تحويل الإيمان إلى عمل، والرسالة إلى مشروع، والقيم إلى سلوك عام.

 

ختاما

في محصلته، يضع كتاب «مع الرسول والرسالة» القارئ أمام سيرة لا تُروى للتاريخ وحده، بل تُقرأ باعتبارها منهجًا في بناء الإنسان وإدارة الأزمات وصناعة التغيير، في حين تبقى رسالته الأبرز أن الاقتداء بالرسول لا يكتمل بمعرفة سيرته، وإنما بتحويل قيمها إلى وعيٍ وموقفٍ ومسؤولية.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

مع الرسول والرسالة_260816_192212

You might also like