الربع في العرف القبلي.. قواعد المناصرة وحدودها لرفع الظلم وضبط الخصومة وحماية الحقوق

يُنظر إلى «الربع» في العرف القبلي اليمني بوصفه مجرد طلب حماية، بل باعتباره لجوءًا من ساحة القرية إلى جماعة أو قبيلة بحثاً وطلبًا لمناصرة تعينه على استعادة حق أو رفع ظلم وقع على صاحبه أو على جماعته، غير أن قبول هذا الطلب لا يتم إلا على وجه واحد؛ وبينما يفتح العرف باب القبول في حالات محددة، يرفض الطلب في حالات أخرى، مع بقاء واجب النصرة، ويعلّقه على شروط دقيقة في حالة ثالثة لا يكتسب صفته إلا بعد استيفاء متطلبات محددة ، بما يجعل «الربع» منظومة متكاملة من القواعد والصور والالتزامات.

نستعرض في هذا الجزء الـ33 من سلسلة قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن مفاهيم الربع القبلي وأٌقسامه وصوره في المناصرة القبلية وحدودها في سياق التقرير على النحو التالي:

يمانيون| محسن علي

الربع في العرف القبلي.. قواعد المناصرة وحدودها

مفهوم الربع عرفيًا

يُعرَّف في العرف القبلي بأنه وصول شخص أو جماعة إلى مسراخ قبيلة من القبائل، أو إلى ساحة قرية من القرى، طلبًا للمناصرة من أبناء القبيلة أو القرية التي وصل إليها، بهدف رفع ظلم وقع عليه أو عليهم من طرف آخر، وقد يكون طلب الربع من شخص لشخص بعينه أيضًا.

ولا يتخذ الربع حكمًا واحدًا في جميع الحالات، إذ ينقسم عرفيًا إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الربع المقبول، والربع المرفوض، والربع المشروط، ويختلف كل نوع عن الآخر بحسب صفة طالب الربع، وطبيعة حقه أو ما يتحمله، وانتماء غريمه، والعلاقة القبلية التي تجمع الأطراف.

أولًا: الربع المقبول

مفهوم الربع المقبول: هو الترحيب بطالب الربع وقبول طلبه من أبناء القبيلة أو القرية التي وصل إليها طالبًا رباعتها. ومن المألوف عرفًا مناصرة هذا الربيع بالمال والنفس حتى يستعيد حقه ومظلوميته.

ويظهر الربع المقبول في خمس صور أساسية:

الصورة الأولى: طالب الربع من خارج القبيلة وغريمه من قبيلته الأصلية تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي وصل إليها، ويكون ولي دم أو صاحب حق، بينما يكون غريمه من أصحابه الأصليين ومن القبيلة نفسها التي ينتمي إليها طالب الربع؛ وفي هذه الحالة يكون الربيع مرحبًا به، وتكون رباعته مقبولة.

الصورة الثانية: طالب الربع من خارج القبيلة وغريمه من قبيلة أخرى؛ تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي وصل إليها، وهو ولي دم أو صاحب حق، ويكون غريمه من قبيلة أخرى؛ ويُعد هذا الربيع مرحبًا به، وتكون رباعته مقبولة.

الصورة الثالثة: طالب الربع من خارج القبيلة وغريمه من القبيلة المقصودة في هذه الحالة يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي وصل إليها، ويكون ولي دم أو صاحب حق، بينما يكون غريمه من القبيلة نفسها التي قصدها طالبًا للربع؛ ويظل هذا الربيع مرحبًا به ومقبول الرباعة، مع التزام من وصل إليهم بسرعة إنصافه من صاحبهم المتحمل.
الصورة الرابعة: طالب الربع من داخل القبيلة وغريمه من خارجها تتحقق هذه الصورة عندما يكون طالب الربع من داخل القبيلة التي وصل إليها، وهو ولي دم أو صاحب حق، بينما يكون غريمه من خارج القبيلة، أي من قبيلة أخرى؛ ويُعد ذلك غرامًا من سابق ومن أمثلته:( أن يأتي شخص من قرية إلى قرية أخرى داخل القبيلة نفسها؛ إذ يجمعه المغرم العام مع الواصل إليهم، وتكون قريته الأصلية مغرمه القريب، الذي يسمى عرفًا «مغرم الطحين»، في حين تدخل القرية التي طلب رباعتها ضمن المغرم العام للقبيلة) ولذلك يكون هذا الربيع مرحبًا به، وتكون رباعته مقبولة.

الصورة الخامسة: طالب الربع وغريمه من القبيلة نفسها تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من القبيلة نفسها التي وصل إليها، ويكون ولي دم أو صاحب حق، بينما يكون غريمه من القبيلة نفسها أيضًا، ويكون هذا الربيع مرحبًا به ومقبول الرباعة، لأن الغريمين من أبناء القبيلة التي يجمعها الغرم العام، ومثال ذلك ( أن يأتي شخص من قرية إلى قرية داخل القبيلة؛ إذ يستطيع المربعون ضبط المعوج، لأن الطرفين في النهاية ينتميان إلى قبيلة يجمعها المغرم العام)، وبذلك، فإن الصور الخمس للربع المقبول تُرتّب التزامًا عرفيًا واضحًا؛ فمن أتى طالبًا للربع على إحدى هذه الصور تكون مناصرته واجبة عرفًا، ولا يُرد مثل هذا الربيع.

 

ثانيًا: الربع المرفوض

مفهوم الربع المرفوض

هو عدم قبول طالب الربع أو عدم الترحيب به من أبناء القبيلة أو القرية التي قصدها للتربع فيها، ولا يعني رفض الربع إسقاط الواجب المسنون تجاه طالب الربع في جميع الحالات، بل قد تظل هناك مسؤولية في الضغط أو القيام معه أو مناقشة قضيته، من دون الدخول في الربع.

ولهذا النوع أربع صور:

الصورة الأولى: المتحمل لدين دم وغريمه من قبيلة أخرى تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي وصل إليها، ويكون متحملًا لدين دم، بينما يكون غريمه من قبيلة أخرى، وفي هذه الحالة لا يصح قبول الربيع أو الترحيب به، لأن قبيلة طالب الربع الأصلية هي الملزمة بالقيام معه ومناصرته؛ ومع ذلك، يكون على القبيلة التي وصل إليها طالبًا للربع واجب مسنون، يتمثل في الضغط على قبيلته التي قصّرت في أداء ما يلزمها من واجب مع صاحبها، حتى تقوم بواجبها القبلي وفق ثوابت العرف المسنونة.

الصورة الثانية: المتحمل لدين دم وغريمه من القبيلة المقصودة تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي قصدها، ويكون متحملًا لدين دم، بينما يكون غريمه من القبيلة نفسها التي طلب رباعتها، وهنا لا يصح قبول الربيع أو الترحيب به، لأنه غريم لصاحبهم ومتحمل دم، ولا مغرم على مغرم، وتظل قبيلته الأصلية هي المعنية بمناصرته؛ فالذي لا يلزم على أصحابه لا يلزم على أعدائه.

الصورة الثالثة: طالب الربع من داخل القبيلة وغريمه من خارجها في هذه الحالة يأتي طالب الربع من داخل القبيلة التي طلب الربع فيها، ويكون متحملًا لدين دم، بينما يكون غريمه من خارج القبيلة، وبما أنه من القبيلة نفسها وداخل غرام سابق، فلا تجديد في المغرم، وعليه، لا يُقبل هذا الطلب على صورة ربيع، ولا تُقبل رباعته، مع وجوب القيام معه باعتباره صاحبًا وغرامًا، ومناقشة قضيته بما يجب.

الصورة الرابعة: الطرفان من المغرم نفسه تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من داخل المغرم الذي طلب الربع فيه، ويكون متحملًا لدين دم، بينما يكون غريمه من داخل المغرم نفسه؛ أي إن الغريمين من المغرم ذاته، وفي هذه الحالة لا مغرم على مغرم، ولذلك لا يصح قبول الربيع أو الترحيب به على حكم الربع، غير أن الطرفين يظلان من أصحابهم وإخوتهم، ويلزمهم نقاش الخلاف بينهما؛ فإذا ظهر اعوجاج أحد الغريمين، كان على أبناء المغرم ضبطه حتى يُنصف الصائب، فيما يتحمل كل غريم حمله بنفسه.

وهذه هي صور الربع المرفوض الأربع؛ فإذا انطبقت على طالب الربع إحدى هذه الصور، فلا يصح قبوله ربيعًا، مع بقاء القيام بالواجب المسنون من دون الدخول في الربع.

ثالثًا: الربع المشروط

مفهوم الربع المشروط: هو حالة لا يكون فيها ترحيب مباشر ولا رفض مباشر لطالب الربع في الوقت نفسه؛ فالترحيب بالربيع هنا لا يتم إلا وفق شرط مسنون، ويظل القبول مرتبطًا باستيفاء هذا الشرط.

الصورة الوحيدة للربع المشروط

تتحقق هذه الصورة عندما يأتي طالب الربع من خارج القبيلة التي وصل إليها، ويكون متحملًا لدين دم أو عليه حق، بينما يكون غريمه من قبيلته الأصلية، في هذه الحالة لا يصح قبول الربع مباشرة، كما لا يُرفض، بل يكون الترحيب به ترحيبًا مشروطًا. ويتمثل الشرط في أن يتحمل الحق اللازم لغريمه حتى تاريخ وصوله، أي أن «ينظف نفسه»، وفق التعبير القبلي الوارد في المادة: «ينظف صحنه»، وتقع على القبيلة التي وصل إليها طالبًا رباعتها مسؤولية ضبط غريمه عند وقوع الاعوجاج؛ وبعد استيفاء هذا الشرط، يصبح طالب الربع مقبولًا كربيع مع القبيلة التي وصل إليها، وهذه هي الصورة الوحيدة للربع المشروط.

 

ختاما

يكشف تصنيف الربع في العرف القبلي عن منظومة دقيقة تميّز بين حالات المناصرة المباشرة، وحالات لا تُقبل فيها الرباعة مع استمرار واجب النصرة، وحالة ثالثة يتوقف فيها القبول على شرط محدد، فالمعيار لا يقوم على طلب الحماية وحده، بل يرتبط بصفة طالب الربع، وطبيعة الحق أو الدم، وموقع الغريم من القبيلة أو المغرم، وما إذا كان الالتزام يقع على القبيلة الأصلية أو على الجهة التي قُصدت للربع،  وبذلك تكتمل صور الربع بين قبولٍ واجب، ورفضٍ منضبط، وقبولٍ مشروط، وفق ما تقرره ثوابت العرف القبلي الواردة في هذه القواعد.

المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن -الشيخ روضان.

You might also like