من نار الثأر إلى قوة الموقف.. كيف استعادت القبيلة اليمنية تماسكها ودورها؟
لسنوات طويلة، عاشت معظم القبائل اليمنية تحت وطأة الحروب والثارات، في واقع لم يكن مجرد خلافات اجتماعية عابرة، بل منظومة متراكمة أزهقت آلاف الأرواح، وأصابت أعداداً كبيرة من الناس، ودمرت المنازل والممتلكات، وأبقت الخوف حاضراً في حياة النساء والأطفال، فيما تحولت الخصومات المتوارثة إلى مصدر دائم للرعب وعدم الاستقرار، وفي قراءة أوسع لهذا الواقع، لم تكن ظاهرة الثأر منفصلة عن البيئة السياسية التي عاشها اليمن؛ إذ ارتبط النظام السابق بسياسات غذّت النزاعات القبلية وأبقتها مشتعلة، بما أسهم في تكريس حالة التفكك واستنزاف القبائل وإبقائها منشغلة بصراعاتها الداخلية، بعيداً عن مواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها البلد.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
المسيرة القرآنية.. كسر دائرة الثأر
مع بروز المسيرة القرآنية، بدأت تتشكل مقاربة مختلفة للتعامل مع القضايا القبلية، تقوم على معالجة النزاعات والثارات والدفع باتجاه المصالحة وإنهاء الخصومات، وصولاً إلى إعادة توجيه القوة الاجتماعية للقبائل نحو القضايا الوطنية والدينية الجامعة، وهنا تكمن إحدى أبرز الدلالات؛ فمعالجة الثأر لم تعد مجرد إجراء اجتماعي لإنهاء خصومة بين قبيلتين أو أسرتين، وإنما تحولت إلى مدخل لإعادة بناء العلاقات داخل المجتمع، واستعادة حالة التماسك والتآخي، وربط الانتماء القبلي بهوية يمنية أوسع، فالقبيلة، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن تكون قوة مستنزفة في صراعات داخلية، وإنما مكوناً اجتماعياً فاعلاً يحافظ على السلم الأهلي ويوحد طاقته في مواجهة أخطاراً تستهدف اليمن وأرضه وهويته.
من التفكك إلى الهوية الإيمانية
أحد التحولات التي يبرزها هذا المسار هو الانتقال من العصبية التي تجعل الثأر والانتماء الضيق محركاً للسلوك، إلى التأكيد على الهوية الإيمانية اليمنية باعتبارها إطاراً جامعاً للقبائل والمجتمع، فإنهاء الثارات لا يعني فقط إسقاط خصومة قديمة، بل يعني كسر دورة اجتماعية كانت تعيد إنتاج العنف جيلاً بعد جيل، فحين تتصالح القبائل، تتوقف سلسلة الانتقام، وتستعيد الأسر أمنها، ويصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة، ومن هنا أعيد تعريف مفهوم القوة، فالقوة ليست في استمرار الخصومة أو القدرة على إلحاق الضرر بالخصم الداخلي، وإنما في القدرة على تجاوز الماضي، وبناء التماسك، وحشد الإمكانات حول هدف مشترك.
السيد القائد.. القبيلة عمود المجتمع
تتضح أهمية هذا التحول أكثر في رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي للقبيلة اليمنية، التي يصفها بأنها العمود الفقري للمجتمع، مستحضراً تاريخها في مواجهة الغزاة والطامعين والمستكبرين والظالمين، وهذه الرؤية لا تنظر إلى القبيلة باعتبارها مجرد مكوّن اجتماعي تقليدي، وإنما باعتبارها قوة حية تمتلك الإرادة والقدرة على الإسهام في حماية المجتمع ومواجهة التحديات، وفي هذا السياق، وصف السيد القائد وقفات قبائل اليمن بأنها مبهجة وعظيمة ومعبرة عن العزة الإيمانية للشعب اليمني، مشيراً إلى استمرارها وفي مختلف المحافظات، وتحمل هذه الصورة دلالة تتجاوز مجرد الحضور الجماهيري؛ فهي تعكس، وفق هذه الرؤية، اتساع حالة التفاعل القبلي وتحولها إلى موقف جماعي ممتد، والأهم أن السيد القائد لا يختزل قوة القبائل في العدد أو السلاح، بل يربطها بمنظومة من القيم، الإرادة والعزم والشهامة والنخوة والشرف والتوجه الإيماني، ولذلك يصف خروج القبائل بأنها تخرج كجيش مكتمل بكل ما تعنيه الكلمة؛ في إشارة إلى قوة الإرادة والتماسك والاستعداد لتحمل المسؤولية من منطلق انتماءه الإيماني وهويته الإيمانية، وهنا تتقاطع الرؤية القيادية مع التحول الاجتماعي الذي شهدته القبيلة، فالقوة التي كانت تستنزف في الثأرات والصراعات الداخلية يجري دفعها باتجاه التماسك والعمل المشترك، بما يعزز حضور القبيلة كقوة اجتماعية مؤثرة.
من استنزاف السلاح إلى توحيد البوصلة
لعل أبرز دلالات التحول تتمثل في تغير اتجاه القوة القبلية نفسها، فبدلاً من أن يبقى السلاح موجهاً إلى أبناء القبيلة الواحدة بفعل الثأر والنزاعات، أصبح الخطاب الجديد يدفع باتجاه توحيد البوصلة نحو ما تعتبره القبائل عدواً خارجياً يستهدف اليمن وسيادته وأرضه، وهذا التحول يمثل انتقالاً من الاستنزاف الداخلي إلى التعبئة حول قضية مشتركة؛ إذ لم تعد القبائل، وفق هذا التصور، ترى في بعضها البعض خصماً دائماً، بل أصبحت الروابط الاجتماعية والدينية والوطنية عاملاً في جمعها وتوحيد موقفها،
وبذلك تتحول المصالحة القبلية من مجرد تسوية لنزاع اجتماعي إلى عنصر من عناصر بناء الجبهة الداخلية، بما يقلل من قدرة الانقسامات الداخلية على استنزاف المجتمع.
القبائل اليمنية.. من القضية المحلية إلى غزة
لم يتوقف هذا التحول عند حدود القضايا الداخلية، بل امتد إلى الموقف من القضية الفلسطينية، ولا سيما العدوان الصهيوني على غزة، وقد برزت مشاركة القبائل اليمنية في الفعاليات والمواقف المناصرة لغزة باعتبارها تعبيراً عن انتقال الاهتمام من القضايا المحلية إلى قضية تُقدَّم باعتبارها قضية دينية وإنسانية جامعة، وهنا تتسع دائرة الموقف القبلي من الدفاع عن المجتمع المحلي إلى التعبير عن موقف تجاه قضية عربية وإسلامية كبرى، بما يعكس، اتساع مفهوم المسؤولية لدى القبيلة اليمنية.
القبيلة في مواجهة التحدي الخارجي
إن توجيه القوة القبلية نحو مواجهة أخطاراً خارجية يكتسب دلالته من التاريخ اليمني نفسه؛ فالقبيلة كانت على امتداد مراحل مختلفة من التاريخ جزءاً من معادلة الدفاع عن الأرض ومواجهة الغزاة، ومن هذا المنطلق، فإن استحضار هذا التاريخ في الخطاب المعاصر لا يأتي لمجرد الفخر بالماضي، وإنما لتأكيد أن القبيلة، عندما تتجاوز خلافاتها الداخلية وتوحد إرادتها، تستطيع أن تتحول إلى قوة اجتماعية يصعب تفكيكها، وهنا تظهر المفارقة بوضوح، القبيلة التي كانت تُستنزف في الثأر، أصبحت أكثر قدرة على توحيد صفوفها حول قضايا مشتركة؛ والخصومة التي كانت تقطع أوصال المجتمع تحل محلها المصالحة والتآخي؛ والخوف الذي كان يخيّم على حياة الأسر يتحول إلى شعور بالتكاتف والانتماء.
الدلالة الأعمق .. استعادة وظيفة القبيلة
لا تكمن أهمية هذا التحول في عدد قضايا الثأر التي تمت معالجتها أو في حجم الفعاليات القبلية وحدها، وإنما في إعادة تعريف وظيفة القبيلة داخل المجتمع اليمني، فالقبيلة القوية ليست التي تملك القدرة على الاستمرار في الخصومة، وإنما التي تستطيع إيقاف نزيفها الداخلي، وحماية أبنائها، وتعزيز التآخي، وتوحيد قرارها، والحفاظ على هويتها، والمشاركة في القضايا التي تراها مصيرية، ومن هذه الزاوية، فإن المصالحات وإنهاء الثارات تمثل خطوة في اتجاه إعادة بناء النسيج الاجتماعي، بينما يمثل توحيد الموقف حول القضايا الكبرى ترجمة أخرى لهذا التماسك.
ختاما ..
تكشف تجربة القبيلة اليمنية، وفق هذه الرؤية، عن تحول عميق من حالة استنزاف داخلي كرستها سنوات الحروب والثارات إلى حالة من التماسك والتآخي واستعادة الدور الاجتماعي،
وقد مثلت معالجة النزاعات والثارات وتعزيز الهوية الإيمانية أحد أبرز مداخل هذا التحول، فيما أسهمت رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في التأكيد على مكانة القبيلة باعتبارها العمود الفقري للمجتمع، وعلى ما تمتلكه من إرادة وعزم وشهامة ونخوة وشرف وتوجه إيماني، وبينما كانت الثارات تستنزف القبيلة وتزرع الخوف في نفوس النساء والأطفال، أصبحت المصالحة والتماسك مدخلاً لاستعادة القوة الاجتماعية وتوحيد البوصلة،
وهكذا انتقلت القبيلة، في الصورة التي يرسمها هذا المسار، من قوة تستنزفها الصراعات الداخلية إلى قوة تسعى إلى توحيد صفوفها، ومن الانشغال بالثأر إلى الانخراط في قضايا تعتبرها قضايا دين وأرض ومقدسات، وصولاً إلى الموقف من غزة والمشاركة مع القوات المسلحة اليمنية في مواجهة عدواناً صهيوأمريكياً وسعودياً، إن جوهر التحول ليس مجرد إنهاء خصومات الماضي، بل استعادة القبيلة اليمنية لتماسكها ودورها وثقتها بقوتها، وتحويل قوتها من أداة للاقتتال الداخلي إلى رافعة للمجتمع ومواقفه وقضاياه الكبرى.